قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نوافذ أبي ذر الغفاري 10
الموت يأتي بغتةً
في احد نهارات المدينة المنورة دخل المسجد الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (جندب بن جنادة) رضوان الله عليه، فلم يجد فيه احداً سوى الرسول الاكرم والى جانبه الإمام علي بن ابي طالب (ع)، فما كان منه إلا ان يغتنم الفرصة، لانه من النادر جداً آنذاك ان يكون الرسول الاكرم وحده وانما بين الناس والصحاب دائماً، فطلب من الرسول الاكرم (ص)ان يوصيه، فرحب به (ص) وقال له: (إني موصيك بوصية فإحفظها فإنها جامفة لطرق الخير وسبله..
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ:
(يا ابا ذر، إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة.. واعمال محفوظة، والموت ياتي بغتة، ومن يزرع خيراً يوشك ان يحصد خيراً.. ومن يزرع شراً يوشك ان يحصد ندامةً.. ولكل زارع ما زرع).
من الواضح هنا ان النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ في هذا المقطع المبارك في وصيته الشريفة يصور لأبي ذر ـ رضي الله عنه ـ الإنسان بكونه كائناً موجوداً في ممر الليل والنهار، اي انه محكوم بحكومة الزمن، ومثل هذا التعبير لم يرد في الروايات والآيات والاشعار والامثال إلا هنا وفي بعض اقوال امير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ فكان وصف الليل والنهار بكلمة (ممر) ابتكاراً نبوياً رائعاً على الصعيد البلاغي.. وفي هذا التعبير البلاغي نقطتان مهمتان على المستوى الأدبي والمعنوي.
فمن الناحية الادبية، يمكن تصور كلمة (ممرّ) على عده مكاناً، وكذلك يمكن تصوره زماناً، اي ان محل حضور الانسان مكان مرور الزمان، وهو في الوقت ذاته ظرف زمني لطي لحظات الزمن.
اما الناحية المعنوية؛ فهي ان الليل والنهار بمنزلة السيل الذي يدفع ابن آدم ضمن تياره الهادر، وقد وضع المرء في هذا الحيز وضعاً جبرياً، وكذلك هو حال وجوده في هذا المعبر والممرّ.
وكان وصف رسول الله وجود الانسان في الحياة بمنزلة اجل منقوص أي ان للأجل معنيين: فطول العمر ومدة حياة الإنسان في هذه الدنيا تعد اجلاً. وكذلك نهاية العمر حيث ينقطع عن الحياة تسمى (اجلاً)؛ وعليه فإن شأن تواجد ابن آدم في (ممرّ) الليل والنهار كشأن بعض الاشياء المحدودة التاريخ والصلاحية. فالحديث هنا يرى ان عمر الإنسان ـ وفقاً للشرائط الخلقية ـ امر محدود وزمني، فكان نقصان الآجال لازماً محتوماً، ومن الجانب الثاني، ثمة يد وإرادة ملؤها القوة والقدرة تتحكم بطبيعة عمر الفرد وحدوده، قلة وكثرة، وطبقاً لنوع حياة الفرد ذاته، فالنقصان فعل مباشر من جانب الله الحق تعالى، ومفعول نفس العمر.
بمعنى انه في الوقت يعد نقصان عمر الانسان امراً لازماً ومقدراً من قبل الله تعالى استثمار العمر او الاجل الماضي في النقصان لعمل الخير.. بل هناك عوامل واسباب توجب للعمر البركة والزيادة مثل صلة الرحم والعفو عند المقدرة وغيرها من الممارسات المؤكدة من قبل اهل البيت ـ عليهم السلام ـ ويواصل النبي المصطفى ـ صلى الله عليه آله ـ حديثه الشريف ليؤكد ان الانسان يعبر من هذا الممر الزماني وجميع اعماله تحفظ وتسجل في صفحة مصيره بشكل لا يفوت على حافظها شيء منها، ولا هو من اهل الغفلة فتغادره.
وتستمر حركة الحياة في جوهر الانسان وبدنه، حتى تستولي عليه قبضة الموت الهائلة (الموت ياتي بغتةً) فيُستدعى ابن آدم الى ساحة المحكمة الموعودة بواسطة الموت، فيواجهه هناك بجميع افعاله واقواله وافكاره بعد ان تجمع كلها في ملف خاص يحمل اسمه هو دون غيره، اما قاضي هذه المحكمة فلا تاخذه سنة ولا نوم ولا غفلة عن اية قضية من القضايا، وهو الذي لا تخفى عليه خافية.
وإذا كان من المقرر ان يحاسب شخص ويحاكم على اعماله ونواياه؛ إنه لا شك سيتعرض لأزمة نتيجة الخوف والترقب والاضطراب ويستولي ذلك على كل وجوده، حيث تقدح في زوايا مخيلته صورة تلك المحاكمة، ولعله يفقد السيطرة على حواسه.
مثل هذه الحالات تستولي على من اضطر للمثول امام محكمة دنيوية، فكيف بمن سيرغم على الحضور في محكمة الآخرة، فهل ستظهر عليه ملامح الراحة والاستقرار النفسي؟ اوليس ما يبدو على الإنسان ـ الناقص العمر، المحفوظة اعماله ـ من السعادة والفرح إلا نتيجة غفلته وجهله ولا مبالاته؟!
ذكرت الروايات الكريمة ان النبي المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ وفي ليلة المعراج حيث كان مع جبرائيل ـ عليه السلام ـ رأى جهنم وما فيها من العذاب، وبعد ذلك لم ير ضاحكاً ابداً.
ولكن هناك كثيراً من الناس يحشرون انفسهم في مستنقعات الغفلة والجهل فيظهرون بملامح الفرح والضحك، ولو ان الناس عرفوا انهم سيستدعون الى محمكة الآخرة، لسلب منهم الفرح، ولترقبوا الموت في كل آن ومناسبة وحالة.
ولعل المرء قد غفل عن بعض الممارسات الدنيوية ومسحت من امام عينيه، ولكنها متكدسة في ضميره، وبمجردإحضاره ووجوده في ساحة المحاكمة وانفصاله عن الجاذبيات المادية والدنيوية، سيلاحظ تلكم الاعمال والممارسات ماثلة في وجوده بحيث لن تكلف المحكمة نفسها للضغط عليه من اجل كسب اعترافه بما اقترفت يداه، وانما سيكون مجرد وقوفه في تلك السياحة إقراراً واعترافاً مطلقاً، حتى انك لا تسمع إذ ذاك ولا همساً.
أما إذا تمكن الانسان من تكريس هذه الحقائق في نفسه وتسجيلها في ضميره بصورة حيوية بحيث يفعلها متى يريد وكيف يريد، فانه حينذاك سيكون هدفه الاكبر في الحياة انجاز اعمال الخير وتسجيل الصالحات في ملف اعماله، وإذا نحّى المرء حجب الغفلة جانباً، واستثمر ذكاءه، ولم يتصور المستقبل (الموت والآخرة) حقيقة بعيدة بل رآه قريباً، فإنه سيتأكد من شديد حاجته للأعمال والنوايا الصالحة. (ومن يزرع خيراً يوشك ان يحصد خيراً)