الفكر الاسلامي الاصلاحي بين الأصالة والانتقائية
|
* محمد حسين زيد الجمري
كلما دققنا النظر الى المقالات والبحوث حول الحداثة وعلم الكلام الجديد والنظريات الفلسفية لعلماء الغرب وعلماء المسلمين والتي تنشر في بلدان عربية او غير عربية، لم نجد ضالتنا التي نجدها عادة في آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الاكرم - صلى الله عليه وآله وسلم- وروايات المعصومين -عليهم السلام-، وانما أرى التلاعب بالألفاظ واجترار نظريات فلسفية صاغتها عقول البشر حتى أن علماء الغرب الذين يدرسونها في جامعاتهم حاليا قد ملوها كما قال لي أحد طلاب العلوم الدينية الذين عكفوا على دراسة الفلسفة في جامعات استراليا.. كما أن شعوب الغرب ومجتمعاته في تلك البلدان قد ملتها أيضا، فهي -أي المقالات- بعيدة كل البعد عن روح الآيات القرآنية والتدبر والتعمق فيها، وبعيدة عن روح الأحاديث النبوية الشريفة وروايات أهل البيت عليهم السلام وعلومهم.. بل أن بعضهم يرى الاجتهاد في مقابل النص، ويغلب رأي التصورات البشرية على نصوص آيات الذكر الحكيم وأحاديث الرسول وروايات أهل البيت -عليهم السلام-.
أن نتدارس العلوم الجديدة والنظريات الفلسفية، وأن نطّلع على المدارس الفكرية والفلسفية للفلاسفة وعلماء الكلام سواء القدماء منهم أو المعاصرين، هو أمر ليس مذموماً بل وجيدا، لكن المشكلة تكمن في أن نجعل تلك العلوم والنظريات منهجا لنا بدلا عن المنهج الاسلامي والقرآني في التشريع، فان ذلك ما لا نستسيغه على الاطلاق.. وان الخلط بين النظرية الاسلامية والنظريات الأخرى يعرف بالانتقاء والالتقاط في الفكر وهذا يخالف الأصالة التي يجب أن نرتكز عليها في استقاء علومنا ومعارفنا.
اننا لسنا من دعاة تكفير وتفسيق الآخرين، وانما نرى ما يراه أئمة أهل البيت من احترام الرأي الآخر والتعاطي معه بسعة ورحابة صدر، ولا نرى في الاستبداد بالرأي الطريق الأمثل والأصوب للتعاطي مع هذه النظريات. ولكن مع كل ذلك فان كل ما نريده نحن المسلمين هو في علوم أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام التي تشتمل على أمر الدين والدنيا وجامعة لصلاح العاجل والآجل، حيث لا يوجد الحق الا معهم ولا يؤخذ الصواب الا عنهم ولا يلتمس الصدق الا منهم.
ويكفي أن نتدبر الآيات القرآنية في سورة النور (الآيات 35-40) لنرى كل ما نريده من علوم ومعارف في هذه الآيات المباركات التي جاءت في هذه السورة المباركة والتي تختص بالرسول وأهل بيته ك الشريفة، فهم الشجرة المباركة التي تضيء، وفي بيوتهم أذن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبحون له فيها بالغدو والآصال. وهم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة.
أما الذين يحيدون عن الصراط المستقيم الذي قالت عنه الروايات التي جاءت بحق سورة الحمد في الآية: "اهدنا الصراط المستقيم" بأنه (صراط ومنهج الامام علي بن أبي طالب عليه السلام)، ويبغونها عوجا فهم كما قال القرآن الكريم : "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاء لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب"، فالذين يضعون أمام أعينهم حجب الضلالة عن آيات الذكر الحكيم وأحاديث الرسول (ص) وروايات أهل البيت، فانهم كالذين كفروا ومعنى الكفر كما جاء في اللغة هو الحجاب الذي يغطي العين عن الحقائق..
فهل من المعقول بعد أن أمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع كتابه المنزل على رسوله واتباع رسوله وولاة الأمر الذين هم أئمة أهل البيت، هذه الشجرة المباركة، أن نذهب لنستقي علومنا من الفلاسفة والمتألهين والمناطقة والصوفية وأتباع المذاهب والمدارس والتيارات الفكرية الوضعية الأخرى؟.. انه لجفاء بحق الله الخالق وبحق القرآن وبحق الرسول وبحق أهل البيت عليهم الصلاة والسلام الذين هم القرآن الناطق.. وهم حجج الله على خلقه، بعلمهم وبمعجزاتهم، وهم نوره في أرضه، هذا النور الذي حدثنا الله سبحانه في سورة النور وقال لنا الرب الكريم بأنه موجود في بيوت في الأرض. فالرسول الأكرم والأئمة المعصومون عليهم السلام نور الله في أرضه، والرابط بينه وبين خلقه.
ونحن لا ندعي الفهم العميق للقرآن الكريم ولا ندعي العلم، فليس من ادعى العلم عالما، ولا من تعاطى الطب طبيبا، ولا كل من تصفح حياة الانبياء عارفا، فان بحوث معرفة شخصياتهم المقدسة تعد بحراً يحتاج الى فهم الفقيه المستنبط لأحكام القرآن والمعارف الالهية وفقه أهل البيت عليهم السلام، وبحر بحاجة الى عمق العالم الرباني الذي انتهج منهج القرآن واتبع وتقصى روايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
ان علوم القرآن الحكيم وعلوم الرسول التي جاءت في أحاديثه وسنته صلى الله عليه وآله وسلم وعلوم أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام التي ابتدأت بباب علم الرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث قال النبي الأكرم (ص) بحقه:(أنا مدينة العلم وعلي بابها.. ومن أراد أن يأتي المدينة فليأتها من بابها).. وقال (ص) (أنا مدينة الحكمة وعلي بابها).. كل هذه العلوم منبهة للمؤمنين وقت الغفلة ومذكرة لهم حين النسيان.
والمؤمن المخلص العارف بحقائق القرآن وحقائق علم الرسول وعلوم أهل البيت عليهم السلام والموالي لهم والآخذ لعلومهم مباشرة، والقار بولايتهم تكون له هذه العلوم درسا يتعلمه لكي لا تهجم عليه الفتن، ولذلك فان المؤمن الرسالي الموالي يتقي تكالب الفتن التي تهجم عليه كقطع الليل المظلم الالتجاء إلى القرآن الكريم ومعارف أهل البيت، التي هي أصول الدين وفروعه وجوامع الحق وفصوله وجملة السنة وآدابها.
لقد دعانا أئمتنا المعصومون عليهم أفضل الصلاة والسلام وبعد ذلك علماؤنا الكبار من الفقهاء من السلف الصالح الى التأمل فيما جاء في القرآن من آيات شريفة، نتأمل ونتدبر فيها لكي تنفعنا في دنيانا وآخرتنا، وكذلك دعونا إلى التأمل في الرويات الشريفة والصحيحة التي جاءت عن أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأن نندب الى هذا العلم ونحض عليه، وأن ننظرالى علوم القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأعظم وعلوم أهل البيت بعيون قلوبنا وأسماع عقولنا، وأن نعيها بما وهبه الله لنا واحتج به علينا من العقول السليمة والأفهام الصحيحة، كما طلب منا الأئمة عليهم السلام أيضا الاجتهاد في طلب ما لا نعلم به وأن نعمل بما نعلم به ليوافق قولنا عملنا، فبعلوم القرآن وآياته وعلوم ومعارف الرسول الأعظم وأهل بيته تأتي النجاة وبها والله الحياة، فقد أقام الله بالقرآن وأحاديث الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلوم أهل البيت من الأئمة المعصومين الحجة وأثار بمكانتهم المحجة وقطع بمعرفتهم العذر.
وان الله سبحانه وتعالى لم يدعْ طريقا الى طاعته ولا سببا الى مرضاته، ولا سبيلا الى جنته الا وقد أمر به أئمتنا المعصومين ودبوا اليه ودلوا عليه وذكروه وعرفوه ظاهرا وباطنا وتعريضا وتصريحا، ولا تركوا ما يقود الى معصية الله ويدني من سخطه ويقرب من عذابه الا وقد حذروا منه ونهوا عنه وأشاروا اليه وخوفوا منه لئلا يكون للناس على الله حجة، فالسعيد في هذه الدنيا الفانية من وفقه الله سبحانه وتعالى لاتباعهم والأخذ عنهم والقبول منهم، والشقي من خالفهم واتخذ من دونهم وليجة وترك أمرهم رغبة عنه، اذ كانوا العروة الوثقى وحبل الله الممدود بين السماء والأرض الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بالاعتصام والتسمك به، وسفينة النجاة وولاة الأمر الذين فرض الله علينا طاعتهم فقال سبحانه وتعالى "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" وهم الصادقون الذين أمرنا بالسكون اليهم.
نعم لقد طلب منا أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ أن نجتهد بما أمروا به صغيرا كان أو كبيرا، وأن نحذر ما حذروا قليلا كان أو كثيرا، فانه من عمل بصغار الطاعات ارتقى الى كبارها، ومن لم يجتنب قليل الذنوب ارتكب كثيرها، واذا علم الله سبحانه وتعالى من عبده صحة نيته وخلوص طويته في طاعته ومحبته لمرضاته وكراهته لسخطه وفقه الله وأعانه وفتح له مسامع قلبه وكان كل يوم في مزيد فان الأعمال بالنيات.
وما دام الله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نأخذ علومنا من الشجرة المباركة التي ذكرها في سورة النور، والتي تمحورت حولها الآيات المباركات، فانه يتوجب علينا أن لا نحيد عن هذا المنهج الرباني والالهي ونستقي علومنا من المدارس الفكرية الفلسفية الوضعية الأخرى، وانما ننهل من نمير علم أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ونتبع منهجهم ونسير على هداهم.
|
|