لنستلهم من ذكرى مولد منقذ البشرية الإمام الحجة المنتظر ـ عجل الله فرجه ـ
الجاهزية القصوى شرطٌ لانتظار النصر الكبير
|
يقول ربنا سبحانه: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُـهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُون)
ويقول تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).
مثَلُ الرسالة الإسلامية الخاتمة مَثلُ الثمرات التي أنعم الله بها على الإنسان؛ هذه الثمرات التي إذا اجتمعت صنعت إنساناً متكامل الجسد، صحيح البنية، سوياً مقتدراً.. ولكنها لو اختلفت ولم يحسن الاستفادة منها، لم تعطِ النفع المرجوّ، لاسيما وأن البدن فقير الى جميع ما تحويه تلكم الثمرات، حيث تسهم في صناعة القوة والحيوية والفاعلية، وأن الحكمة الإلهية قد قدرت توزيع احتياجات الجسم الإنساني على خواص الثمرات، حتى أن الإنسان لو استفاد من ثمرة دون أخرى لأحس بالنقص وبالفقر الى ميزات ما لم يتناوله.
أقـول: إن مثل الدين مثل الثمرات، نظراً الى أن الدين عبـارة عن وحدة متكاملة ينبغي الاستفادة منه بعمومه، دون تعمد أخذ نبذة منه وإلقاء الباقي، وإن المجتمع البشري لو انصاع إلى جميع بنود منهجه وتعليماته ووصاياه لسعد كل السعادة.
أما إذا استفاد من جزئه، فإنه سيستفيد - في واقع الأمر- من جزئه الذي به عمل.
فصحيح أن المجتمع الذي يترك بعض الوصايا ويعمل بالبعض الآخر لن تتحقق له السعادة المطلقة، ولكنه في الوقت ذاته سوف لن يشقى الشقاء المطلق.
فلو فرضنا أن مجتمعاً ما قد التزم بفريضة الإحسان إلى الوالدين ولم يلتزم بالوصايا الدينية الأخرى، فإنه سيستفيد بمقدار ما التزم. ولو أن أمة عملت بالمبادئ الإسلامية في مجال الاقتصاد، كتحريم الربا والغش والسرقة والكسل، فإنها ستكون أمة سعيدة من الناحية الاقتصادية، أوَلا ترى الشعوب الغربية كيف حققت لنفسها نمواً اقتصادياً مذهلاً حينما عملت بوصايا الإسلام في هذا المجال، رغم أنها قد لا تعلم بالجهة المشرّعة التي تلتزم بتعاليمها، ورغم أنها لا تؤدي التعاليم الإسلامية الأخرى، كالصلاة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...
إن الحديث هذا ليس إلاّ تمهيداً لما أريد قوله في مناسبة ولادة الإمام الحجة المنتظر ـ عجل الله فرجه الشريف ـ.
فالإيمان بوجود هذا الإمام العظيم والاهتمام الجدي بعقيدة انتظار ظهوره، يعدان من أهم وصايا الأنبياء لأممهم على مرّ التأريخ، حيث لم يبعث الله نبياً إلاّ وبيّن لـه ان خاتمة هذه الدنيا ستكون الى خير وسعادة وأن العاقبة للمتقين، وأن الأرض سيورثها الله عباده الصالحين، حيث سيمكّن الله المستضعفين في نهاية المطاف.
ولقد آمن جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة والصالحين بحقيقة ظهور الإمام الحجة المنتظر ـ عليه السلام ـ في آخر الزمان، وبحقيقة ان الله سيملأ به الأرض عدلاً وسعادة بعد أن ملأها الظالمون وأتباعهم جوراً وبؤساً. كما ان الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا وحبيبنا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد بشروا بذلك الظهور الموعود طيلة حياتهم، كما كان الأئمة من أهل البيت ـ عليهم السلام ـ يبشرون به أيضاً.
ولو أننا افترضنا التزام البشرية بهذه العقيدة -عقيدة انتظار ظهور الإمام المهدي ـ عليه السلام- بغضّ النظر عن إيمانها أو التزامها بسائر العقائد والوصايا الإلهية الأخرى، فإن لنا الجزم بأن هـذه الأمـة ستحقق الفائدة الكبرى من اهتمامها بهذه الوصية المقدسة.
• البشرية بين اليأس والأمل
تطالع البشرية أخبار الارهاب و الدمار العالمي والحروب والمؤامرات السياسية وانتهاك الحقوق، وتفاجأ بأخبار مروّعة في كل صباح ومساء.. تؤدي إلى انكماشها على نفسها، وإلى يأسها من الحياة والحركة، حتى أنها - في هذا الجو المفعم بالتطيّر والتشاؤم- ستتمنى الموت قبل أن يحلّ بها، لأن القلب البشري المجبـول على التقلـب والتحول يعجز عن الصمود بوجه موجات الرعب المشار إليها.
ولكن البشرية نفسها إذا طالعهـا قول الله سبحانه وتعالــى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ( (الانبياء/105) فحدثت نفسها وآمنت به على ان الله لن ينهي العالم إلاّ الى الخير والسعادة والصلاح، وأن هذه السفينة التي تعصف بها الأعاصير وتتقاذفها الأمواج العاتية سوف تعود الى المرفأ الآمن، وأنه من المتوقع بين لحظة وأخرى حدوث المعجزة الإلهية الكبرى، حتى ولو كان ذلك سيتحقق للأجيال القادمة فهي -البشرية- ستعيش حياة الأمل وواقع النشاط والحيوية، والإصرار على تحدي اليأس والخضوع دون شك.
إذن؛ فالدعوة الإسلامية ينبغي أن تتوجه الى جميع الناس، بمن فيهم المسيحيون واليهود والكفار وعبدة الأوثان، وأن تصطبغ هذه الدعوة بصبغة التبشير بحقيقة أن الله ـ عز وجل ـ لم يخلق الخلق من الناس ليعذبهم أو ينهي وجودهم على الأرض وهم تعساء. ولم يرض عن الظلمة والمترفين الذين يعيثون في الأرض الفساد. وذلك لأن الرب هو قائد العالم والمسيطر على مقدّراته، فهو الرحمن الذي لا حدود لرحمته، وقد أبت هذه الرحمة والإرادة الإلهية أن يكون مصير الأرض بيد الظالمين، مهما أفسدوا.
• الأمل الصادق
لقد بشرنا القرآن وأحاديث الرسول وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وبشرتنا ضرورات العقل بأنه سيأتي ذلك اليوم الذي سيظهر فيه الإمام المهدي عليه السلام حاملاً راية القرآن والرسول، وأنه سيستجيب لندائه العالم أجمع، وذلك بعد يأس الأمم والشعوب من تجاربها الفاشلة على مر التأريخ، وبعد أن وصلت إلى نقطة الصفر، فلا تجد في الإمام الظاهر إلاّ الأمل الإلهي ، وإلاّ المنقذ الأوحد الذي حفظ الله الأرض من أجله ومن أجل يومه الموعود ذاك.
فجدير بنا نحن الذين نسعى الى نشر رسالة القرآن، ألا نتوقع تسليم الناس لهذه الرسالة عبر تعليمهم صلاة الليل مثلاً ثم نعدهم ونبين لهم فكرة ظهور المنقذ، بل العكس هو الصحيح. إذ لابد أن نبين للعالم بادئ بدء حقيقة البشرى القرآنية الخاصة بظهور مصداق العدل والخير والرفاهية والسلام، وأن هذه البشرى تعد صميم المذهب الشيعي، وهي تمثل الذروة في خط وسيرة أمير المؤمنين الإمام علي وولديه الإمامين الحسـن والحسين عليهما السلام وسائر أئمة الخير والهدى عليهم صلوات الله وسلامه. وبهذا يكتشف العالم طريق الحق. ويلمس الناس بعقولهم وقلوبهم أحقية العقيدة الإسلامية التي تدفع بهم نحو الأمل والحياة.
إن التبشير بهذا الأمل، يختلف اختلافاً جذرياً عن سائر أنواع التبشير الذي شهدته البشرية على مرّ التأريخ، فتلك الأنواع لم تكن سوى وعود كاذبة اختلقها هذا الإنسان أو ذاك لتحقيق مصالحه الشخصية، أو لتمرير ظلم الظالمين وبقائهم في عروشهم التي يعلمون أنها خاوية وزائلة في يوم من الأيام.
ولكن هذه البشرى بظهور الإمام الحجة بن الحسن عليهما السلام لا تنفصل عن الواقع أبداً. فهي قد صدرت عن خالق البشرية والأنبياء والأئمة من جهة، وهي أيضاً ترجمة صادقة للحاجة الإنسانية والتاريخية من جهة أخرى.
• قـُتِلَ الخرّاصون
لقد ابتلي المؤمنون بخاصة، والمسلمون بعامة بأنصاف المثقفين الذين يصبون كل جهودهم للتدخل فيما لا علم لهم به، وللتجاوز على قدّسية العلم والاختصاص، وذلك لزعزعة موقع الإيمان والإسلام في القلوب، سواء علموا بتأثير ما يخرّصون أم لم يعلموا.
فكم من صحيفة وكتاب وإذاعة وبوق إعلامي يحرض الناس على الشك بالعقيدة واليأس من التغيير والتغيّر، جاهلين بأن الشك واليأس والتشكيك والتأييس ليس إلاّ شكلاً رهيباً من أشكال الشرك والنفاق.
ولو راجعنا كتاب الله - وهو عين الحق - لوجدنا ان المستهزئين بالمؤمنين والعقيدة سوف يلقون أشد العذاب وأقسى التنكيل في يوم القيامة؛ بل إن عذابهم سيكون أشد من عذاب الكافرين، لأن الكافر قد يكفر ولا يهمه من آمن، ولكن المستهزئ من طبيعته الكفر والكيد والأذى. ولقد ورد في الأحاديث الشريفة أن جزاء المستهزئ بحقائق القرآن وعقائد المؤمنين سيكون جهنم خالداً فيها أبداً، حيث يلقى فيها من مكان سحيق، ولكنه يرى في الطرف الآخر الذي قد يبعد عنه مسيرة ألف سنة بصيصاً من نور الجنة، فتراه يعمل المستحيل للوصول إليه، مارّاً بلهب النار العملاقة وما تحويه من ناس وأجنة ووحوش وعنت وعذاب، حتى إذا وصل إليه إنطفأ دونه، وإذا بباب الجنة يغلق بوجهه، ولكنه يرى مرة أخرى بصيص نور وباباً آخر فيهرع إليهما لعلّه ينقذ نفسه أو يجد من العذاب مهرباً، فيلقى المصير نفسه، وهكذا يظل في جهنم خالداً..
أقـول: سمعنا وتسمعون أكاذيب وافـتـراءات من يستهــزئ - وبأعصاب باردة لها ما يبررها من مصالح ودوافع، كالجهل والطمع والكفر- من الحركات الإسلامية والثقافة الدينية والمقدسات، فلا يكون موقفنا منهم إلاّ التوجيه لهم أو الابتعاد عنهم والاستعاذة بالله القدير منهم فيما لو لم يثمر التوجيه أو ينفع النصح، لأنهم ليسوا إلاّ موجودات جهنّمية يحرقون كل من يقترب أو يركن إليهم. فالحذر كل الحذر منهم، ذلك أنهم آمنوا ثم كفروا وأنهم لن يضروا المؤمنين الصادقين شيئاً.
إن الجدير بالإنسان المؤمن البحث عن ثقافة الأمل وإثارة الطموح والجد والاجتهاد، وهذا ما يجده في القرآن وكلمات النبي وأهل بيته ـ عليهم السلام ـ.
فإن كان البحث فيما يخص وجود وظهور الإمام الحجة عليه السلام، فليعلم الإنسان المؤمن ان الله قد عاب في كتابه على من يكفر بالعقيدة الإسلامية سيرته هذه فقال: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه(..؟ بمعنى أن الرسول وإن مات جسداً، ولكنه حيٌّ يرزق بين أظهر المسلمين، وذلك عبر خليفته ووصيه الذي هو القرآن الناطق، وهو الأمان لأهل الأرض، وهو الأمل التاريخي للبشرية جمعاء، وهو الإمام الحجة بن الحسن المهدي عليه السلام. ومن هنا ينبغي الاعتصام به والتسليم إليه وتوطيد العلاقة الإيجابية، لأن في ذلك فقط ضمان طرد اليأس من القلب والسير في طريق التقدم والازدهار.
• الانتظار الواعي ومسؤولياتنا في العراق
إن ذكرى ميلاد الإمام المنتظر ـ سلام الله عليه ـ، هي ذكرى البشرى كل البشرى للعالمين جميعا، وهي نور الأمل المتوهج في قلوب المؤمنين، والذي لايخبو برغم تظاهر قوى الشر عليهم.
أوليس هذا نور الله الذي يريد أئمة الكفر وأشياع الضلالة إطفاءه بأفواههم، ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره؟
وأنتم ياأبناء العراق.. يامن لازلتم تستضيئون بهذا النور الأبهج، وأنتم في نفق طغيان الظلم وتراكم جبروت القمع، وانتم يامن تمسكتم بأهداب الدين برغم المقابر الجماعية، وبرغم مؤامرات الكفر والنفاق ضدكم، حتى أذهب الله عنكم الطغيان، أنتم اليوم مدعوون أن تزدادوا تمسكا بإيمانكم بالوعد الموعود ويقينكم بأن الحق ينتصر عاجلا أم آجلا.. إنكم اليوم في فتنة جديدة، ولابد أن تتمسكوا بمصباح الأمل حتى تتجاوزوها بإذن الله تعالى. إن إبليس لم يمت، ولايزال يغيّر أساليبه الماكرة في سبيل إغواء البشر، وقد قال سبحانه عنه: "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ... " الاعراف، 17
وقد حشد كل قواه اليوم في سبيل منع إقامة حكومة الحق في العراق. فمن جهة يتوسل أشياعه اليوم بالإرهاب لزعزعة الإستقرار. ومن جهة يشيع شياطينه أفكارا متطرفة ضد سيادة الدين ويتهمون أنصاره بما هم أولى به ، ومن وسائل الشيطان اليوم تفريق كلمة المؤمنين وتمزيق صفوفهم، بأن يعدوا بعضهم ببعض المكاسب العابرة ويغروهم ضد البعض الآخر.
وأنى كان فإن أبناء الأمة يتحملون مسؤولياتهم الداعية إلى النهوض بالعراق حتى يصبح مركز راية الحق، ومحور حركة العدل، ويشترك في هذه النهضة كل أبناء العراق وكل الطبقات، والوصايا التالية ستكون إن شاء الله تعالى معالم على طريق هذه النهضة:
• العلماء مؤسسة حضارية
والعلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه هم حجج الإمام المنتظر (عليه السلام) علينا، والإمام حجة الله، وعندما يتصدون لمسؤولياتهم الشرعية فسوف تنشأ حولهم مؤسسة حضارية متطورة، لأنهم بروح السماحة التي لابد أن يتميزوا بها، يصبحون محور إجتماع طاقات الامة، فدعوتهم خالصة للإصلاح مابين الناس ثم التعاون على البر والتقوى والمسارعة إلى الخيرات والصبر والاستقامة.
وبالتشاور مع حكماء الأمة وبالتلاحم مع الكادحين من أبنائها وبالتواصل مع سائر العلماء، يشكلون تلك المؤسسة التي تهدف تفعيل دور الناس في إعمار بلدهم وفي المشاركة الفعالة في سياساتها، وفي منع قوى الشر من العودة إلى سدة الحكم، فتعود البلاد إلى نفق الإستبداد المظلم.
إن قضاء حاجة المحرومين، والمطالبة بحق المستضعفين، ومنع تجاوز المترفين على الحق العام، ومراقبة دوائر الدولة لكي لايتفشى فيها الفساد، ومراقبة أجواء المجتمع لكي تبقى طاهرة بعيدة عن الفواحش ماظهر منها وما بطن، وبكلمة: الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي من أبرز مسؤوليات هذه المؤسسة الحضارية، والجوامع هي مركزها الأمثل ذلك لأن المساجد هي محاور تعاون المسلمين، ومراكز توعيتهم وتعليمهم وتزكية نفوسهم من الغل والعصبية، وركائز قوتهم في مواجهة التحديات. وإمام جماعة المسلمين هو الرائد الذي يقودهم إلى كل خير وفضيلة بإذن الله.
إن وجود المؤسسات الأمنية في البلاد لايغني عن دور الجماهير المؤمنة في إستتباب الأمن وفرض النظام العادل، ومواجهة الأعداء. ولذلك فإن هذه المؤسسة الحضارية تشارك الصالحين من قوى الأمن في نشر الإستقرار وإقامة العدل وتحدي قوى الشر. وعلى علماء المساجد أن يتساموا إلى مستوى التحديات، فيزدادوا بإذن الله وعيا وفقها، ويطوروا أساليب الدعوة إلى الله، ومناهج إدارة عباد الله.
لقد أمر الله سبحانه الأمة بإتباع العلماء حين قال سبحانه: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون". وجعل الله مجاري الأمور بيد العلماء كما بين ذلك الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ في رسالته الرائعة إلى علماء الإسلام إذ قال: "إن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حرامه وحلاله.."
وقد شرط الله تعالى على العلماء بإزاء سيادتهم بإذن الله تعالى على الأمة، شرط عليهم شروطا أربعة فقال: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانييون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً، ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون.. "
ونستفيد من الآية الكريمة مايجب أن تتوافر في العلماء من صفات:
أولا: أن يكونوا حفظة لكتاب الله، فلا يحكموا الناس إلاّ به. ثانيا: أن يكونوا شهداء على كتاب الله ساهرين على تطبيقه بالأمر به والنهي عن تركه والقيام عليه بما إستطاعوا من قوة. ثالثا: أن لايخشوا أحدا في بيان حكم الله والشهادة على تطبيقه، فلا يخضعوا للجبابرة إن أرادوا مخالفة الكتاب. رابعا: ألاّ يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، فلا يخضعوا لإغراءات الدنيا ولا لزينة المترفين فيها.
وهكذا أصبح علماء الإسلام عبر التاريخ منارا للأمة فإذا بهم يعبرون عن ضميرها، ويدافعون عن مصالحها، ويقفون أبدا معها في البأساء والضراء. وتبادلت الأمة معهم ذات المشاعر النبيلة فتفاعلت معهم وأسلمت قيادها لهم.
• الأمراء أمناء الأمة
أما أمراء البلاد، والمسؤولون الكبار، والإداريون والموظفون فإنهم أمناء على مصالح الأمة، وعليهم أن ينهضوا بها عبر تواصل العمل، والإستمرار في الكدح حتى تخرج الأمة من محنتها وتصل إلى شاطئ الأمان بإذن الله تعالى.
إن العراق اليوم في امتحان عسير وعلى كل واحد منا ان يبذل قصارى جهده في سبيل النهوض به ليسمو إلى أسمى درجات التقدم.. وعلى المؤمنين الصالحين في دوائر الدولة أن يسهروا على تطبيق الأنظمة الصالحة، ومنع انتشار الفساد في الدوائر، ومنع انتشار الفوضى في المجتمع.
وليعلم كل موظف في الدوائر أن خيانة الأمة أكبر خيانة، وإن تقدم البلاد رهين إصلاحكم ومثابرتكم والله الموفق.
• الجامعات ورائدو الحضارة السامية
إن أمام الجامعات في العراق - أساتذة وطلابا - فرصة حضارية نادرة، لأنهم قادرون اليوم على المسارعة في حقول المعرفة ليُحلِّقوا بالبلاد إلى أوج الحضارة البشرية التي تنامت وتيرة عجلة التقدم فيها إلى أقصى حد. إننا ـ أيها الأخوة ـ لازلنا ننتمي إلى الدول النامية التي تخلفت بفعل الجائرين عن ركب المدنية، ولن نستطيع أن نتقدم من دون طفرة حضارية واسعة، وأنتم روّاد تلك الطفرة إن شاء الله تعالى. فلايكفي أن نكون ضيوفا على موائد المعرفة البشرية ومستهلكين للإنتاج العلمي في العالم، والى متى؟
إن علينا أن نسهم وبفعالية في تطوير العلم البشري، أولم يكن العراق مهدا للحضارات التليدة؟
إن العلم أسمى من أن يصبح مجرد وسيلة للكسب المادي، بل هو سبب للتكامل المعنوي، ولخدمة الناس، وللتسامي بالبلاد إلى حيث القدرة والرفاهية والعزة.
• الكادحون وسيلة التقدم وهدفه
الكادحون من فلاحين وعمال، هم وسيلة تقدم البلاد، الذين إذا أخلصوا لله عملهم، وبالغوا في العطاء، وسعوا من أجل زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتقدموا بالبلاد إلى حيث الأمن الغذائي ومن ثم الإكتفاء الذاتي في المواد المستهلكة كافة، فإنهم يومئذ يكونون بإذن الله المستفيدين حقا من هذا التقدم، فهم أداة التقدم وهدفه في ذات الوقت.
إن بلدا كالعراق ضربه إعصار الطغيان، لن يعود إلى طبيعته ولن يبلغ مكانته بين الدول من دون جهاد عظيم في البناء والإعمار، والذي يشترك فيه كل أبنائه الغيارى لاسيما الكادحين منهم كالفلاحين والعمال.
وبالرغم من ان استقرار البلد وأمنه، وقيام حكومة صالحة فيه، وتخطيط شامل ينهض به.. كل تلك عوامل مساعدة لمثل ذلك الجهاد الكبير، إلاّ أن عزيمة الشعب واستعداده للتضحية والعطاء يشكل العامل الأساس الذي لو توافر فإن سائر العوامل يصبح تكميلياً، وإن لم يتوافر يذهب سائر العوامل سدى.
• حصون الأمة المنيعة
والمؤسسات الأمنية كالجيش والشرطة وغيرهما هي الحصون المنيعة لهذا البلد التي يجب أن تحمي مصالحه وتدرأ عنه الأخطار من أي مصدر جاءت.
إن أهم واجب لهذه المؤسسات اليوم هي أن تكسب ثقة أبناء الأمة، وحتى يعرف الجميع أنها منهم وإليهم، وأنها ليست كما في السابق أداة قمع وإرهاب، بل حماة حرية الناس وكرامتهم ومصالحهم.
إن بناء عراق الغد لن يكون عبر مؤسسات قمعية، بل عبر عقد إجتماعي وتراضٍ وطني وتوافق مستمر بين سائر القوى الفاعلة في العراق، حيث تكون المؤسسات الأمنية في خدمة القانون والوطن وموضع إحترام وتقدير كل مواطن نبيل.
• المرأة نبع الكرامة وتلاد الشموخ
والمرأة المسلمة التي تحملت أعظم المسؤوليات، وأكثر المآسي في عهد الديكتاتور،ولاتزال تنظر بعين الترقّب الحذر إلى مستقبل البلاد، إنها اليوم - واكثر من أي يوم مضى - مسؤولة عن واجب الإصلاح، سواءٌ عبر بناء جيل شامخ طموح يستمد قيمه من الإسلام الحنيف، ويتطلع إلى أفق التقدم ويحمي إستقلال البلاد وكرامة الأمة، أو في تعضيد الرجال في مهامهم الكبيرة وتسديدهم للمضي قدما في سبيل إصلاح البلاد.
أيتها الأخت المؤمنة.. أنتِ اليوم وكما في الماضي نبع الكرامة الذي لاينضب، وتلاد الشموخ الذي لاينتهي، فعليك أن تكوني رقيبة على دور الرجال لكي يظلوا صامدين في وجه التحديات، ولا يختاروا على الحق والكرامة والاستقلال والحرية شيئا. كوني عضيدة زوجك في مهامه المعاشية والدينية، ومدرسة أبنائك لتنمية مواهبهم وزرع قيم الحب والحرية والكرامة فيهم.
اسهمي في إدارة البلاد بالتوكل على الله والإعتماد عليه وعلى ماوهب الله لك من قدرات، وشاركي في السياسة بكل وعيك، وكوني داعية مسارعة إلى الخير طالبة للإصلاح آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر.
كوني للظالم خصما وللمظلوم عونا، ولاتنسي إن قدوتك هي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ وإن إسوتك هي عقيلة الهاشميين زينب الكبرى ـ عليها السلام ـ.
• انتظار الفرج والجاهزية القصوى
ونحن ننتظر الفَرَج ونقوم بأفضل أعمال الأمة المرحومة حيث جاء في حديث مأثور عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفَرَج" بلى نحن ننتظر الفرج، ونزداد إيمانا بنصر الله المحتوم لعباده الصالحين حين يقول: "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ماكانوا يحذرون" إننا إذ نفعل ذلك بإذن الله، ينبغي أن نكون في حالة الجاهزية القصوى والتي تتمثل فيما يلي:
أولا: تعبئة إيمانية دائمة للاستعداد أبدا للتضحية في سبيل الله بالنفس والمال. ثانيا: النشاط الدائب في سبيل الله والاستباق إلى الخيرات. ثالثا: الاستعداد للدفاع عن النفس وعن قيم الكرامة والحرية والاستقلال بكل وسيلة ممكنة. رابعا: بناء وحدة الأمة عبر التلاحم مع سائر المؤمنين في مؤسسات ذات أهداف سامية، وسواءٌ كانت تجمعات عشائرية وأسرية، أو تنظيمات سياسية، أو هيئات خيرية، أو روابط طلابية، أو نقابات مهنية، أو هيئات حسينية، او تجمعات تبليغية، أو شركات اقتصادية أو غيرها، فإنها جميعا تعد مصداقا لقوله سبحانه: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
وإن هذا البنيان المرصوص هو الحصن الذي يحمي مجتمعنا من الإنهيار أمام التحديات السياسية او الثقافية او الاقتصادية.
خامسا: على شعبنا اليوم أن يكمل مسيرة الانتظار الفاعل بالاستعداد للمشاركة السياسية الجدية. وعليهم أن يختاروا لأنفسهم وللأجيال القادمة، أفضل العناصر حسب معايير حكيمة، وليعلموا أن الله سبحانه يعلم مايفعلون ويحاسبهم على مايقررون، فلا يتبعوا الهوى ولا يتركوا الحق لمصالح شخصية او حمية جاهلية.
وعلى القوى السياسية والدينية أن يوحّدوا جهودهم وأن يكون تنافسهم نبيلا ويتجنّبوا كل ما من شأنه زرع الفتنة والشقاق بين أبناء الشعب.
|
|