حاز بها قيم الخير ومبادئه
الصلاح عند الامام علي بن أبي طالب (ع) في العقيدة والسلوك
|
*مرتضى الموسوي
حتى نعي جل مواقف الإمام علي(ع) العامة فان علينا في البدء استيعاب المبادئ التي كانت تحكم مجمل حركته ومواقفه التي انطلق بها في مختلف اطوار حياته.. فالصلاح بحقيقته التامة الكاملة هو الكليّة العامة والجامع الكلي الذي تندرج تحته المبادئ التي حكمت حياته الشريفة كافة.
ذلك لأن الحياة يعرض عليها أمران: الصلاح والفساد.. فإذا غلب الصلاح، نرى الأمور وهي تسير في الاتجاه الذي حدده الله وفق سنته وقوانينه، أما إذا غلب الفساد على امر آخر نراه يتلوّن به ويصبح معطلاً ومهدماً وهداماً.
ويتدرج الصلاح هو الآخر على مستويات متعددة من جهة النوعيّة، وكذا الفساد له درجات متفاوتة. ومما لاشك فيه قرآناً وسنةً وتاريخاً وتراثاً، أن الإمام علياً-ع- كان في قمم الصالحين، وفي الدرجة العليا من الصلاح البشري، سواءٌ من ناحية الفكر والعقيدة، أو السلوك والموقف العملي، وقد وصفه الباري عزوجل، بـ "صالح المؤمنين" في قوله تعالى: "وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا"، وقد قال الإمام الصادق(ع) في تأويل الآية، (صالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب)، وما نريد الوصول إليه هو أن كل الصفات الإيجابية التي كانت منطلقاً ودافعاً للإمام علي في حياته كانت مطبوعة بطابع الصلاح والخير.
فالصلاح هو الجامع الكلي لكل قيم ومبادئ الخير التي نراها في شخصيته وسلوكه، فالصلاح في عقيدته ينتج عنه التوحيد الكامل، والإيمان القوي بالله المعبود والخالق الحقيقي للكون. والصلاح في روحه ونفسه هو ناتج عنه حالة التقوى، والخوف من الله والعمل للآخرة، والصلاح في العقل والتفكير ناتج عنه حالة عين اليقين، والصلاح في السلوك ناتج عن السمو الأخلاقي الرفيع، هذا الصلاح التام المتكامل في عقيدته وسلوكه وشخصيته وحياته جعل من الإمام علي(ع) الإمتداد الطبيعي لشخصية النبي(ص) روحاً وقالبا.
بعد هذا لنا ان نعرف أبعاد الصلاح في شخصيّة الإمام علي(ع):
1- الصلاح في العقيدة، حيث يعد توحيد الخالق والمعبود المبدأ الأول في صلاح عقيدة المرء، لأن الشرك والتعدد في العقيدة يؤدي إلى حالة التنازع الداخلي والتضارب في الذات، كما كان التوحيد المنطلق الأساس في حركة الأنبياء والأوصياء –عليهم السلام-. وهذا التوحيد يتجسد عملياً في عبادة الله تعالى، وقد قال تعالى: "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا"، والإمام علي –عليه السلام- هو رأس الموحدين عملاً وعلماً.
2- صلاح الروح.. وهو المبدأ الثاني الذي يحكم مواقفه –عليه السلام-، فحين ينبسط شعاع التوحيد في روح الإنسان، يعظم الخالق في نفس المرء ويصبح طلب رضاه والخوف من غضبه أمراً أساساً لديه، وقد كانت التقوى راسخة في قلب الإمام علي-ع- بالدرجة التي وصل إلى أقصى أعماقها علماً بها، وتطبيقاً حياً متجسداً في سلوكه وحياته.. ففي الجانب العلمي والمعرفي للتقوى كان الإمام علي-ع- من أبرز من وضع لوائح التقوى، وسبر أغوارها وأضاء أبعادها في الحياة، فقد تضمن نهج البلاغة أبرز خطب الإمام علي وكلماته وحكمه ورسائله وفيها تجد للتقوى مساحة واسعة من توجه الإمام وارشاداته، فقد ركزها في عقول المسملين ونفوسه، وجعلها الوصيّه الاولى، كما عرف عن أهل البيت أن وصيتهم التقوى.
ان ما يهمنا هو أن الإمام علياً-ع- كان خبيراً بالتقوى، وهذه الخبرة لم تأت فقط بسبب التراكم المعرفي والتدبر في آيات الله التي احتوت على صفات عديدة للمتقين، أو التلمذة الفكرية التي نالها الإمام من لدن الرسول الأعظم (ص) بل جاءت أيضاً بسبب التعامل اليومي والسلوك العملي الذي كان يعيشه الإمام في لحظات حياته ومواقفه بالإستناد إلى مبدأ التقوى، مما ألهمه تبصراً وتعمقاً بها إلى أبعد الحدود.
فما أكثر الفرص السياسية التي تركها الإمام علي-ع- وكان باستطاعته أن يستغلها لتحقيق بعض أهدافه الإيجابية في نصرة الدين وقيادة الأمة، ولكنه كان يستشعر مخالفتها لتقواه ومبادئه الرفيعة.
فالتقوى عند الإمام هي المحور، لا السياسة، والصلاة عنده الأهم لا الزعامة، والخشوع عنده الأساس لا الانتصار، وهو يقاتل مناوئيه لكي يؤمنوا بالله، ويعبدوه، لالكي يتآمر عليهم، كما كان مناوئوه يفعلون..
وكما قال "التقوى رئيس الاخلاق" فان تقواه كانت منبع اخلاقه، وما من موقف وقفه في عمره الكريم كله إلاّ وكان للتقوى فيه أثر واضح.
3- طلب الآخرة.. لأن الله جعل الحياة الآخرة هي دار الخلود، فان توحيد الخالق ينعكس في صلاح عمل المرء فيكون علمه للآخرة هو الأساس الأول، فكثيرون هم الذين يتحركون في إطار الدنيا فقط، وقليلون هم الذين جعلوا الآخرة نصب أعينهم، والإمام علي-ع- من طليعة اولئك الذين جعلوا (الدنيا مزرعة الآخرة) وبذا فأن مقاييس الإمام علي-ع- في صحة المواقف هي بقدر ما تحقق رضا الله، وتكون خير زرع يجتبى ثمره في الآخرة، والعمل للآخرة يحدد العديد من المواقف، ويصوغها من حيث الوسيلة والكيفية، كما قال تعالى: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا".
4- العدالة.. حيث تعد محور الصلاح العام، فوجودها في شخص ما كفيل باتزان حركته واتجاهها نحو الحق، ولذا عدّ الفقهاء العدالة مسألة محوريّة في قياس صلاح الناس.
ولقد كانت قيمة العدالة شاخصة في حياة وسلوك الإمام علي-ع- والعديد من مواقفه تستند إلى هذا المبدأ، فالإمام علي-ع- كان يرى أن اقامة العدل هو في الوقت ذاته مواجهة للظلم، فلايمكن اقامة العدل إلاّ بمحاربة الظلم.
ولقد كان تنفره من الظلم بمقدار حبه للعدل فكراهية الظلم عند الإمام علي-ع- تبلغ من الوعي والفهم بعواقب الظلم، مبلغا كبيراً، لذا استوعب معنى وأثر الظلم في الدنيا والآخرة، وقباحته على النفس، في حساب الآخرة. هذا الحرص على تطبيق العدل والمساواة بدقة وادراك وشمولية، جعل من الإمام-ع- إنساناً لانظير له في مضمار العدالة الإنسانيّة على المستوى العالمي والتاريخي.
5- صلاح النفس والأخلاق.. فالاخلاق ثمرة لنبتة الإيمان، وهي المحك الأكبر والامتحان الأهم في حياة الإنسان، وفي حياة المؤمن بالأخص، فهي إنما تأتي نتيجة معاناة كبح جماح النفس وترويضها على القيم النبيلة، وتعويدها على السلوك الحسن، وفاقد الأخلاق فاقد للإيمان بصورة طبيعيّة.
وقد استوعب الإمام علي-ع- بنظره الثاقب وفكره الوضّاء ضرورة الاخلاق الحسنة ومقدار تأثيرها وأهميتها في تحقيق النجاحات فهو القائل: (لوكنا لانرجو جنة ولا نخشى ناراً، ولا ثوابا ولا عقاباً، لكان ينبغي أن نطلب مكارم الاخلاق فانها مما تدل على سبيل النجاح).
ومن جانب آخر يعد الإمام أميرالمؤمنين علي-ع- اكتساب الأخلاق رياضة نفسية شاقة ولكنها مطلوبة وضروريّة، فهناك معادلة في صقل الأخلاق لدى الإنسان المتقي يعبّر عنها الإمام بقوله في صفات المتقين الواردة في نهج البلاغة: (نفسه منه في عناء والناس منه في راحة)، فمن يريد أن يربح الناس ويكسبهم فلابد أن يضغط على نفسه حتى تكون هي التي تعاني فحين يحلم عن غيره، فالناس في راحة من موقفه هذا، ولكن نفسه هي التي تعاني وتجابه ضغوطات كظم الغيظ. وقد كانت الرياضة الروحيّة عمليّة دائمة في حياة الإمام علي-ع- يمارسها بلا توقف.
وهذه الرياضة ليست عبثاً أو لمجرد التسامي الروحي، بل ليطمئن يوم القيامة في قيامه بالواجب الذي عليه، كما أن هذه الرياضة مواساة منه للفقراء والمحتاجين المحتملين هنا أو هناك، هذا ما نراه في قوله-ع-: (إنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الفزع الاكبر، وتثبت على جوانب المزلق ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، وتسابح هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لاطمع له في القرص، ولا عهد له في الشبع).
|
|