طعم الألم
|
*يونس الموسوي
هناك فرق بين من يتصور الألم وبين من يحسه ويتجرعه، فالأول لديه تصورات ربما تكون غير صحيحة عن الألم أما الآخر فإنه يعيش مع الألم ويستشعره بكل خلية من خلاياه، فهل يمكن –مثلاً-لانسان تكوين تصورات عن المرض والألم الذي يعاني منه انسان آخر؟
اذا كان الجواب بالنفي، إذن كيف سنتأثر بالآيات القرآنية التي تتحدث عن عذاب سيقع في يوم الحساب، ونحن لانستطيع أن نحس أو نشعر بهذا الألم الذي وصف بأنه شديد؟!
وربما يقول قائل ما الحاجة لأن نقحم أنفسنا في موضوع هو ليس من شأن عالم الدنيا؟ ونقول: أن هناك علاقة قطعية بين الإيمان وبين الإعتقاد بوجود العذاب.. هذا ما يحدثنا عنه القرآن الكريم في سورة الشعراء "لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ"، هم سمعوا آيات العذاب على لسان نبيهم الذي حذرهم من ذلك، لكنهم لم يؤمنوا وسخروا من نبيهم وقالوا آتنا بالعذاب إن كنت صادقاً!
ان مشكلة الإنسان أن تصوراته قاصرة عن إدراك كل الحقائق لذا فهو بحاجة إلى تنبيه دائم، وتذكير بالحقائق التي ستقابله في عالم الآخرة، ومن هنا جرى التأكيد في الكثير من مواقع القرآن الكريم على حقيقة العذاب، وأن الله سبحانه وتعالى خلق ناراً للعذاب، وأن هذه النار ستكون مقراً لكثير من البشر الذين سيعذبهم الله سبحانه وتعالى بسبب ظلمهم للناس وظلمهم لأنفسهم وقال عزوجل: "إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" وقال أيضاً "وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ"..
كلنا نسمع بهذه الآيات التي تتحدث عن العذاب، ولكن كم واحد من البشر يقول بأن هذه الآيات تعنيني أو تخصني؟
إذا لم ننفِ وجود مثل هؤلاء الأشخاص، فإنه يجب أن نقول بأنهم قليلون، ولذلك اسباب منها: ان كل واحد تمر عليه هذه الآيات أو يجري الحديث عنده عن عذاب الله، يقول في نفسه بأن الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين، ولن يعذبنا في ناره، في حين ان الله تعالى خلق النار وكتب على نفسه العدل والإنصاف في يوم الجزاء، فيُدخل المسيء النار ولو كان سيداً قرشياً، ويُدخل المحسن جنته ولو كان عبداً حبشياً.. فالنار يدخلها من يستحقها، والجنة يدخلها من يستحقها، بتقواه وأعماله الصالحة، ولن يأتي أحد ويقول: أدخل الجنة بالشفاعة وأخرج من النار بالشفاعة! فللشفاعة شروط، فمن يكون بعيداً عن الله فهو بعيد عن الرسول وآل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام ومن يكون قريباً عن الله وولياً له فهو ولي للنبي وآله، لذا فأن تارك الصلاة مثلاً- لن ينال الشفاعة..
من هنا لابد أن يبذل كل واحد منّا سعيه ويجهد نفسه للوصول الى الجنة، وينقذ نفسه من نار الجحيم، وهناك يامكانه التوسل والتشفع الى الله لغفران الذنوب.
نحن هنا لانبحث في مسألة الشفاعة من جانب قدرة الأئمة الاطهار عليهم أفضل الصلاة والسلام في تخليص الناس حتى من نار جهنم، وإنما من جانب المسلمين بأن لايتكلوا عليها واتخاذها السبيل الوحيد لخلاصهم في ذلك اليوم، بحيث يكون هذا الإعتقاد سبباً لقلة العمل الصالح.
فحتى نحقق مفهوم الآية "لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ" يجب أن نتصور بأن الله سبحانه وتعالى خلق النار للعذاب، فربما كنا من جملة أولئك الذين يدخلون هذه النار، لكن من خلال الايمان بوجود العقاب الأليم سنحاول القيام بأفضل الأعمال، ونسعى إلى إنقاذ أنفسنا من نار الحريق.
ونستطيع أن نقترب من معنى العذاب الأليم مما نجده من ألم وحرقة من نار الدنيا، فنحن الذين لانطيق هذه النار، فمن أين لنا الطاقة لتحمل تلك النار التي سجرها رب العزة لغضبه؟
وإذا كان كثير من الناس يأملون رحمة الله في يوم الجزاء الأكبر فهناك فئة منهم لايأملون بشيء، وهم على يقين بأن العذاب سيحرق أجسادهم ويهلك أبدانهم وذلك لانهم هم الذين يئسوا من رحمة الله، لذنوب كبيرة إقترفوها وجرائم عظيمة إرتكبوها، ويأسهم من روح الله يعد من الذنوب الكبيرة "وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".. وإضافة إلى هؤلاء فأن الله سبحانه وتعالى ذكر بأن الظالمين أيضاً لهم عذاب أليم، والظالمون على صنفين: فمنهم من يظلم الناس وهم المعروفين في عالم الدنيا بالجبابرة والطغاة الظلمة، فهؤلاء يستحقون أشد العذاب بسبب ظلمهم للناس وتجاوزهم على حقوق الآخرين، وكذا ينطبق وصف الظلمة على افراد المجتمع الذين ينتهكون حقوق الناس ويتسببون بهدر الكرامات وسفك الدماء.
وأما الصنف الثاني من الظلمة فهو الظالم لنفسه الذي يرتكب المعاصي ويقابل الله بالكفران، ولايعطي حق النعم التي أغدقها عليه ربه من السمع والبصر والشم والذوق وغير ذلك من الأعضاء السالمة، فهو يقابل إحسان الله إليه بالإساءة.
|
|