العلم والمعرفة سبيل الرشاد
|
*كريم محمد
في وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام الى الصحابي الجليل هشام بن الحكم قال: (ياهشام نصب الخلق لطاعة الله ولانجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد، ولاعلم إلا من عالم رباني، ومعرفة العالم بالعقل) (بحارالأنوار، ج1، ص138).
ان طاعة الله هي الغاية من الخلق، وهي غاية المخلوق في الدنيا ووسيلته للآخرة، يسعى إليها في الدنيا، وفي الآخرة هي وسيلته لرضوان الله وجنة خلده، وإنما المرء في الدنيا في حالة بحث وجد، عن حقيقة وجوده، وخلق الكون وخالق الخلائق، وبعد مسيرة طويلة من العثرات والعقبات والذنوب، ربما اكتشف حقيقة وجوده، ومقدار كينونته في هذا الوجود المتلاطم، وعرف نفسه بالعبودية، وأنه لايصلح إلا أن يكون عبداً مطيعاً لله، فكل حقائق الكون تقول له (اسجد واركع لله العظيم) ومن لايسمع هذا النداء فهو بلا شك أصم، أو لا يريد سماع ذلك.
فأول ما ينبغي أن يعرفه الإنسان من وجوده، إنه محتاج إلى الخالق الذي يزوده بالنعم والبركات كافة ، وتمده بطاقة الروح والحياة، وكلما تبحر الإنسان في كيان وجوده عثر على أكثر من دليل بأن هذا الكيان تمده مادة الروح من جانب الباري عزوجل بكل ما يحتاج إلى الحياة، فهو من دون الخالق عدم، وهو من دون رعايته لايقوى على شيء، ومن دون رزقه، لايعيش ولايحيا.
وهنا يصف الإمام وضع الإنسان في هذه الحياة الدنيا بما يشبه كونه في السجن، وإنه إذا أراد النجاة فإنه لاطريق أمامه سوى الطاعة، فمن يريد الخلاص من معمعة الدنيا ومن مشاكلها ومصائبها ومآسيها فعليه أن يسير في طاعة الله. فهذا هو الطريق الأضمن المؤدي إلى بوابة الخروج الرئيسية من هذا السجن الدنيوي وربما جربّ الإنسان الوسائل والطرق كافة للخلاص، لكنه لم يفلح في توفير فرصة لنفسه، فمضى يسقط في متاهة تلو المتاهة، وحفرة تلو الاخرى، دون أن يعثر على طريق للخلاص، والسبب انه في الواقع لم يبحث عن الطريق المؤدي إلى نجاته، فهو يظن مثلاً أن الغوص في الملذات سيرفعان عنه الحرمان، ومتاعب الأيام، وعندما ينجرف وراء هذا الدرب يجد نفسه يغوص في مستنقع مليء بالجراثيم والأوبئة والأمراض النفسية والعصبية.
أما كيف يحقق الانسان الطاعة؟ فالاجابة بالعلم، فالطاعة تشتمل على العلم و منها يستمد المرء قدرته على مجاراة الظروف والتغلب على أوضاع الحياة المختلفة، وبطبيعة الحال فأنك إذا أردت أن تبذل شيئاً من نفسك لأجل قضية مادية أو معنوية فإنك ربما تكون بحاجة إلى معرفة قيمة ذلك الشيء، ولذلك نجد أن هناك من يفدون أنفسهم من أجل دينهم ومعتقدهم وذلك أنهم عرفوا المكافأة التي تنتظرهم لقاء تضحيتهم.
ولابد للمرء أن يتحرى المعرفة الدقيقة لذلك ولايوقع نفسه في ضلالة الأفكار المنحرفة عن جادة الصواب والإيمان، فالخوارج أيضاً كانوا يظنون أنهم يفدون الدين بأرواحهم، فبانت ضلالتهم وانحراف عقيدتهم، فليس كل من ادّعى الجهاد والتضحية بالنفس هو على هذا الصراط، وإنما يكون كذلك من حُظي بعلم وفير يساعدانه على تشخيص طريق الحق وأهله، وفي بلد مثل العراق الذي يعج بالبدع ينبغي على المرء أن يكون شديد الحذر على نفسه ودينه، وأن يتبصر الطريق الذي يريد إنتهاجه والجماعة التي يريد الإنتماء إليها، فربما كانت بؤرة من بؤر الضلالة والإنحراف.
ولن يعرف الإنسان حقيقة هذه الأمور إلا بالعلم والمعرفة، وكما يقول الإمام الكاظم عليه السلام (والطاعة بالعلم) ومن هنا يكون العالم أفضل من العابد، لأن العالم ينقذ الأمة من الضلالة والعابد يعجز عن إنقاذ نفسه فيسقط – احياناً - في أحابيل الشيطان، إذ يدخل عليه من ناحية نقطة ضعفه وهي جهله.. فالعبادة إذا لم تكن مسنودة بالعلم فهي مجرد طقوس فاقدة للروح والمعنى، وكذلك الطاعة هي عديمة الجدوى إذا لم تكن منطلقة من العلم واليقين، فربما خالف العبد أمرالله وهو يظن بأنه يطيعه، فالعلم شرط للطاعة، ولاتتحقق الطاعة من دون العلم.
|
|