قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

كيف تنمو ظاهرة النفاق ؟
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة عندما يتحدث القرآن الكريم عن النفاق، فانه يقسمه الى ثلاث مراحل هي:
1- النفـاق عندما يكون بذرة في قلب الانسـان، ونطفـة في فـؤاده .
2- مرحلة تحول النفاق الى ظاهرة بارزة في سلوك الانسان .
3- المرحلة التي يتحول فيها النفاق الى طبقة اجتماعية لها سماتها، وثقلها في المجتمع الاسلامي .
بداية لابد لنا من ان نتحدث عن ظاهرة النفاق، آخذين بنظر الاعتبار هذه المراحل. ولكن قبل ان نتطرق الى هذا الموضوع، لابد من كلمة ؛ ان الانسان لا مناص له من ان يتخذ موقفـاً محـدداً، فهو لا يستطيـع ان يعيــش بدون موقف، وبدون سلوك معين تجاه.. فالانسان لابد وان يتخذ موقفاً اما مع الحق، واما مع الباطل، ولا يمكن ان يكون هناك موقف خليط من الحق والباطل. والانسان الذي يدعي انه يتخذ موقفا يتأرجح بين الحق والباطل، انما هو في الحقيقة يخدع نفسه. وفي هذا المجال يقول الامام علي عليه السلام: (من لم ينفعه الحق يضره الباطل) وهناك في التاريخ شواهد كثيرة على هذه الحقيقة، فقد كان هناك رجال اعلنوا في البدء انهم على موقف محايد من مثل (عبد الله بن عمر) الذي صرح انه لا يبايع علياً عليه السلام ولا يحارب معه. ولكنه ما لبث ان بايع بعد ذلك الطاغية الجلاد (الحجاج بن يوسف الثقفي)، كما وبايع (سليمان بن عبد الملك) الذي يعد اسوأ الحكام الامويين .
ان الانسـان من الممكن ان يقرر مع نفسه انه يريد ان يعيش الراحـة، والرفـاهية، وانه لا يريد ان يخوض أي نوع من الصراع، حتى لا يعكر صفوة حياته. لذا لايخوض الصراع لصالح الحق. غير انه في نهاية المطاف يؤدي به هذا الموقف الى ان يقف في جبهة الباطل، فيدخل الصراع ولكن من بابه الخلفي ولصالح اولئك الذين لم يكن يريد ان يشترك معهم في الصراع .
والدليل على ذلك اولئك الرجال الذين طلب منهم الامام الحسين ـ عليه السلام ـ ان يؤيدوه في دعوته، ولكن القسم الاكبر منهم قالوا : مالنا والدخول في السلاطين، ولماذا نقحم انفسنا في الصراع والحروب. فبقوا على ذهنيتهم هذه، حتى انهم لم ينصروا مسلم ابن عقيل رسول الإمام الحسين عليه السلام الى الكوفة. وبالتالي فانهم قد اشتركوا في قتل الامام عليه السلام في كربلاء، لان ابن زياد اجبرهم بعد ذلك على خوض الحرب .
والقرآن الكريم يبين لنا هذه الحقيقة، فيقرر ان النفاق يتجسد خـلال مرحلته الاولى في تمني الانسان، وعدم قدرته على التغلب على ذاته، وتسويفه للعمل بالحق الى المستقبل. وهكذا تبدأ بذرة النفاق بالنمو في قلب الانسان. فمن الملاحظ ان هنالك من يتمنى من الله الرزق حتى ينفق أمواله في سبيل الله، وآخر يتمنى من الله الجاه حتى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهكذا .. وحينما تتحقق امنياتهم هذه، تجدهم ينقضون ما عاهدوا الله عليه. وبهذا تنشأ .
وثمة سؤال مهم : كيف يتحول النفاق الى طبقة اجتماعية ؟
الجواب؛ ان الانسان المنافق لا يرتضي من الآخرين ان يدعوه منافقاً، ويصفوه بأنه على باطل. وفي هذه الحالة فانه سيعمد الى التفتيش والبحث عن عيوب للمؤمنين، ثم ومن أجل ذلك فانه يعمد الى الاتحاد مع المنافقين الآخرين، فتتشكل بذلك طبقة اجتماعية معينة تقوم بمحاربة المؤمنين .
والى هذه المراحل الثلاث اشار القرآن الكريم في قوله: "وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَــدَ اللّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الْصَّالِحِيـنَ * فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُـونَ * فَاَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا اَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَاَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لايَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَــرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِــرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِاَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لايَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِيــنَ"} (التوبة / 75-80) فالله عز وجل يصرح في الآيات السابقة ان الانسان اذا لم يبادر الى القضاء على بـذرة النفـاق في قلبـه، فانها لا تلبث ان تتحول الــى سلوك. فعندما يحقق الله تعالـى الشرط الذي شرطه الانسان على نفسـه لأن يكون صالحاً، فان البذرة الصغيـرة سرعان ما تتحول الى شجرة خبيثـة، كمـا أشـار الى ذلك ربنا عـز وجـل فـي قـولـه: " فَاَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ".
وعن كيفية تحول النفاق الى طبقة وشريحة اجتماعية، يقول القرآن الكريم: "الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لايَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".. فهؤلاء المنافقون يقرون انهم لا ينفقون في سبيل الله، إلاّ إذا آتاهم من فضله. في حين انهم يرون المؤمنين وهم يبادرون الى الانفاق، فانهم لا يجدون بداً من ان يلمزوا المطوعين من المؤمنين في الصدقات ليبرروا المستوى الهابط لانفسهم ولكي لا يقول لهم الناس: لماذا انتم متخلفون عن اولئك .. ومثل هذه المشكلة تتفاقم اكثر لدى هؤلاء المنافقين عندما يرون ان بعض المؤمنين ينفقون رغم قلة امكانياتهم المادية عملاً بالحديث الشريف : " لا تستح من إعطاء القليل فان الحرمان اقل منه ".
وإذا ما تحول النفاق الى طبقة اجتماعية بهذا الاسلوب، فحينئذ تبدأ مرحلة جديدة من الصراع الاجتماعي في الأمة الاسلامية. وقد تجسدت هذه المرحلة في التاريخ الاسلامي عندما هاجر النبي صلى الله عليه وآله الى المدينة، وقد كان مع المهاجرين من اصحابه صلى الله عليه وآله طائفة من المنافقين. ولكن النفاق كان مجرد بذرة فيهم، اما الشريحة الاجتماعية الكاملة من المنافقين فقد ظهرت في المدينة المنورة بقيادة (عبد الله ابن ابي) الذي اسلم في الظاهر ولكنه كان يمارس دور النفاق في الواقع. وقد كان هؤلاء المنافقون يمثلون الطابور الخامس لقريش واليهود، فكانوا يتعاونون معهم على جميع الاصعدة ؛ في السلاح، وفي المال، وفي مجال تقديم المعلومات لهم عن تحركات المسلمين .
وفي مقابل ذلك كان من الواجب على المؤمنين ان يتمتعوا باليقظة الكاملة، والحذر الشديد .. فكانوا مضطرين الى ان يحاربوا على جهتين ؛ خارجية وداخلية. ولذلك كانت هذه المرحلة من المراحل الصعبة والخطيرة التي مر بها الرسول صلى الله عليه وآله والمؤمنون في المدينة المنورة .
هنا السؤال: كيف يستطيع الانسان ان يميز منذ البدء هل انه يتحرك باتجاه الله تعالى أم باتجاه الشيطان؟، وهل يسير نحو التكامل الى ان يدخل الجنة أم انه في حالة هبوط الى قعر نار جهنم ؟
ان الانسان اذا استمر في حالة السقوط حتى يجيئه ملك الموت ليقبـض روحـه ويكتشف انه من اهل النار، فان هذا الاكتشاف لا فائدة من ورائه، لان الانسان لا يمكنه آنئذ ان يعيد النظر في حياتـه. فهو انما يأتي الى الدنيا مرة واحدة، فهل ستسمع الملائكة كلامه عندما يقول: "رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ" وعندما يأتي الجواب "كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" (المؤمنون /99-100). ان مثل هذا الكلام الذي يبدي من خلاله حسرته وندمه، لا يمكن ان ينفعه ذلك. لان اكتشاف الانسان لحقيقة مسيرته، وتحركه يجب ان يكون منذ البدء .
وعلى هذا فأي مقياس يجب اتباعه، وما هي النظارة التي لو جعلها الانسان على عينيه وبلور بها بصيرته استطاع ان يكتشف وجهة سيره ؟
في هذا المجال يقول رب العزة : "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالاَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً" (الكهف/103-104)؛ فهم يتصورون انهم سائرون في طريق الحق، وانهم يقومون بالاعمال الصالحة، ولكنهم سيكتشفون في نهاية المطاف انهم في النار. وانهم هم الاخسرون اعمالاً، فلا يوجد احد غيرهم اكثر خسارة منهم .
وعلى هذا فـان القضيـة المهمـة هي اكتشاف الطريق منذ البدء من خـلال الاستناد الى مقياس معين تقدمه لنا الآيات القرآنيـة التالية: "وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ اُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآءَاتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ".
ان القرآن الكريم يشير في هذه الآيات ان هناك بعض الناس يحومون حول انفسهم، ويتمحورون حول ذواتهم، ويتحركون بدافع من مصالحهم. فكعبتهم شهواتهم، وهدفهم اشباع ميولهم ورغباتهم وتحقيق الانا والذات في انفسهم .. وهناك البعض الآخر مرتبطون بمقدار الصدقات التي يحصلون عليها ؛ فان اعطاهم الرسول صلى الله عليه وآله المقدار الكافي قالوا : (نعم الرسول هذا، ونعم الدين هذا الدين)!. اما اذا لم يعطوا من تلك الصدقات، اذا بهم يسخطـون ويتذمرون وينهالون باللوم والتقريع على الرسول والرسالـة) .
والنفاق يشبه الى حد كبير بذرة صغيرة تسقط في نفس الانسان ثم تنمو وتنمو حتى تصبح شجرة خبيثة اصلها في القلب وفرعها في النار. وهذه حقيقة، فالانسان لا يستطيع ان يكتشف هذه البذرة الخبيثة والخلية الفاسدة التي تشبه الخلايا السرطانية التي نستطيع ان نسيطر عليها في البدء ونقضي عليها، ولكن هذه البذرة بعد ان تتنامى وتتكاثر فانها تتحول الى شجرة تكون فروعها في جميع اعمال الانسان وسلوكياته، بل وحتى في نظرته وآرائه حتى يصل هذا الانسان الى درجة يكون فيها مصداقاً لقوله عز من قائل: "وإِِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَتُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" (البقرة/11).
وبناء على ذلك فان على الواحد منا ان ينتبه، ويأخذ بنظر الاعتبار منذ البدء لتلك الحقيقة، لكي لا يتحول هو بدوره الى طاغية. فمن الاهداف الاساسية لكل نهضة بناء الذات، وبلورتها على الصعيد الفردي. اما على الصعيد الاجتماعي فان نهضات الأمم تعد كالمنخل، فهي بمنزلة ابتلاء من الله تقدست اسماؤه. فهذه الانتفاضات، والصراعات، والتوترات ما هي إلاّ حركة باتجاه تصفية المجتمع من العناصر الفاسدة، وتمييزها عن العناصر الخيرة .