في ذكرى مولده الميمون
الإمام الباقر(ع) والعلم الرباني
|
*يونس الموسوي
من يقرأ الحركة العلمية للأئمة الأطهار ـ سلام الله عليهم ـ ومنهم الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ يصل إلى حقيقة مفادها أن (علمهم رباني) ليس بمعنى أن الوحي ينزل عليهم بل بمعنى أن مصدر علمهم ومنبعه يعود إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ، فعلاوة على القرآن الكريم أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه الكريم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أشياء أخرى مثل الكتاب المبين وهو الذي يحتوي على كل صغيرة وكبيرة كما ذكر القرآن الكريم، وكذا التوراة والزبور والإنجيل، علاوة على صحيفة فاطمة ـ سلام الله عليها ـ، كان الأئمة الأطهار يستقون علومهم من كل هذه الكتب التي هي محجوبة عن أعين الناس وأنظارهم.
ولقد شهد لهم كبار الصحابة بهذه المنزلة العظيمة وبهذا العلم الجم، وشهادة عمربن الخطاب بحق الإمام علي ـ عليه السلام ـ كانت واضحة وجلية وكذا شهادة أبو حنيفة النعمان للإمام الصادق ـ عليه السلام ـ، وكذا الحال بالنسبة للإمام الباقر وبقية الأئمة ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ.
ونقل أبو نعيم في كتابه (الحلية) أنه سأل رجل عبد الله بن عمر وكان حينها طاعناً في السن عن مسألة فلم يعرف جوابه، فقال إذهب إلى ذلك الغلام وسَله وأعلمني بما يجيبك وأشار إلى الامام الباقر ـ عليه السلام ـ فسأله فأجابه، وقال إبن عمر: (انهم أهل بيت مفهمون..)، والتعبير بكلمة (مفهمون) كان شائعاً في ذلك العصر ويعني أنهم مؤيدون من عندالله.
كان الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ إستاذاً ومعلماً لبقية العلماء وقد وصف عبدالله بن عطاء ذلك بخير وصف عندما قال: (ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند ابي جعفر محمد ابن بن الحسين ـ عليهم السلام ـ ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه)
ومن الواضح أن العلماء من العهد الأول للإسلام هم الأعرف من غيرهم بمقدار علوم أئمة الهدى عليهم أفضل الصلاة والسلام، فهم فضلاً عن عما سمعوه من أحاديث بشأن أئمة الهدى عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، غير أنهم لمسوا عن قرب كنوز هذا البيت الطاهر من العلم الجم، لذا كانوا يرجعون إليهم في المسائل العلمية والفقهية كافة، ومن المؤسف حقاً أن نجد بعض المسلمين لايعرفون قيد أنملة عن أئمة أهل البيت ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ، في الوقت الذي يشهد به أعداؤهم بفضلهم وكرامتهم وعلمهم.
لقد إستفاد الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ من الانفراج السياسي في الفترة التي عاشها ليكشف جانباً من علوم أهل البيت، وليسجل التاريخ بعض محاججاته مع المخالفين لخط أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، وقد روى محمد بن سلم أكثر من ثلاثين ألف حديث عنه ـ عليه السلام ـ، أما جابر الجعفي فقد روى أنه سمع سبعين ألف حديث عن الباقر ـ عليه السلام ـ.
ومن ضمن محاججاته ما نقله التاريخ عن محاججته لعبدالله بن نافع ابن الأزرق وكان واحداً من قادة الخوارج الذين كانوا أشد الفرق عداءً للإمام علي ـ عليه السلام ـ وأهل بيته، وكان يقول: لو أني علمت أن بين قطريها أحداً تبلغني إليه المطايا يخصمني أن علياً قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم لرحلت إليه، فقيل له ولا ولده، فقال أفي ولده عالم، فقيل له هذا أول جهلك أوهم يخلون من عالم؟ قال فمن عالمهم اليوم؟ قيل محمد بن علي بن الحسين بن علي، فرحل إليه في صناديد أصحابه حتى أتى المدينة، فاستأذن على الامام أبي جعفر فقال عليه السلام: وما يصنع بي وهو يبرأ مني ومن أبي طرفي النهار، فقال له أبو بصير الكوفي، جعلت فداك، إن هذا يزعم أنه لو علم أن بين قطريها أحداً تبلغه المطايا إليه يخصمه أن علياً قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم لرحل إليه، فقال له أبو جعفر، أتراه جاءني مناظراً؟ قال: نعم، قال عليه السلام: أخرج فحط رحله، وقل له إذا كان الغد فأتنا.
فلما أصبح عبد الله بن نافع غداً في صناديد أصحابه وبعث ابوجعفر إلى جميع أبناء المهاجرين والأنصار فجمعهم، ثم خرج إلى الناس وأقبل عليهم كأنه فلقه قمر فخطب فحمدالله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قال: الحمدلله الذي أكرمنا بنبوته واختصنا بولايته، يا معشر أبناء المهاجرين والأنصار من كانت عنده منقبة لعلي بن أبي طالب فليقم وليتحدث، فقام الناس فسردوا تلك المناقب فقال عبدالله أنا أروي لهذه المناقب اكثر من هؤلاء، وإنما أحدث على الكفر بعد تحكيمه الحكمين.
حتى إنتهوا إلى حديث خيبر لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار لايرجع حتى يفتح الله على يديه، فقال أبوجعفر عليه السلام ما تقول في هذا الحديث؟ قال: هو حق لاشك فيه ولكن أحدث الكفر بعد، فقال له أبوجعفر عليه السلام: ثكلتك أمك، أخبرني عن الله عزوجل أحب علي بن أبي طالب يوم أحبه وهو يعلم أنه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم، فإن قلت لا كفرت، فقال: قد علم. قال ـ عليه السلام ـ: فأحبه الله على أن يعمل بطاعته أو على أن يعمل بمعصيته؟
فقال: على أن يعمل بطاعته. فقال له أبوجعفر عليه السلام: فقم مخصوماً، فقام وهو يقول حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
والخوارج في هذا الزمان أيضاً كثيرون غير أنهم لايفهمون لغة الحوار والمنطق، وإلا فرسالتهم ضعيفة ومنهجهم عقيم، وحجتهم باطلة، وسرعان ماينكشف أمرهم مثلما إنكشف ضعف منطق سيدهم عبد الله ابن نافع عندما أعجزته الحجة، وأعيته الحيلة في دفع الحق عن علي ـ عليه السلام ـ، وأما خوارج هذا الزمان ولكي لايتورطوا في مناقضة أنفسهم وأفكارهم فهم يرفضون هذه الأحاديث التي وردت في الإمام علي ـ عليه السلام ـ جملة وتفصيلا حتى لاتكون عليهم دليلاً وحجة إضافية فوق ما في الحجج الأخرى من قوة.
كان قتادة أبرز فقهاء البصرة وهو من كبار العلماء الذي يُعد احد مصادر الحديث عند أهل السنة، في شوق لرؤية الإمام الباقر عليه السلام ومناظرته، حيث كانت المدينة المنورة حاضرة الفقه والتفسير وسائر المعارف الإلهية، ولذلك فقد انتشر علم الإمام إلى آفاق الدنيا، ومن هنا جاء قتادة إلى المدينة يسأل عن الإمام فلما رآه قال له الإمام: أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم
فقال ـ عليه السلام ـ: ويحك ياقتادة، إن الله ـ عزوجل ـ خلق خلقاً فجعلهم حججاً على خلقه فهم أوتاد في أرضه، قوام بأمره، نجباء في علمه، إصطفاهم قبل خلقه، أظلة عن يمين عرشه، فسكت قتادة طويلاً.
ثم قال: أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام إبن عباس، فما إضطرب قلبي قدام أحد منهم ما إضطرب قدامك، فقال له أبو جعفر عليه السلام: أتدري أين أنت؟
أنت بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكرالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأنت ثم ونحن أولئك.
فقال له قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك ماهي بيوت حجارة ولاطين، قال: فأخبرني عن الجبن؟
فتبسم أبوجعفر وقال: رجعت مسائلك إلى هذا؟
قال: ضلت عني فقال عليه السلام: لابأس به فقال: إنه ربما جعلت فيه أنفحة الميت.
قال عليه السلام: ليس بها بأس، إن الأنفحة ليس لها عروق ولافيها دم ولالها عظم، إنما تخرج من بين فرث ودم.
ثم قال عليه السلام: وإنما الأنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة فهل تأكل تلك البيضة؟
قال قتادة: لا ولا آمر بأكلها فقال له أبوجعفر ـ عليه السلام ـ: ولِم؟
قال: لأنها من الميتة.
قال له ـ عليه السلام ـ: فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها؟
قال: نعم
قال ـ عليه السلام ـ: فما حرم عليك البيضة وأحلّ لك الدجاجة، ثم قال عليه السلام، فكذلك الأنفحة مثل البيضة فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلين ولا تسأل عنه إلا أن يأتيك من يخبرك عنه.(2)
تفضيل الأئمة الأطهار ـ سلام الله عليهم ـ في العلم والتقوى والعمل الصالح لم يكن خافياً على أحد الا اتباع معاوية ابن ابي سفيان وملوك بني أمية وبني العباس الذين اعطوا الاهمية والأولوية للمال والجاه والقربى عند الحاكم، ولذا لانجد في التوجهات الفكرية والثقافية في العالم الاسلامي سوى الحديث الذي يعود بأصله الى السلطة والحكم والهيمنة وليس الى علم الله وانواره القدسية التي كان الأئمة الاطهار يشعون بها للبشرية والاجيال.
|
|