قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

كلمات في معنى الشرك
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *حازم عبد المجيد
ما هو معنى الشرك؟ وما هو معنى الكفر؟..
عبر تحديد معنى المفهومين سيتضح أيضاً معنى كلمتي الطاعة والتقوى على طريقة معرفة الاشياء بأضدادها. فالقرآن الحكيم لا يطلق كلمة الكفر على جحود الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وكلمة الشرك على الخضوع والسجود المباشر للاصنام البشرية أو الحجرية، بل عادة ما تأتي كلمة الكفر في القرآن الحكيم لبيان الجحود العملي والجحود السلوكي لله، يعني أن يدعي الانسان الايمان بالله وعبادته، وأنّ الله خالق السموات والارض ولكنه عملياً وسلوكياً يخالف هذه الفكرة، ويسير في الطريق المغاير لها.. والشرك عادة ما يطلق في كتاب الله على عبادة الاصنام والخضوع للطغاة. والعبادة في القرآن بدورها تطلق على الخضوع والتسليم سواء كان في نمط السجود والركوع وتقديم القرابين والذبائح للاصنام أو في نمط الخضوع التشريعي والسلوكي.
حقيقة الكفر
تنوعت آراء العلماء المسلمين في الكفر، فقال بعضهم بأن الكافر هو من يترك أي فريضة من الفرائض الالهية، كتارك الصلاة وتارك الصوم وتارك الحج وما أشبه، والبعض الآخر قال: كلا.. إنما هو الجحود المباشر المعلن لوجود الله سبحانه. فمن قال (لا أؤمن بالله) فهو كافر، ومن لم يقل بذلك فهو مسلم سواء وافق قوله فعله أم لا. وكل فريق من هذين الفريقين أستند في كلامه على دليلين: الاول عقلي والثاني نقلي.. فالذي قال بأن الكفر ترك أي عمل من الاعمال الواجبة أستند على القرآن الحكيم فيدعم برهانه بالآية الكريمة التي تبين أن الذي لا يحج فهو كافر، وآيات مشابهة لهذه الآية، كما استند بأن فائدة الايمان وروحه هو العمل فاذا فقد الانسان العمل فماذا ينفعه أيمانه؟ وكيف نستطيع أن نسميه بأنه مؤمن؟ وهو ما يبينه المروي عن الامام الرضا –ع- (الايمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)، وفي حديث آخر (الايمان عقد بالقلب ولفظ باللسان وعمل بالجوارح).
بينما استند الفريق الثاني الذي قال بأن الكفر هو الجحود اللفظي لوجود الله، استند هو الآخر على مجموعة أدلة ونصوص منها قول الرسول – ص- (الاسلام ما جرى على اللسان)، و(من شهد الشهادتين فهو مسلم)، وعن الامام الباقر –ع- انه قال: (الاسلام اقرار بلا عمل)، حتى أن ابا ذر راوي الحديث (من قال لا إله إلا الله ختم له بالجنة) فقد سأل النبي مرة ومرتين وثلاث مرات قال: وإن زنا وإن سرق؟ قال الرسول الاكرم – ص- (وإن زنا وإن سرق)، فكرر السؤال ثلاث مرات فأجابه بذات الجواب ثلاثاً.
إذن فمن يقول: لا اله إلا الله، ولا ينكر ربه أنكاراً مباشراً فهو مسلمٍ، برأي هذا الفريق، لكنه كافر برأي الفريق الآخر.
المصالحة بين الفريقين
ويبدو أن إتجاهي الأدلة يتناولان موضوعين مختلفين، الأول يعنى بالإيمان والكفر في حده القانوني، والذي تترتب عليه الحقوق العامة للمسلم من الحرمات الثلاث (الدم والمال والعرض) وجواز النكاح والتوارث وهكذا، والثاني يتناول موضوع الإيمان بمعنى التقوى أي في حده الواقعي والذي تترتب عليه الحقوق الأخروية من قبول الأعمال ورفعة الدرجات ونيل الشفاعة، وأيضا تترتب عليه بعض الحقوق في الدنيا مثل قبول الشهادة وحرمة الغيبة على قول وإمامة الصلاة والجمعة وما في حكمها من مراتب قيادية وهكذا.
وهذه المصالحة عليها عامة المسلمين إلا من شذّ منهم في تكفير مرتكب الكبيرة كالخوارج في مبتدأ أمرهم ظاهرا. أو من تطرف في عدم اشتراط العمل في الإيمان بحيث لا يكون للعمل أي أثر شرعي كما ذهب إليه المرجئة، ومن هنا أطلق المأمون مقولته بأن (الإرجاء دين الملوك، حيث يعفيهم من الالتزام والقدح فيهم).
ويدل على ذلك أيضا العناوين مثل الفسق والعصيان والنفاق التي تبقي الموسوم بها في دائرة الإسلام القانونية مع إخراجها له من دائرة المؤمنين بمعنى التقوى وربما بمعنى الصيرورة في خط مضاد للمصلحة الإسلامية العامة والتناقض مع القيادة الشرعية.
جذور الشرك السلوكي
ان شهوة الانسان تأخذ مجراها في قنوات ذاته بشكل طبيعي لا ريب، فللإنسان قدرة المخادعة حتى مع ذاته بشكل غريب، لكن تكمن في نفسه قوتان:
1-قوة تلومه على ما فعل وهي المسماة بالمنطق القرآني (النفس اللوامة).
2-قوة أخرى تبرر له ما علمه، وما يعمل وما سوف يعمل، فيبدأ التحدث مع آفاق نفسه: الصلاة غير واجبة عليك. فأنت متعب والمتعب لا صلاة عليه أو أنك كنت مريضاً والمريض لا حرج عليه، أو كنت مسافراً والمسافر صعب عليه أن، يصلي ولا يجب عليه الصوم.. وهكذا. وهذا هو التسويل: "كذلك سولت لي نفسي"، كما قال السامري لموسى –ع-، فالنفس تسول الامر وتزينه بشكل يجعل الانسان مرتاحاً، فهذا آلية لخلاص الانسان من العذاب النفسي حينما يعذّب الانسان وتصبح لديه نفسية صعبة يأتي ذلك الجهاز ليفصل بين الالم النفسي وبين الانسان وهذا ما يسمى في علم النفس الحديث [حالة الاحباط النفسي].
الانسان الذي يشعر بمهانة في ذاته، وانه ذليل صغير، تحدث عنده هذه الحالة حيث تأتي هذه القوة فتقول له (أنت أكبر.. أنت ضخم.. أنت جبار)! فتحدث عنده حالة الكبر، وحالة الكبر هي ردة فعل لحالة الصغر ولمركب النقص. هذا هو التبرير وخداع النفس. والقرآن الحكيم يقول: "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم"، وفي آية أخرى يقول عزّ وجلّ: "ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم".
وهذا هو الخداع الذاتي الذي يتجه اليه النصوص الاسلامية، حيث يجرب الانسان نفسه بكل جهده لكي يفسر الآيات والأحكام والتشريعات بما لا يعارض أهواءه وشهواته أو لا يعارض ما فعله وارتكبه سابقاً، وآنئذ تتمحور وتتركز هذه الحالة في كلمات الشرك والكفر، والتقوى والطاعة.
تداعيات الكفر السلوكي
ان الكفر في الواقع ليس فقط الجحود اللفظي. أن قليلاً من الناس عبر التاريخ كانوا بهذا المفهوم والآيات القرآنية شاهدة على ذلك، وهناك آيات كثيرة بهذا المضمون: "ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولنّ الله"، وهذا دلالة على ان فئة قليلة من الناس كانوا يجحدون بالله، ذلك الجحود اللفظي، ولو ان القرآن نزل على هذه الفئة القليلة لكان القرآن معزولاً عن الجماهير الاخرى.
ان القرآن الحكيم قد تضمن علاج هذه المشكلة النفسية والعقائدية والتشريعة المتجذرة عند أغلب الناس المؤمنين بالله لفظاً، إذ ليس الجحود اللفظي هو الكفر بمعناه الصحيح، وأنما الكفر في الحقيقة يكون إما بترك التشريع الاسلامي الى التشريع غير الاسلامي، أو ترك القيادة الاسلامية والاخذ بالقيادة غير الاسلامية، فهذا هو الكفر أو الشرك ولا فرق بينهما، فاذا أهملت التشريع الاسلامي بمجمله، ومضيت الى تشريع آخر ترسم به خارطة حياتك، فأنك لابد أن تضع نفسك سلفاً في خانة الكفار والمشركين بالله وبالعكس قبولك التشريع الاسلامي كنظام متكامل وقبولك بالانصياع لقيادة اسلامية صحيحة فانك تستحق أن تكتب في قائمة المؤمنين.
فالذي يترك القيادة الاسلامية الرسالية ويتجه الى قيادة الطغاة والجبت، هو كافر بلا ريب واقعا عند الله وإن كان مسلما ظاهرا في الدنيا. بينما لو لم يطع الانسان القيادة الاسلامية الرسالية المنبعثة من روح التعاليم الالهية في أمر معين، فان ذلك لا يعدو كونه شركاً خفياً أو فسقاً. ورسول الله (ص) يقول: (من ختم له بلا إله إلا الله دخل الجنة وأن زنا وأن سرق)، فالحديث لا يعني تلفط كلمة (لا إله إلا الله)، وإنما يعني من (لا إله) أي (لا ولي له ولا قائد ولا مشرع إلا الله) أي قبول القيادة الاسلامية، وفي اطار هذا القبول اذا زنا أو سرق يغفر له ان تاب، أما من يدعي بأن الزنا حلال وانّ السرقة التي تكون عبر البنوك والنظام الرأسمالي حلال هذا الانسان ليس ممن يقول: لا إله إلا الله.
وفي هذا السياق تكون الآية الكريمة: "أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون".
وجاء في الجزء العاشر من تفسير المنار بصدد حديثه عن الآية السابقة نقلاً عن الرازي- وهو من كبار المفسرين المسلمين- في كتابه مفاتيح الغيب: (ان الاكثرية من المفسرين قالوا: ليس المراد من اتخاذ الارباب من دون الله الاعتقاد بهم فقط، بل الطاعة في الاوامر والارتداع عن النواهي).
في ذلك العصر عرف المفسرون المسلمون المعنى الحقيقي لهذه الآية، والمعنى الحقيقي للشرك، الذي يقع في قبالة التقوى، والتي تعني الايمان بالوهية الله في التشريع، والتصميم على قبول النظام السياسي للقيادة الاسلامية الرسالية، أي قبول قيادة النبي (ص) والائمة -ع- من بعده، فالطاعة والتقوى هما ما كانت تهدف اليهما رسالات الانبياء، فالتقوى في مقابل الكفر، والطاعة في مقابل الشرك.