قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

ملاحظات في ترشيد التطورات الاجتماعية
*فيصل الجابر
بما ان الإسلام دين إلهي، يصح وصفه نسقاً معرفياً علوياً مسبقاً. وأيضا فهو دين الفطرة ويتسم بالواقعية العقلانية. وبين هاتين الصفتين يمكن استخلاص انه ليس وليد المجتمع فله استقلاله ولن يتطور مع التطور الاجتماعي. بيد ان واقعيته الفطرية تجعله يستوعب التطورات البشرية. فإذن من هاتين فإن للدين رؤية معيارية لترشيد التطورات في المجتمع البشري.
إن التغيير الاجتماعي الثقافي يشكل ظاهرة متكررة طوال التاريخ، بل لا تنفك عن الحياة الإنسانية، إلا أنها في القرون الأخيرة اتسمت بالسرعة والاتساع والعمق بما لم يسبق له. وكان للثورة التقنية في وسائل المواصلات والاتصالات والمعلوماتية، دور أساسٌ في إحداث التفاعل بين الثقافات، بحيث أصبح مفهوم المجتمع المغلق كما الدولة المستقلة أشبه بالمستحيل، فالتأثير بين المجتمعات جديٌّ للغاية ولكنه لصالح المتفوق حضارياً، وحيث تكون المجتمعات المتخلفة خاضعة لتأثيرها إرادياً وقسرياً ولا شعورياً، فإن جملة من التغيرات تكون غير محمودة، ومن ثم تتأتى أهمية مواجهة الحياة بشتى تطوراتها لممارسة الترشيد.
وما يمكن رصده من عديد الظواهر السلبية الناتجة من تلكم المتغيرات الطارئة، نقتصر على بعض ما يتصل بالحياة الاجتماعية:
1- انحسار دور الأسرة..
إن تأثير الأسرة حيوي جداً، إذ تجتمع فيها نظريات التأثير (الوراثة ـ المجتمع)، بل هي الوسط الاجتماعي الفاعل لتشكيل الفرد، وقد طالتها رياح التغير من سلطة مركزية ومهيمنة إلى دور مزاحم بالمدرسة والمجتمع والإعلام فلم تعد تستفرد بالتأثير التربوي.
2- الموضة..
وهي السلوكيات المؤقتة المتغيرة بسرعة ولا تقتصر على الملابس بل تشمل أنحاء السلوك الاجتماعي والفنون والذوق والممتلكات وهندسة البيوت، ولا يقصد بها العرف، حيث يتصف بالثبات والعقلانية ولو قياساً للموضة وهدفه التنظيم الاجتماعي، بينما هدف الموضة هو التباهي والتنافس والتعبير عن الذات.
ولقد تلاحم الاقتصاد والسياسة الغربيان في خلق الموضة وهي ما أن تبدأ حتى تنتشر إذ تغدو مجالاً للتباهي والظهور والتناظر والتنافس والتعبير عن الحياة والثروة والثقافة. . وينصاع لها آخرون تقليداً، مستهدفين جعل مجتمعاتنا سوقاً استهلاكياً لمنتجاتهم وتحطيم قيم المجتمع. ويمكن تلخيص إشكاليات الموضة في التالي:
أ- الإشكالية الاقتصادية وما يمكن ان ينعكس على مسار الانتاج واليد العاملة وحتى الوضع المعيشي للمجتمع.
ب - الإشكالية الاجتماعية بتعريض المقاييس الاجتماعية (العرف) واضعاف تجانس المجتمع.
ج - الإشكالية الحضارية حيث أن الموضة تحدٍ معلن للتراث في جملة من تشكلاتها.
3 – التكتل..
كمهرب عن الأسرة والمجتمع حيث يشعر الشباب بالغربة فيهما فيتكتل مع أقرانه للتقارب في السن والثقافة. حيث تكون هذه الصداقة إشباعاً للعاطفة ومتنفساً للتوترات وتعبيراً عن الذات والأهمية في التجمع الصغير.
وليست الشلّة أو التكتلات الشبابية بالضرورة ظاهرة سلبية. انما يمكن أن تكون كذلك بسهولة مما يمكن رصد بعض المظاهر السلبية الشائعة:
1- العزلة الاجتماعية والسلبية تجاه المجتمع (اللا أبالية).
2- التمرد على المجتمع وهذا قد يدفع نحو سلوك لا اجتماعي قد يبلغ حد ارتكاب الجنح أو الجرائم، وقد يظهر هذا التمرد على نحو الموضة (الهيبية) في اللباس وتسريحات الشعر والحركات والتسكع في الأسواق.
3- وقد تكون هذه التكتلات بيئة خصبة لتعاطي الخمور والمخدرات والممارسات المنحرفة.
وحتى نكون في اتجاه ترشيد المجتمع، نُلفت الى عدة ملاحظات:
وهاهنا بعض الملاحظات نود الإشارة لها:
مازالت الاسرة تمتلك موقعاً مهماً في حياتنا ويستمر بمشيئته تعالى وتكمن أهميته في صناعة الفرد. لذا فإن حماية المجتمع تبدأ بحماية الأسرة من التغيرات السلبية مثل الإباحية وقيم الاختيار المادية والمفاهيم الخاطئة. وحماية الأسرة بحاجة لبحوث ميدانية لتقديم حلولٍ عملية مناسبة لظروف المجتمع وهذا ما نفقده.
ان التربية الدينية والحسّ الاجتماعي والعقلاني كلها تُعد أسساً تقوم عليها أهمية الأسرة، ومنطلق ذلك احترام الطفل وتنظيم العلاقات الأسرية وفق العدالة والشورى والمودة.
ان التغيير يبدأ من الثقافة. وأهميتها أن الثقافة هي الجذر العميق الذي يؤسس للسلوك البشري والاجتماعي. إن بث ثقافة النهضة والحياة في الأمة ومحاربة ثقافة التخلف بدون هوادة، وبث ثقافة المسؤولية والعمل والإصلاح والحرية والتحدي والصبر والانفتاح والحوار والإيجابية والعقلانية والجدية، يعد أساس تنمية الوعي في المجتمع، فما نفتقده بنسبة ملحوظة هو المنبر الثقافي المبرمج للاصلاح، وهذا ما نتوقعه من المنابر الحسينية، وهو النقد الذي ينبغي أن يجهر به الخطباء.
إن بث المعارف بلغة معاصرة واضحة مقنعة هو من أبجديات المنبر، فالهدف من طرح الأفكار هو التوعية والتعليم وزرع اليقين والعمل مما يتطلب ربط الأفكار ببعدها الرسالي كما يبتعد عن أسلوب الإثارة الذي يخلق تشكيكاً في الدين باسم الموضوعية، فيما المطلوب إثارة التشكيك في الآخر. كما يرعى نتائج الأفكار هل هي لصالح المجتمع بمنظور الدين أم لا؟
وإن تناول مشاكل المجتمع والتحديات التي تحيط به هو تجلّ للروح النهضوية الحسينية، وهو القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن المجتمع الحيوي الذي تحكم علاقاته وحركته القيم الإيجابية ويمتلك مؤسساته الأهلية المستقلة يكون قادراً على فرض مطالبه ورسم هيكلية مؤسساته وتحقق أهدافه. إلا أن الحقيقة المرة أن مجتمعاتنا ليست كذلك. لكن لا خيار في عملية التنمية سوى النهوض بالمجتمع إذ بذلك تحمى الأسرة والأفراد ويتحول الإصلاح إلى شلال قادر على الإنجاز. ولا بد من تطوير استثمار المؤسسة الدينية (المسجدـ الحسينية) حتى تؤدي دورها بشكل أفضل. بل واستثمار كل مؤسسة اجتماعية مهما كانت بسيطة في سبيل ذلك. أو تهميشها إذا شكلت ضرراً على المصلحة العامة.
إن النشاط العام ليحقق هدفين: التنمية وتوجيه الطاقات نحو البناء وصرفها عن العبثية، ويكون النشاط على هدىً بحيث يكون مثمرا ليتطلب العقلانية والتعاون والشورى والتكامل.