الايمان والرؤية الشمولية في الحياة
|
*باسم سعيد
اذا اراد الانسان تحقيق الاستقلال على المستويين الفردي والاجتماعي فان أول خطوة امامه هي حسن الادارة والتصرف للتخلص بلطف وانسيابية من مختلف الضغوط والجاذبيات المادية التي تعترض طريقه في الحياة، فالانسان كان سابقا محكوما بالبرد والحر والجوع والعطش والألم ولكنه اليوم استطاع ان ينقذ نفسه من هذه الحتميات ويتحرر من ضغوطها عن طريق النشاط والعقل والادارة، وعندما استطاع هذا الانسان ان يدير الحياة بشكل يستخدم قدراته لاستيعابها، فانه قد انقذ نفسه من جاذبيتها .
وقد تكون الادارة علماً يُقرأ في الكتب، وقد تكون فناً في مدرسة الحياة، فاذا توفرت الارادة والعقل والتفكير عندها تزول كل المعوقات وصولاً الى الاستقلال.
وهذه الدعوة ليست موجهة الى الافراد فحسب، فالتجمعات على مختلف توجهاتها والتي تكون نشيطة ومديرة ومدبرة فانها تستطيع ان تحافظ على استقلالها؛ فالتجمع الذي يرفض التبعية ويلتزم مبادئ وقيم الاسلام بكل قوة واصرار، قولاً وعملاً فان عمله يتجه الى تجسيد الشعار الرسالي الذي يضع المؤمنين في صف واحد امام الصف المخالف كما قال الله سبحانه وتعالى "فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ".. وبما ان هذا التوجه ينطوي على تحديات جمّة فانه من النادر وجود هكذا تجمع على الساحة ترفع شعار التوحيد وتطبقه دون مواربة (لا اله إلا الله).. فليس من السهل ان يقف الانسان وحده وسط هذا العالم المليء بالشرك وعبادة الذات.
هنا يكون المؤمن بحاجة الى حالة هرمية تقع معرفة الله سبحانه وتعالى في قمة هذه المعرفة ليسهل عليه استيعاب كل حادثة تقع في حياته ويكون حينها ايجابيا على طول الخط ولن يبتلى بالتناقض بين الوسيلة والهدف، وتكون الوسيلة أنّا كانت مجرد معبراً وجسراً ولن تتحول الى غاية وهدف.. واذا ما تحولت الوسائل عند الانسان الى اهداف فحينئذ تظهر لديه حالة من الشرك تغزو قلبه، ولابد ان يحذر منها ؛ وعلى سبيل المثال فانه اذا انتمى الى تنظيم سياسي ما، فان عليه ان يحذر اشد الحذر من ان يتحول هذا التنظيم من وسيلة الى هدف، وهكذا الحال بالنسبة الى مجالات عددية في الحياة، فانها تبقى محترمة في حدود كونها وسيلة، فاذا تحولت الى هدف فانها ستكون صنماً يعبد من دون الله - تعالى- وهذه الصنمية هي التي تدفع المؤمنين الى ان يضرب بعضهم بعضاً فتنشأ لديهم الحالة التي يشير اليها القرآن الكريم في قوله: "وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً".
وتُعد شخصية نبي الله ابراهيم (عليه السلام) وهو امام الموحدين ومحطم الاصنام خير مثال لموضوعنا، هذا الانسان الذي بدأ مسيرة التوحيد لابد ان نتحدث عنه ونتعرف على قصته ونوجد علاقة روحية حميمة بيننا وبين شخصيته الكريمة .
والسؤال المطروح هنا: ما الذي ينبغي ان نفهمه من نبي الله ابراهيم (عليه السلام)؟ وكيف يتجلى هذا الشخص في آيات الذكر الحكيم؟ وكيف يجب ان نجعله قدوة لنا؟
قبل كل شيء من الضروري توضيح حقيقة ان نظرتنا الى الاشياء هي نظرة تجزيئية، فعندما تدخل على سبيل المثال في قاعة فانك توجه نظرك الى المقاعد والى سائر الاشياء الموجودة فيها، وبعبارة اخرى الى جزئيات هذه القاعة، ولكنك بحاجة الى ان تلقي نظرة كلية عامة الى ما في القاعة، وهذه النظرة هي التي تمنحك القدرة على التفكير والتخطيط
وهكذا الحال بالنسبة الى نظرتنا الى الايمان، فنحن نعلم ان الانسان المؤمن يقوم بالواجبات الدينية ويجتنب المحرمات والنواهي ليشكل بمجموعه صفات ايجابية نعرفها عن الانسان المؤمن، ولكن مشكلتنا اننا نتوقف عند هذه الجزئيات؛ فنقول: الصدق هو علامة الايمان وكذلك الحال بالنسبة الى الصلاة والصوم.. طبعاً هذه النظرة ليست خاطئة، فالصبر والصدق والنظافة والامانة وغيرها من المفاهيم والقيم تُعد اجزاء من الايمان، لكن المشكلة في عجزنا عن تشكيل تصور كلّي وجامع من هذه الاجزاء للتوصل الى حقيقة الايمان.
فالايمان روح، وهو صفة كامنة في القلب ويتجلى عبر الصلاة والصيام والزكاة والحج وما الى ذلك من فرائض دينية، وعلينا ان نعرف هذه الروح وندخل من خلال تلك المفردات الى العمق.. مثلاً: اذا رأينا في حديقة ما جزءاً من شجرة كبيرة وارفة، فرأينا مرة ساقها، ومرة جذورها، ومرة اخرى ثمارها فان علينا في نهاية المطاف ان نكوّن في انفسنا تصوراً عاماً ومشتركاً عن هذه الشجرة.
وهكذا الحال بالنسبة الى الايمان، فالقرآن الكريم في آيات شتى يطلب منا ان نفهم حقيقة الايمان لكي نبحث عنه في انفسنا، فالصلاة -مثلا- ليست هي الايمان بل هي تعبير عنه، فالايمان شيء آخر هو الذي يجعلك تصلي، وعلى ضوء هذه الحقيقة فاذا صلى الانسان ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر أو صلى وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر لكنه لم يطع القيادة التي امر الله باطاعتها، فانه في هذه الحالة لا يعد مؤمنا، لان الايمان لا يتجزأ بل هو شيء واحد وكتلة واحدة لا يمكن ان تتجزأ.
واذا ما راجعنا الايات القرآنية المتعلقة بابراهيم (عليه السلام) نرى ان القرآن الكريم بعد ان يبين لنا عمل ابراهيم وابنه اسماعيل (عليهما السلام) يقرر ان ابراهيم كان من عباده المؤمنين، وكأنه - تعالى- يريد ان يفهمنا من خلال هذه الواقعة حقيقة الايمان من خلال بيان مثله وانموذجه.
ان هذا الانموذج يتمثل في شخص واحد تحدى مجتمعا فاسدا بأجمعه، فمن الصعب عليك ان تخالف انسانا واحدا في فكرة وخصوصا اذا كان بينك وبينه احترام متبادل كأن يكون المربي والكافل لك وكنت تعيش في بيته ومن نعمته وفضله كما كان الحال بالنسبة الى ابراهيم (عليه السلام) مع ابيه (آزر) الذي كان في الحقيقة عمه بالنسب، واباه بالتبني.
لقد خالف ابراهيم (عليه السلام) المجتمع كله، وبحث عن طريقة لصرفهم عن نفسه، والتحايل عليهم من خلال العمل السري كما يروي لنا ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى "فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ" وذلك من خلال تظاهره بالمرض، وربما اراد ابراهيم (عليه السلام) ان يقول لهم انه مريض حسب ترهاتهم، وما يدعونه من العلم بالنجوم، فالمقصود من السقم هنا هو الجهل، فحسب نظرتهم فان ابراهيم لم يكن سقيما في ذلك الوقت، ولكنه سيصبح كذلك، ولذلك فقد اذعنوا لكلامه .
ومع كل ذلك فقد خرج ابراهيم في يوم العيد متوكلا على الله تعالى، ثم اخذ بيده المعول وكسر الاصنام، ثم استهزأ منهم بان وضع المعول على رأس كبير الاصنام وسؤاله اياهم: اسألوهم ان كانوا ينطقون، فتحداهم بالاستهزاء، ومقاومة كل جبروتهم، وكأنه كان يعمل مسندا بجيش جبار في حين انه كان فتى لم يتجاوز سن الحلم الا بقليل.
فمن اجل القضاء على الانحراف في مجتمعاتنا فاننا بحاجة الى انسان مستعد لان يضحي بنفسه في سبيل ايقاف هذا الانحراف، فقد نجد الآلاف المؤلفة من الناس يغمرهم الانحراف، وهنا تجد نفسك بحاجة الى ان تقف وحدك لتقاوم هذا الانحراف وان كلفك ذلك التضحية بنفسك الا انك بالتالي ستوقف هذا الانحراف او تؤخر وتعرقل على الاقل مسيرة الفساد والانحراف في المجتمع.
هذه بالحقيقة تُعد روح الايمان، والله تعالى يريد ان يبين لنا ان ابراهيم (عليه السلام) انما توج بالايمان لانه كان يتمتع بهذه الروح الكبيرة والثقة العظيمة المتمثلة بالتوكل المطلق على الله عز وجل.
فمن الممكن ان تكون قد عشت في بيت مؤمن، ولكنك لم تتعرض لامتحانات صعبة، فمثل هذه الحياة لا تدل على الايمان، بل انه يتجسد عندما تتعرض للامتحانات وعندما تخالف شهواتك.. وعليه يجب ان نبحث عن الروح الحقيقة للايمان، لننميها في انفسنا، لكي نقاوم ضغوط الشيطان وسلبيات النفس الامارة بالسوء وذلك من خلال التعمق في قصة ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) بل وقصة كل الشخصيات الرسالية التي قاومت الضغوط وتحدتها.
ان هذه الدروس والعبر هي التي يجب ان نستلهمها من قصة ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام)، ومن حياة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) والائمة الاطهار (عليهم السلام)، فعلينا ان نعرف ما وراء سلوكهم وسيرتهم، ونستغل معرفتنا هذه في طريق قيامنا بمهامنا الرسالية ثم نبحث على ضوء ذلك عن حقيقة الايمان في نفوسنا .
|
|