قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الزمن في القانون
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة بقلــــــــــم: المحامي الشيخ عبد الهادي خمدن*
حتى لا يتحول التمهيد إلى تعقيد سنقتصر على المختصر المفيد فنقول أن الزمن ليس له وجود حقيقي وإنما وجود اعتباري منتزع - مستخلص - فلا توجد مادة اسمها الزمن وكذلك ليس هو بعرض ولا جوهر فالجوهر هو قائم بذاته والعرض هو الذي يعرض أو قل هو الذي يصيب الجوهر ومثال ذلك اللون وهو عرض يصيب جوهراً أي جسماً فيجعل له لوناً معيناً.
وعليه فالزمن هو مجرد مفهوم انتزاعي لا يوجد بصورة مستقلة وإنما يكون له وجود اعتباري حال كونه متلبسا بالأحداث والوقائع ولو فرضنا - مجرد افتراض- أن هناك شيئاً ما في مكان ما ليس فيه ليل ولا نهار ولا حركة ولا هواء ولا فلك يسير ولا موج يهدر ..فلن يكون هناك أيضا زمن.
والزمن يستخدم كجهاز أو كآلة افتراضية لقياس المدى بين حدثين فمثلا استخدمت الآلة الافتراضية المسماة بالزمن لقياس المدى الذي احتجت إليه منذ أن بدأت الدراسة الجامعية و حتى نلت الشهادة الجامعية، ولا يتوهم احد بان قياس المدى والزمن هما شيء واحد، فلو فرضنا أنه بسبب خلل في النظام الكوني أصبحت الأرض تدور أبطأ أو أسرع من سرعتها الحالية حول الشمس فسوف يكون اليوم طويلا أو قصيرا عن ما هو موجود حاليا ورغم ذلك سيبقى الزمن كما هو (24) ساعة بالمعدلات الحالية.. اذاً لا وجود حقيقي و مستقل للزمن مجردا عن الأحداث و الوقائع فانه إذا فات لا يعود و لا يمكن تداركه لان الأحداث التي وقعت لا تعود حتى يمكن تداركها من جهة فيما الزمن لا يوجد الا متلبسا بها و لا يمكن فصله عنها.
لذلك فإن القانون: حينما يتعرض للزمن -كثيراً ما يحدث ذلك- فانه يفترض فيه أن يحرص على تحديده بدقة، ففي مجال التعاقدات أو الالتزامات يتم تحديد يوم وساعة الأجل المضروب للتنفيذ أو لانتهاء مدة الاعتراض أو الخيار أو الفسخ، وبعض المؤسسات التجارية التي تتعامل مع الجمهور تذكر في عقودها انه يتوجب أن يتم الإجراء الفلاني خلال سبعة أيام عمل وذلك لتميزها عن الأيام العادية حيث أن سبعة الأيام العادية بها خمسة أيام عمل لان الجمعة والسبت أيام تعطيل بل وقد تحدث إجازات عامة مفاجئة أو أعياد مما يجعل الأجل يمتد إلى بعد انتهائها.
وهكذا نرى الترابط بين الوقائع والظرف الزمني الذي تقع فيه والقوانين التي تحكم تلك الوقائع من حيث وقوعها في زمن معين. فمثلا:
- تسليم المؤجر العين المؤجرة للمستأجر بعد انتهاء مدة الإيجار لا يجزيه عن المسؤولية طالما لم يسلمها في بداية مدة الإيجار.
- وكذلك تسليم المنصب بعد انتهاء مدة الولاية القانونية فلو أعيد إلى الرئاسة بعد انقضاء مدة ولايته يكون ذلك عملاً غير دستوري.
- تسليم مبلغ الإيجار بعد المدة المنصوص عليها لتحقق الشرط الفاسخ الصريح فبمجرد فوات ميعاد التسليم يتحقق الشرط الفاسخ وتكون يد المستأجر من دون سند قانوني ويتوجب طرده من العقار المؤجر ما لم يخرج طواعية ولا يغير من هذا الوضع لو دفع الإيجار بعد ذلك.
- ضبط المتهم بعد انتهاء التفويض القانوني لمأمور الضبط القضائي او خارج الزمن المحدد له فانه يجعل إجراء القبض باطلا.
ومن ناحية الفقه الشرعي: نجد قوله تعالى: "سلام هي حتى مطلع الفجر" والآية المباركة الاخرى "ثم أتموا الصيام إلى الليل" و"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"، فنلاحظ أن من الناحيتين الشرعية والقانونية ان للأفعال أحكاماً تتعلق بالظرف الزمني الذي تقع فيه ومع التحليل نجد في الأمثلة المذكورة أن لكل فعل هناك مطلبان اثنان أحدهما الفعل والمطلوب الثاني هو الزمن الملابس له، أي يجب أن يحدث الفعل كما يجب أن يكون في الزمن المحدد والمخصص له لكي يحدث أثره الشرعي أو القانوني.
ولكن يحدث أن تأتي كلمة تدل على زمن غير منضبط، فهنا يتم البحث عن اقرب المعاني المحتملة وذلك في مثل الظرف المشدد لبعض الجنايات والجنح كالسرقة التي تقع ليلاً.. فيثير التساؤل عن المقصود بالليل هل هو من الغروب إلى الشروق أو إلى الفجر أو هو من ساعات الليل المتأخرة حين تهدأ الأصوات وتنام الأعين، فلا يشمل ساعات الليل الأولى التي تتصف بالحركة والنشاط، وقد حسم التشريع الجزائي في البحرين فعدّ الليل من الغروب إلى الشروق.. ولقد أثير تساؤل آخر وهو هل نعد السرقة قد حدثت في زمن يعد ظرفا مشددا لو بدأت ليلا وتمت نهارا أو بدأت نهارا وتمت ليلا.. فذهب بعضهم إلى القول انه إذا بدأ الشروع في السرقة ليلا وتمت نهارا فإنها تحتسب ظرفا مشددا والعكس صحيح ولكننا لا نوافقه على رأيه ونؤسس لرأينا المعارض بأن السرقة لا تعد جريمة تامة إلا بعد أن يخرج السارق بما سرقه من حيازة مالكه وقبل ذلك لا تكون إلا شروعا في جريمة سرقة وعليه فلو بدأ السارق في جريمة السرقة ليلا فهذا معناه أن الذي حدث ليلا هو مجرد شروع وأما الذي تم نهارا فهو السرقة التامة وعليه فالصحيح برأينا أن ما يبدأ ليلا ويتم نهارا يكون بغير ظرف زمني مشدد والعكس صحيح خلافا لما ذهب إليه بعض فقهاء القانون، ويعزز رأينا انه متى ما أحاطت بالنص الشكوك والغموض يؤخذ بأخف التفاسير وأكثرها رفقا بالمتهم.
وكذلك ما يتعلق بتعريف الليل في حالة عدم وجود تفسير أو تحديد له فالأصح حينها عندما يتعلق الأمر بالقانون الجزائي أن نلحظ الحكمة من تشديد العقوبة ليلا ونأخذ في اعتبارنا المصلحة التي أراد القانون حمايتها بتشديد العقوبة فلا إشكال في أن الحكمة التي شددت العقوبة من اجلها هي أن الليل للهدوء والسكينة والأمن والراحة يضاف إلى ذلك أن في هجعة آخر الليل يصعب الحصول على المغيث عند الاستغاثة وهذا لا يوجد في حين الغروب ولا الوقت القريب منه بل يتحقق في الوقت المتأخر من الليل حين يأوي كل أو جل الناس إلى النوم، وعليه فانه يتعين أن نفسر الليل في القانون الجزائي من وقت هجوع الناس للنوم إلى انبلاج ضوء الشمس ويترخص قاضي الموضوع في تحديد لحظة بدء الليل بالوصف المذكور واضعا في اعتباره اختلاف البيئات والمجتمعات والزمان والمكان فيقرر ذلك بلا رقابة عليه من محكمة التمييز، إذ أن المسألة مسألة واقع لا مسألة قانون ولكن يجب أن يكون ما يتوصل إليه سائغاً بمعنى أن المعطيات تؤدي بطبيعتها إلى هذه النتيجة.
مما مضى يتضح أن علاقة الزمان بالقانون علاقة وثيقة لا انفصام لها، وان هذه العلاقة تحتاج للمزيد من الدراسات المتعمقة، ويستحسن في كل قاعدة قانونية ذات علاقة بالزمن ان يتم تحديد نطاقها الزمني بدقة بالغة وبعبارات واضحة لا تحتمل أكثر من معنى.
*كاتب من البحرين