عبادة الله .. تأملات في المفهوم
|
*حازم السلمان
ربما من المتوقع أن تتداعى صور المتهجدين حين تطرق الكلمة الآذان، بيد أن مطالعة قصة أبليس تشير إلى معان قد تكون مغفولا عنها. لقد كان ابليس يعبد الله، ولكنه كان يستهدف من هذه العبادة اثبات شخصيته لا الخضوع والتسليم لله، فكان يطمح لنفسه وذاته ولم يكن يريد الله.. فالخضوع لانسان ووجوبه هو أمر إلهي، والا لما جاز لنا ان نقدس الحجر الاسود. ففرق هذه الحجارة عن كل احجار الارض ليس في ذاتها وانما في أمر الله بتقديسها.
ومن هـذا المبـدأ تنطلق الولايـة، فالـولاية تعني الامامة والقيادة الاسلامية، والخضوع لما أمر اللـه هو محور جميع الاحكام الشرعية .
فلأن آدم كان خليفة الله في الارض فقد أمر الله الملائكة بالخضوع له، ذلك لأن نور الولاية كان عند آدم (ع)، فقد اقتضت المشيئة الالهية ان ينبعث من صلبه الانبياء والاوصياء والمرسلون، ولذلك فقد أمرت الملائكة جميعا بالسجود لآدم.
وبناء على ذلك فان الولاية هي امتحان للانسان ولقدرته على طاعة ربه في جميع الأمور ومن ضمنها طاعة القائد كما ابتلى الرب بني اسرائيل بطاعة طالوت.
ونحن عندما نتبع ائمة الهدى (ع) ونخلص لهم ونجعلهم وسيلة بيننا وبيـن الله تبـارك وتعالى، فانـما نفعـل ذلك لان الله قـد أمـرنا بذلك قائلا: "وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ".. نعم ان باب اللـه مفتوح للسائلين، ولكنه يأمرنا ان نأتيه من ابوابه فيقول تعالى: "وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن أَبْوَابِهِا".
ان اللـه موجود في كل مكان ولكنه يأمرك ان تذهب الى الكعبة او الى عرفات في حين انه لا يوجد أي اختلاف بين البيت الذي تسكنه عن الكعبة او جبـل عـرفات مـن ناحيـة العنصر، ولكن فضيلة تلك الاماكن تكمن في ان الله سبحانه أمرنا بالتوجه اليها، وفضيلتي كانسان هـي الخضوع للأوامر الالهية، فمن خلال هذا الخضوع يتمحص الايمان، أي ان تجميع الناس في ذلك البر القفر البعيد الذي يصعب الوصول اليه بين الاحجار والصخور انما هو لاختبار ارادة الانسان والتحقق من ايمانه .
وعلى هذا فان القضية الاساسية التي يجب ان نلتفت اليها هي اننا عندما نذكر الله سبحانه وتعالى صباحاً ومساءً ونسبحه ونقدسه، انما من اجل ألا نقدس شيئا آخر غير الله سبحانه وتعالى، ومن خلال استقراء قصة ابليس وآدم نستفيد ما يلي :
1- اننا نعيش اليوم نفس الحياة ؛ فالانسان هو الانسان، وسنن الله تعالى باقية لم تتغير، فنحن ايضا قد نستكبر عن طاعة من أمرنا الله بطاعتهم .
2- أن الأساس الذي تقوم عليه علاقات المجتمعات والشعوب لا ينبغي أن يكون مادياً كالمال والقوة.
ان هذه الاعتبارات وغيرها هي بحد ذاتها علاقات عنصرية ينبغي محاربتها والقضاء عليها، فمثل هذه العلاقات الشاذة هي التي تهدم اساس التوحيد في المجتمعات الاسلاميـة، فابليس انما اصبح لعيناً وطرد من الجنة لانه تكبر وقدّس عنصره.. وهذه الحالات النفسية الشاذة هي التي تؤدي بالانسان الى السقوط، فلابد ان يكون الدين لله كما يقول تعالى: "أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ" كما يجب ان يكون لنا ايضا وبشكل لاتشوبه شائبة، ولنعلم اننا لو اشركنا به ولو بمقدار ذرة فان اعمــالنا جميعها ستحبط كما يشير الى ذلك: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ".
وعلى هذا الاسـاس فان العلاقات في اوساط الامة الاسلامية ينبغـي ان تقـوم على اساس ايماني توحيدي لا على اي اساس آخر، فالاعتبارات المادية كلها مداخل للشيطان في قلوبنا، فليس من حقنا ان نفتخر باللون او اللغة او الارض او التجمع الذي ننتمي اليه.
من جانب آخر فان الله عندما أنـزل شرائعه لبني آدم وأوجب عليهم ما اوجب من الفرائض والسنن، وحينما أمرهم ونهاهم ؛ فان ذلك كان على أسس من الحكم الربانية.. والقرآن الكريـم لم يـذكر حكما شرعيا، او فريضة الهية الا وشفعهما ببيان الحكمة والقيمة اللتين ينطويان عليهما، فعندما جاء الامر باقامة الصلاة بيّن القرآن حكمة الصلاة فقال تعالى: "إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَـى عَـنِ الْفَحْشَـآءِ وَالْمُنكَـر"، وفي آية اخرى: "وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي". وعندما أمر عز وجل بالطهارة والتطهر استعدادا للصلاة فانه قد اوضح الحكمة من ذلك قائلا: "يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ .." الى ان يقول: "يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"، فالهدف الاسمى من عملية التطهر سواء كان وضوءاً او غسلا او تيمما هو ذات التطهر.. واذا تحدث القرآن عن الزكاة بيـن الحكمة من ورائها ذاكرا انها تطهيرٌ للذات وتزكية للنفس: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُـمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا".
وهكذا الحال بالنسبة الى الحثّ القرآني على الجهاد بمختلف انواعه، فربما تكون الحكمة منه التمحيص ورفع درجة الانسان المؤمن، او بلوغ احدى الحسنيين، او اقامة العدل وتحرير الشعـوب من سلطان الكفر والجور وما الى ذلك من الحكم والاهداف العديدة.
وعلى ذلك فان التسليم لله تعالى يعد القيمة الاساسية في الاسلام، فكل الاحكام تنتهي عند هذه القيمة والحقيقة الايمانية الكبرى؛ فالاحكام والشرائع والفرائض الالهية وكل ما يتعلق بالطاعة تهدف كلها الى خلق روح التسليم لله عند الانسان المؤمن. فالتسليم هو روح العبادة، والى ذلك يشير قوله تعالى عن لسان ابراهيم (ع): "وَجَّهْتُ وَجْهِـيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، لذا فالانسان الذي يجـد في نفسه روح المعارضة والرفـض امام اللـه تعالى واحكامه واوليائه فهو ليس بمسلم.
والله سبحانه وتعالى لايحتاج الى القسم عندما يعكس ويطرح الحقائق في كتابه المجيد، ولكننا نجده رغم ذلك ولعظم وخطر بعض المفاهيم والقيم يطرحها بعـد القسم بنفسه المقدسة كما هو الحال في حقيقـة التسليم التي نحن بصددها فهو عز وجل يقول: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنـُونَ حَتـَّى يُحَكِّمُوكَ فِيـمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِـدُوا فِـي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً"، وهذا هو التسليم المطلق، إلا ان حالة الكِبر الكامنة في نفوس كثير منا تحول دون تحقيق ذلك التسليم.. ويمكن ملاحظة آثار الكبر في سلوكنا، فهناك كثير ممن كانوا يقرأون القرآن على مر الزمان لكن ما ان سمع ذلك الاموي بترشيحه للخلافة حتى اطبق القرآن ووضعه جانباً مخاطبا إياه: (هذا فراق بيني وبينك)!
ان الولاية الحقّة هي التي يشهد لها القول والعمل، وهي التي تزيل الكبر من النفوس، وتطرد الوساوس الشيطانية منها، وتزكي القلب وتطهره وتفتحه لنور الايمان.
إذاً لنتمسك بحبل الولاية الذي هو حبل الله فأهل البيت (ع) وهم سفن النجاة، وتجسيد موالاتهم في اخلاقنا وسلوكنا واعمالنـا نجـاة لنا مـن النار والعـذاب، ففـي يوم القيامة لابد ان يسألنا الله جلت قدرته عن هذه الولاية والنعمة الكبرى التي ما بعدها من نعمة، كما يشير الى ذلك تعالى في قوله: "ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ".
|
|