قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
بسبب تفشي ظاهرة التشهير
هل يتمنى أحداٌ أن يكون أبكمَ؟!
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *طاهر القزويني
من باب الافتراض؛ لو قيل لك ان اختراعاً جديداً سيغزو الاسواق وهو جهاز يسجل من حيث لاتشعر كل الكلمات التي تنطق بها في كل لحظة من لحظات حياتك، وانه يسجل أيضاً الاتهامات الباطلة التي تتهم بها الأشخاص الآخرين وتنعتهم بأشياء سيئة هي ليست فيهم وأن القانون سيعاقب على هذه التهمة الباطلة بالاعدام، ماذا ستفعل؟!
بالطبع ستتريث في الكلام، وتحسب لكل كلمة تقولها ألف حساب، وتواظب على أن لاتمس منها كرامة أو سمعة أي إنسان، وهذا هو الموقف الطبيعي لأي إنسان عاقل، لكن في الوقت الحاضر يبدو الانسان سعيداً لعدم وجود جهاز مثير للقلق كهذا! كما انه لم يتم تشريع مثل هذا العقاب في قانون أية دولة في العالم، ولكن من الافضل ألا نفرح كثيراً لأن هناك قانوناً أشد وأقسى من الذي قيل بحق تلك الجريمة.
هذا العقاب بيّنه النبي الأعظم - صلى الله عليه وآله- حيث قال في حديث شريف (من بهت مؤمناً أو مؤمنةً أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى يوم القيامة على تلّ من نار حتى يخرج مما قاله فيه). وفي نفس المضمون قال الإمام الصادق -عليه السلام- في رواية عن ابن ابي يعفور، عن الامام أبي عبدالله الصادق -عليه السلام- قال: من باهت مؤمناً أو مؤمنةً بما ليس فيهما حبسه الله ـ عزوجل ـ يوم القيامة في طينة خبال، حتى يخرج مما قال قلت: وما طينة خبال؟ قال: صديدٌ يخرج من فروج المومسات، فإذا خُيّّر الإنسان بين عقوبة الاعدام وبين أن يجلس زمناً طويلاً على تل من نار، ما الذي سيختاره؟! من هنا يتبين أن العقوبة الأخروية لتلك الجريمة التي يرتكبها الإنسان هي أشد وأقسى من عقوبة الاعدام.
وبصفتنا مسلمين يفترض بنا أن نأخذ تشريعات الله ـ عزوجل ـ بمحمل الجد، وتهديداته بكثير من الحذر، وأن نقرّب صورة العذاب الأخروي إلى أذهاننا بالشكل الذي يساعدنا على الارتداع عن تلك الآثام، ولاسيما بالنسبة لتلك الجرائم التي تنتهك حرمات الناس وكراماتهم، لأنه لامناص من المحاسبة عليها ولافرار لأحد من عقوباتها لأنها حق إنساني.
وإذا تكلمنا عن الحق الإنساني فيجب أن نتحدث أيضاً عن حقوق الناس وما يتوجب على الإنسان من حفظها وصونها، وإذا كانت التشريعات البشرية تدعو للحفاظ على حياة الانسان المادية ومنع أي أذىً او ضرر أمامه، فأن حياته المعنوية من كرامة وماء وجه أولى بالحفظ والصون.
ولابد أن يتولى أرباب المجتمع من علماء ومثقفين وقادة ومعلمين، تعليم الناس هذه الحقوق حتى يتم صونها بشكل جماعي، ويبدأ ذلك من عهد الطفولة على يد الآباء بالدرجة الأولى وعلى المعلمين في المدارس بالدرجة الثانية، بأن يعلموا الأطفال احترام مشاعر الآخرين ولايتطاولون عليهم بالسباب والشتائم، ونشهد – مع الاسف- انتشار ظاهرة التفوه بالالفاظ الركيكة والسيئة في بلداننا الإسلامية، وهي التي من شأنها تمهيد الاجواء لنشوء الطفل على عدم احترام كرامة الآخرين بحيث لن يجد غضاضة من كيل التهم والاساءة إليهم .
وإذا كانت التشريعات البشرية لاتعطي وزناً للشخصية المعنوية للإنسان بنفس مقدار التشريعات التي تصدر لحفظ كيانه المادي، فإن هذا لايعني أنها أقل أهمية، فالتهمة الباطلة هي بمنزلة عملية اغتيال لتلك الشخصية.
تصوروا مجتمعاً تهدر فيه الحقوق وتنتهك فيه الكرامات وتصدر من إنسان كلمات تتهم امرأة – مثلاً- بالباطل في كرامتها وسمعتها ماذا سيحصل؟ ففي مجتمع يسود فيه القوي ويخسر فيه الضعيف، إذا حدث أن تشوهت سمعة إمرأة مؤمنة فيه، فإنها ستصبح عرضةً لأنياب الوحوش الكاسرة ومخالبها.
هل عرفنا الآن حجم جريمة البهتان وثقلها؟ الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ هو الذي يوضح في حديث له صورة هذا الأثم وحجمه في قوله: (البهتان على البريء أثقل من الجبال الراسيات)، هذا هو الحجم الحقيقي لجريمة البهتان، وهنا يجب أن يفكر الإنسان في حجم العذاب الذي ينتظره نتيجة هذا الحجم الكبير من الإثم، ويفكر أيضاً في أن كلمة واحدة قد تصدر من فمه وتؤدي به إلى هذه النتيجة السيئة، فعليه أن يحصن لسانه من الزلل، ويتقي الله في خلقه، وأن يراعي حرمات الناس وكراماتهم ولايتعدى عليهم بكلام مريب.
وإذا كانت التشريعات البشرية لاتكترث لهذه الحرمات، فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ تعهد بصونها والدفاع عن المؤمن والمؤمنة في الدنيا والآخرة، وأن لايسمح لأحد بالتعدي على كراماتهم، كيف وقد أمرنا بالستر على الآخرين إذا لاحظنا منهم خطأً أو أثماً وعدم إشاعة ذلك بين الناس، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يحاسب ذلك الإنسان الذي يشيع اسرار الناس وما اقترفوه من اخطاء، فكيف سيكون عقابه لمن يتهم الآخرين بالباطل ويحملهم مساوئ لم يفعلوها؟
عدم إشاعة مساوئ الناس، والحث على ترك البهتان والغيبة والنميمة إنما الغرض منها إشاعة الروح الإيمانية بين الناس والتغاضي عن أخطائهم، فليس في هذه الدنيا بشر معصوم عن الخطأ ولذا فإن الجميع خطاؤون، ومن يرد أن يراقب عثرات الناس ويحصِ عليهم أخطاءهم، فعليه أن يراقب نفسه ويتوجه إلى إصلاحها. ومن يفعل خلاف ذلك ويجعل همه هو إحصاء أخطاء الآخرين، فإنه بلاشك سيفتضح ويقول الناس فيه مثل قولته، وفي هذا قال الإمام السجاد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ (من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه).
لقد شبّه الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ كما مرّ لدينا البهتان على البريء بثقل الجبال الراسيات، وهو بلاشك بهذا الحجم من الثقل، ولكن القصد من ذكر الجبال الراسيات هو توضيح ثقل هذا الإثم الكبير وأن الإنسان لايعرف في ذهنه أثقل من الجبال، لذلك جاء الحديث لتقريب الصورة المعنوية لثقل هذا الاثم وكبره بالجبال حتى يعرف الإنسان هذا الحجم بالصورة المادية.
ولابد أن نتصور في مخيلتنا المشاهد التي ينبهنا إليها القرآن الكريم والسنة الشريفة مثل الميزان الذي يوضع للحساب يوم القيامة، والجبال الراسيات التي ورد تشبيهها بالكلام الباطل، ونحن هنا إذا أردنا أن ندمج ما بين حديث الجبال الراسيات وما بين الميزان تبرز لدينا نتيجة واضحة وهي أن البهتان إذا وضع في ميزان المرء يوم القيامة فكأنما وضعوا الجبال الراسيات في ميزانه، وكفة البهتان ستتغلب على الكفة الأخرى التي فيها قليل من الحسنات.
ويتمنى المرء في ذلك اليوم أن لو كان قد خلقه الله بُكماً ولم ينطق بتلك الكلمة التي كانت بثقل الجبال وجلبت له الحسرة والأسف، وربما أوردته في قاع جهنم، وكان هو في الدنيا غنياً عنها، ولم تنفعه في شيء ولم تسبب له إلا الضرر والألم.