محاضرة يلقيها سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي ـ دام ظله ـ بمكتبه في كربلاء المقدسة
تزكية النفس تعصمنا من الخسارة في الدنيا والآخرة
|
اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
" وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا* وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا* وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا* وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا* وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا* وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا* وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا* كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا* إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا* فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا* فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا* وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا*"...... آمنا بالله
صدق الله العلي العظيم
حينما نستنطق آيات الذكر الحكيم لنعرف ما هي غاية المنى وقيمة القيم واعظم الاهداف التي لا بد ان يتطلع اليها الانسان نسأل هذا السؤال من كتاب ربنا كما امرنا الامام علي عليه السلام حينما قال: (استنطقوا كتاب ربكم..)، يعني اسألوه سؤالاً وخذوا الجواب.. فالقرآن يجيبنا بان قيمة القيم وغاية المنى وابرز التطلعات ليست قصوراً ضخمة ولا ارصدة كبيرة ولا سلطات واسعة ولا حتى ثياباً فاخرة بل ولا جسد قوي، بالرغم من ان كل هذه قد تكون قيمة وقد تكون مطلوبة الا ان القيمة الاسياسية هي تزكية النفس لان القصر مهما كان فخماً فانك ستتركه والمنصب حتى لو كان شامخاً فسوف تتركه او يتركك، وكذلك الحال في المال، إذ لن يكون بامكان الانسان ان يصطحب معه في القبر سوى ثوبين ابيضين، فهما حصيلته المادية الوحيدة الى القبر اما الذي يبقى معه دائماً فهي نفسه.. تبقى معه وتواكبه في القبر وفي القيامة وعند الميزان وفي الصراط حتى يصل ان انشاء الله الى الجنة.
ان النفس الانسانية بالرغم من محدوديتها الظاهرة وصغرها لكنها عظيمة وعظمتها تتمثل في انها اما تكون مزرعة لكل خير واما ان تكن حفرة لكل فساد ولكل شر مستطير.. هذه النفس في الحقيقة اشبه ماتكون بحقل فيه الكثير من المعادن الثمينة كالذهب والفضة والماس وهي بحاجة الى الاستخراج والصقل والبلورة ليظهر جمالها وفائدتها.. إذن هي تشكل رصيداً ضخماً للإنسان يمكن ان يكون ثمناً للجنة فالانسان يدفع الثمن لربه سبحانه وتعالى وبالمقابل يعطيه الله جنات عدن خالدين فيها.. ولهذا قال الشاعر:
انفاس عمرك اثمان الجنان فلا تشر بها لهباً في النار يشتعل
وفي نفس الوقت قد نجد في النفس الانسانية الميل الى الباطل والشهوات والصفات اللااخلاقية مثل الحسد والكذب والخيانة والتكبر وغيرها.. إذن فالنفس الانسانية يمكن ان تحتمل الحالتين وان تتلبس بأحدهما فيكون صاحبها وإمّا من اهل الخير وتكون عاقبته خيراً حيث رضوان الله، وإمّا من اهل الشر وتكون عاقبتة سيئة.. وربنا سبحانه وتعالى في سورة الشمس حينما يحلف يميناً ولا يمين على الله انما يضرب لنا الامثال لكي نزداد ايماناً بهذه الكلمات الطيبة فيقول بعد اسمه "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا* وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا* وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا* وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا* وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا* وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*"، ان محور كل هذه المنظومة التي وردت في القسم الالهي هي الشمس، وهذا من عظمة القرآن الكريم واعجازه فلم يقسم الله تعالى بالارض ولا بالسماء وانما بدأ قسمه بالشمس كونها المحور للأرض والقمر، فكل هذه المنظومة الشمسية التي نحن نعيش في ظلها خُلقت لانفسنا ولتكون وسيلة لتزكيتها في الحياة فاما ان تحملنا هذه النفس الى اعلا عليين واما ان تجرنا الى اسفل سافلين والعياذ بالله..
وما نجده في الحياة من معالم عظمة الله كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والارض وما فيها، كلها في الحقيقة تشكل فتنة واختباراً لنا لنسعى ونعمل لاستخراج كوامن نفوسنا بل ان علّة وجود الانسان في دار الدنيا هو تحقيق هذا الهدف، وهو تزكية النفس واستخراج معادنها الخيرة والطيبة. في بعض الاحيان قد يغفل الانسان عن نفسه وينشغل بأمور اخرى مثل الجلوس ساعات طويلة امام شاشة التلفاز لمتابعة البرامج المختلفة، لا سيما وان القنوات التي يمكن للمشاهد التقاطها اليوم اضحت بالمئات وبمختلف اللغات، وقد يبرر البعض بأنه يتابع اخبار العالم وتطوراته فقد تكون هذه الاخبار مثيرة ومهمة مثل الاعاصير والكوارث والاحداث المختلفة في ميادين السياسة والاقتصاد والمجتمع وغير ذلك، لكن السؤال هنا: هل نتابع في نفس الوقت اخبار وتطورات نفوسنا؟
ان النفس هي الاولى والاجدر بالمتابعة ليصل الى تزكيتها، وإلا فان الادمان على مشاهدة التلفاز يبعدنا عن هدفنا الاساسي ويشغلنا عن انفسنا فينهي اليوم عند الساعات الاخيرة من الليل وقبل ان نعرف (روزنامة) النفس ومالها وما عليها نخلد الى النوم ونحن نحمل مختلف الصور المتضاربة والمتنوعة التي مرت امام انظارنا، وتبقى النفس دون استغفار ومراجعة ومحاسبة، وهنا يغفل الانسان عن ان الذنوب التي علقت به خلال النهار قد تحولت الى عقارب وثعابين عملاقة في نار جهنم، وجاء في بعض الروايات عن وصف اهوال نار جهنم ـ اجارنا الله تعالى ـ بأن العقارب هناك بحجم البغل!، ما لم يتدارك الانسان نفسه، وربنا يقول في هذه السورة المباركة: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا".
وربما يقول البعض أن مشاغل الحياة لاتدع له مجالاً لنوع كهذا من التفكير والمراجعة مع وجود المشاكل في الخدمات والصعوبات في المعيشة، لكن هذا ليس مبرراً مقبولاً لان في كل انحاء العالم هناك مشاكل وازمات بأنواع واشكال مختلفة، ومعظم إن لم نقل كل افراد البشر في هذا العالم يجرون وراء لقمة العيش.. إذن لا يجب الاستسلام للمشاكل التي تطارد الانسان لانها بالحقيقة تشكل اختباراً لارادة الانسان، وقد حذرنا ربنا في كتابه المجيد "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"، بمعنى ان الغفلة نشاوي الخسارة وهي الحقيقة التي يبينها ربنا تعالى في السورة التي نحن بصددها حيث يقول: " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا*".
هنا يتضح الطريقان امام الانسان: إما التزكية وهو ان يستخرج معادن نفسه الثمينة ثم يصقلها ويعدها للبيع ويصل مقابلها على المال، وإما ان ياخذ تلك المعادن وتلك الثروة والرصيد الموهوب له من قبل الله ويدسّه في التراب، اي يدفنه! فهو قد يحصل على الدار والزوجة والمنصب وغيرها من ملذات الحياة، لكن لم يحقق امر التزكية، فيرحل عن دار الدنيا وهو محمّل بذنوبه واخطائه، وبدلاً من ان يزيلها في الحياة الدنيا بنفسه وبالشكل والطريقة المرضية فان القبر يتكفل هذه المهمة فتكون البداية بالضغطة ثم النيران والعقارب ومختلف انواع العذاب، وفي مرحلة لاحقة في نار جهنم ـ والعياذ بالله ـ فالبعض يبقى مئات او آلاف السنين، حسب حجم ذنوبه ومعاصيه وذلك ليتطهر ويتخلص منها قبل ان يدخل الجنة، فيما البعض " خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً" كما يقول القرآن الكريم..
ايها الاخوة. ايها الشباب..
نحن اليوم نقضي ايام العطلة الصيفية، فقد يتوجه البعض للسفر او طلب اجازة للراحة، لكن هذه العطلة يجب ان تستثمر للتزكية وتطهير الانفس، هذا الى جانب الاهتمامات الاخرى مثل تحسين المستوى الدراسي وتطوير الوضع المعيشي والاقتصادي.. ومن اهم وسائل التزكية حضور محافل القرآن الكريم والمطالعة، ومن نافلة القول هنا.. ان بعض الاخوة كانوا يأتوننا عندما كنا خارج البلاد ويشكون قلّة الكتاب والمبلّغ وسبل الثقافة بسبب اضطهاد وطغيان النظام البائد اما اليوم فقد منّ الله تعالى بهذه الوفرة من الكتب والخطباء وبعض القنوات الفضائية المفيدة.. ادعو الشباب لمطالعة الكتب الدينية وتلاوة القرآن الكريم والتدبر في آياته. يُنقل عن احد العلماء انه سُئل: كم مرة تختم القرآن الكريم؟ قال لدي ثلاث طلعات على الكتاب المجيد: الطلعة الاولى اختمه كل عشرة ايام، اي كل يوم اقرأ ثلاثة اجزاء، والطلعة الثانية اقرأ القرآن كل سنة، قالوا كيف؟ قال اتدبر في آياته، فأبقى عند الآية الواحدة ساعة او اكثر وليس قراءة سريعة، اما الطلعة الثالثة، فانا حالياً بين يدي القرآن الكريم وقد مضى علي ثلاثين عاماً ولم اكمله! وهذا معنى التدبر والتعمق، فهذا الكتاب المجيد جدير بالتأمل والتفكر وهو خير وسيلة لاصلاح نفوسنا. جاء الى الامام الصادق عليه السلام رجل وقال: يابن رسول الله انا لا اعرف مصيري أالى الجنة ام الى النار؟ فقال عليه السلام اعرض نفسك على كتاب الله وانظر ماذا يقول لك القرآن الكريم.. وهنا ادعو الآباء الكرام لان يساهموا في انجاح واتمام عملية التزكية للنفس بأعداد الاجواء اللازمة للأولاد الصغار الذين هم في عمر الورود وتشجيعهم على حفظ الآيات القرآنية والاهتمام بأمر التربية الحسنة، يعيشون في هذه الحياة بعزّ وكرامة، كما علّمكم الاجداد ان عزّة النفس شرف عظيم، وعلموكم على العمل والمثابرة وتجنب الكسل..
ولا بد من التذكير ان العطلة الصيفية تتزامن من هذا العام مع الاشهر الثلاثة المباركات وهي رجب الاصب وشعبان المعظم ورمضان المبارك، وما يتخلل هذه الاشهر من مناسبات مهمة وعظيمة، وكل ذلك يُعد فرصة ذهبية لمراجعة النفس وتزكيتها وتهذيبها مما يعلق بها من ذنوب ومعاصي تثقل كاهل الانسان، وليجرب من يهذّب نفسه ويتحرر من تلك الاثقال، ثم ينظر ما يكتنفه من شعور عارم باللذة والرغبة في التحليق نحو الاعالي والسمو ومن ثم الفلاح في هذه الدنيا وكسب رضوان الله تعالى والفوز بجنان الخلد، إنشاء الله تعالى..
أسأل الله تعالى ان يوفقنا واياكم لذلك وان يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والوفاة لنا راحة من كل شر، وألا يسلط علينا من لا يرحمنا وان يعيننا على انفسنا كما اعان الصالحين على انفسهم.. ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.. ربنا إكشف عنا العذاب إنا موقنون.. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
|
|