قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
محاضرة يلقيها سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله - بمكتبه في كربلاء المقدسة
شكر المخلوق وشكر الخالق طريق التقدم
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة اعوذ بالله من الشيطان الرجيم،
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول سبحانه وتعالى: "تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً" صدق الله العلي العظيم.
كان الله منذ الأزل ولم يكن معه شيء، تقع عليه قدرته وتهيمن عليه فاعليته، وإنما خلق الأشياء بأسمائه الحسنى وبرحمته الواسعة..
العلاقة الأولى والمستمرة بين الخالق الذي حاشاه ان يتغير وبين المخلوق الذي طبيعته التحول والصيرورة هي علاقة الرحمة، ولم تزل ولا تزال مستمرة وقد تجلت رحمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ بأسمائه الحسنى، هذه الأسماء التي امرنا ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ أن ندعوه بها ليستجيب لنا، وهي الأنوار المقدسة التي كانت مع اول مخلوقات الرحمة وهي العلم والوجود، فكل أسمائه الحسنى هي مخلوقات لإرادته العليا.
* لاتهجروا القرآن:
إخوتي الكرام...يقول ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ يقول: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ". فالظالم هنا هو الذي هجر القرآن "يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً" وأي سبيل غير القرآن وهو سبيل الرسول؟.. "يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً" المقصود بفلان هنا: هو الذي أضل الناس عن رسول الله – ص - وعن عترة رسول الله (ع). "لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ" والذكر هنا رسول الله وأهل بيته (ع)، وهم القرآن الناطق فيما القرآن هو الذكر الصامت، "بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً".
هذه الافكار والثقافات غير القرآنية التي تسير في غير طريق أهل البيت ـ ع ـ، في الواقع لا تنفع الإنسان، ولا تنصره، ولا تعينه، في مقاومة شهوات الدنيا وأخطارها كأفراد، ومجتمعات ودول.
* خطاب القرآن اجتماعي :
كيف تنعكس أسماء الله الحسنى فينا كأفراد ومجتمع وأمة؟ قبل أن أبين ذلك لابد أن اقف قليلا وأتدبر في عدد من الآيات الكريمة في سورة الفرقان ثم أُؤكد حقيقة، هي أن هدف القرآن ليس فرداً أو أمة، وإنما شيء ثالث، ذلك أننا إذا قلنا أن الهدف الاساس والمخاطب الرئيس لآيات القرآن الكريم هو الفرد كفرد سنصطدم بطبيعة خطاب القرآن الكريم، وهي ليست فردية، فالخطاب القرآني ياتي بلغة الجمع.. (متقين) (مؤمنين) (كفار) (مشركين) (منافقين)، وهكذا وإذا قلنا الحديث في القرآن عن الامة كأمة نجد الحديث عن الأمة في القرآن قليلاً.. إذن القرآن يريد أن يصنع المجتمع، وهو الحلقة الوسطى بين الفرد وبين الامة، لأن الفرد، البشر، الإنسان يولد ضمن حلقة اجتماعية، فالإنسان لا ينبت من الارض نباتاً، انما يولد من ابوين وينمو ويترعرع في أسرة وفي مجتمع لذا لايمكن ان نفصل الفرد عن الأمة، فإذا صلح المجتمع صلح الفرد وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع وصلحت الأمة أي الدولة. وفي سورة الأنعام يقول ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ في هذه الآية "وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً" هذه الآية لعلها هي المنبع والينبوع للقول الشائع "كيفما تكونوا يولّ عليكم" إذن خطاب المجتمع مركزي ورئيس في القرآن المجيد لكن المجتمع بدوره لن يتحقق إلا من اجتماع أفراد وإن لم تكن هناك مسؤولية فردية فمعنى ذلك أن الخطاب الجمعي سيذهب سدى ولذلك تجد أن سورة الاسراء حينما تحدثنا عن المجتمع في بداية السورة تحدثنا عن قصة الاسراء والمعراج عن بني إسرائيل ويقول "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" ويتحدث عن الأمم كأمم وعن التاريخ كمجتمعات، ثم يوجه الحديث إلى الفرد ويقول "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً" إذا هنا الحديث انطلق من المجتمع ولكن لم يتوقف عند المجتمع وحده وإنما سار باتجاه الفرد، فخطاب القرآن قد يأتي إلى الفرد يقول "أيها ألإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه"، وهذا الخطاب إلى الإنسان لا لكي يبقى الفرد فرداً وإنما لأن هذا الفرد يتحول إلى مجتمع وليتحسس كل إنسان بمسؤوليته، والخطاب اللطيف البليغ الجامع المانع هو خطاب نبينا وسيدنا رسول الله محمد (ص) "كلكم راع وكل راعٍ مسؤول عن رعيته". الحديث يأتي جمعاً وينتهي إلى الفرد، أيضاً الجمع يجب أن يصلح يعني ابتداء من تحمل الفرد لمسؤوليته.
*تجلي الأسماء الإلهية:
من هذه البصيرة القرآنية، إذا عرفنا الله بأسمائه، مثلاً الرحمة والرحمانية فاذا تعمقنا في رحمته التي وسعت كل شيء، وعرفنا ان ربنا لم يخلقنا ليعذبنا وإنما خلقنا ليرحمنا، كل هذه الحقائق، كيف ينبغي أن تنعكس علينا كأفراد ومن ثم كمجتمعات بالخطوات الآتية:
1ـ تنعكس الرحمة الإلهية في ضمير الفرد حينما يعرف انه لم يكن شيئاً مذكوراً.. انظروا في المجهر إلى الخلية الاولى لحياة الانسان وهي الحويمن.. فهو (ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب)، كيف خلق الله هذا الإنسان من هذا الأصل ثم جعله في قرار مكين، ثم رباه وخلقه طوراً بعد طور خلقاً بعد خلق، ثم أخرجه طفلاً رضيعا ًوحنن عليه العواطف، ووجه إليه عواطف الحواضن، حتى نماه شيئاً فشيئاً والآن أصبح رجلاً فإذا هو خصيم مبين، ثم يقول مفتخرا(أنا أنا)، في حين الانسان يموت ثم يعود إلى التراب، إذاً مجرد أن تنعكس على روحنا الرحمة الإلهية تنبعث من ضميرنا حالة الشكر.
2ـ لقد تلخصت الحكمة في قوله تعالى: "ولقد آتينا لقمان الحكمة" فالالف واللام التي في (الحكمة) إما تدل على الإطلاق أو تدل على العموم على اختلاف بين الأصوليين، ثم تأتي كلمة (أن) وهي هنا حسب اللغة (تفسيرية) يعني ان الحكمة تلخصت في (أن أشكرلله) أي أن الحكمة كلها تتمثل في كلمة واحدة وهي كلمة الشكر لماذا؟ لأن الإنسان إذا عرف أن الله خلقه وأن ماعنده من الله تصبح عنده مجموعة من المفردات.
المفردة الأولى: معرفة الانسان لا شيء امام الله الخالق البارئ المصور، وحينما يستطيع الإنسان كبح جماح الأنا في نفسه سيخرج من زنزانة نفسه، وينطلق في رحاب الحقيقة، وفي رحاب ما وراء الحجب والاغلال وجاء في الحديث الشريف إن (أقرب ما يكون العبد إلى ربه في حالة السجود)، والسبب هو انه يضع أعز موقع له على أخفض موقع، يعني يضع جبهته في موضع قدمه، أي يتذلل ويخترق حجاب الأنا، وحجاب الذات فالذي لا يخترق حجاب الذات يبقى في زنزانة نفسه للأبد، لا يمكن أن يغير شيئاً وهذا هو (شح النفس)، شح النفس في الفكر، وفي المال، وفي الجاه، فمثل هذا الشحيح يمنع زكاة المال فلا ينفقه ويمنع زكاة الجاه فلا يبذله، يمنع كل زكاة كل ما ينبغي له أن يفعل.
المفردة الثانية: الطموح، حيث إن الشكر يخرجنا من إطار الذات وقدراتها المحدودة إلى رحاب الحقيقة، ثم أن نعتقد أن الله الذي أعطانا هذه النعم لا نستطيع أن نحصيها بل لا نستطيع أن نحصي واحدة منها، الله القادر أن يصنع من النطفة الصغيرة هذا الإنسان المتكامل وهو قادر على أن يعطيه المزيد والمزيد من هذه الرحمة فتتطلع نفس الإنسان الى اعالي الهمم ولا يرضى بالقليل.. وذات مرة سأل المسلمون رجلاً شيئاً فطلب لقاء الإجابة ليدلهم على الطريق، عدداً من الإبل، فجاؤوا إلى رسول الله (ص) وقالوا: يارسول الله، ذلك الرجل طلب هذا المقدار من الإبل حتى يدلنا على الطريق، فأجابهم رسول الله: هذا الإنسان ضعيف.. هلا سأل كما سألت عجوز بني إسرائيل قالوا: يارسول الله وما قصة عجوز بني إسرائيل، قال إن الله سبحانه وتعالى أمر موسى ابن عمران حينما أراد أن يترك مصر الى كنعان بأن يحمل معه رفات يوسف الصديق (سلام الله عليه)، فكلما سأل موسى بن عمران قومه من بني إسرائيل: أين قبر يوسف؟ أشاروا عليه بسؤال أمرأة عجوز، فلما سألها موسى (ع) قالت: أعرف ذلك ولكن لا أقول إلا في مقابل شيء، فقال لها (ع) ماذا؟ قالت أريد من الله ان يجعلني رفيقتك في الجنة، فهلا سأل ذلك الرجل مثلما سألت.
أخواني نحن عندما نرفع أيدينا الى الله يجب أن نعرف من ندعو.. انه رب الرحمة يخلق الكون بلحظة، يعطي ولا تزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً، نطلب من الله شيئاً كثيراً هذه من معاني الشكر..
المفردة الثالثة: بين انعدام الذاتية والتوجه الى الله ـ سبحانه وتعالى ـ تصبح عند الإنسان فاعلية، أي ألا يترك الإنسان في حياته لحظة إلا ويستغلها بالذكر والاعتبار.. أنت تنظر في الشارع، خلال مشيك وتنظر إلى الناس، هذه النظرات اذا كانت تحمل العبرة فان لك ثواباً عند الله ـ سبحانه وتعالى ـ، ونحن نحتاج إلى كل لحظة في حياتنا للاعتبار، وللاسف هناك كلمة شائعة بين الشباب هي (قتل الوقت)، فهل الوقت عدوك حتى تريد قتله؟!، الوقت نافع ايها الاخوة، اذا لم يكن لنا فلاصحاب القبور حيث يتمنى الإنسان أن يعود الى الدنيا بكل مشاكلها حتى يستغل ربع ساعة يقول فيها (لا إله ألا الله والحمد لله) ثم يعود، وفي يوم القيامة يقال هناك "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره"، لا يفوتني هنا القول: إن الإنسان حين يقف يوم الحساب لن يقف وحده عند الميزان فثمة ملايين الملايين من العيون تنتظر وتراقب مصير وعاقبة هذا الإنسان الواقف وعاقبته بين كفتي الميزان إما ترجح الحسنات وإما (والعياذ بالله) ترجح السيئات عنده، والكل في ذهول وحالة حيرة ماذا سيصنع به؟ هل يرتفع إلى الجنة أو يُلقي به في نار جهنم خالداً فيها، فذاك اليوم نعرف معنى الفقر، فآخر الفقر هو الميزان وهناك "من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" فكم قيمة مثقال الذرة؟! ولكن ربما مثقال واحد يحدد مصير البشر مصير الإنسان يوم القيامة.
هذه هي المفردات الثلاث الأساسية في انعكاس آيات الرحمة في قلب الإنسان، وفي ضمير الفرد، لذلك تجد الأمة الإسلامية حينما نزل القرآن بعد بعثة الرسول (ص) تحولت من امة يسودها الباطل والعبث الى امة فيها افراد يصفهم الامام علي ـ عليه السلام ـ بقوله: (رهبان الليل وفرسان النهار)، لاينام البعض منهم ليلاً ولا نهاراً كلهم في فاعلية وفي عطاء، هكذا يصنع الإسلام الصالحين ونحن لازلنا نجد من علمائنا الكرام أولئك الذين تجلت فيهم هذه الاسماء الحسنى فوصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولا ينبغي ان اترك هنا ذكر الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (رحمة الله ورضوانه وبركاته عليه) كيف أنه أستطاع في حياته القصيرة ان يقدم خدماته الكبيرة للإسلام والمسلمين وذلك لتجلي الشكر الإلهي، والرحمة في نفسه وتحول ذلك الشكر إلى سلوك وعمل كان يستغل لحظات حياته لحظة بلحظة.
*التعارف والاعتراف:
حينما تجلت في الأمة الإسلامية هذه الرحمة الالهية في وجود المسلمين على صورة الشكر الذي يعني الفاعلية والطموح والأمل بالله ـ سبحانه وتعالى ـ والخروج عن الذات حين اصبح الامر كذلك، تتحرك الامة كأفراد ولكن الآن نحن عندنا مشكلة اخرى وهي أن المجتمع سيتعرض للتمزق إذا صار مجموعة من افراد متناقضين متحاربين غير متآلفين، ولكن بشكر الله يكون المجتمع فيه صورة اخرى، وهي اعتراف كل بالآخر وتعاونه معه وتسليمه لحقوقه، وهكذا يتجلى الشكر في المجتمع، لذلك المجتمع الإسلامي في بعض الفترات، كان يحتوي على آلاف المجتمعات الصغيرة، فقد كانت نصف المعمورة مسكونة من قبل المسلمين وهم في واقع الامر مجتمعات متناقضة في لغاتها وثقافاتها، وافكارها ومصالحها، فهم متناقضون ولكن يعيشون متحابين كيف؟ ذلك ان كل مجتمع كان يعترف بالآخر، لان الآخر هو ايضاً مخلوق الله تعالى، الله خلقه ولهم حقوقهم وعليهم الواجبات.
هذه المقولة، مقولة ان يعترف الناس ببعضهم كما قال ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ: "يا أيها الناس انّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" يعني ان الاختلاف والتنوع والتعددية جزء من سنة الله في خلقه لايستطيع إنسان الاعتراض بان لماذا جعلنا الله شعوباً وقبائل؟ هل نتقاتل؟ إلهي لماذا جعلتنا شعوباً وقبائل؟ حتى نتعارك، ام لتأخذنا العصبية ضد بعضنا، او حتى نتنابز بالالقاب ونعير اهل المنطقة الفلانية؟ الاجابة بالنفي فالقرآن الكريم يؤكد "لتعارفوا" أي ليعرف بعضكم بعضاً.
كلمة المعرفة ياإخواني لاتدل على مجرد معرفة الاسم، انما يعني الاعتراف لذلك نقول ـ مثلاً ـ في الدعاء (من زار الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ عارفاً بحقه)، أو (من مات ولم يعرف إمام زمانه..) أذاً دعوة التعارف هي التعرف بعضنا على البعض الآخر.. وحينما نعترف ببعضنا يبدأ التعاون، كما اوصانا الله "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
ايها الاخوة.. ان من وساوس الشيطان ان يجلس الإنسان ويلقي بمسؤولية مشاكله ومشاكل أمته على الغرب او الشرق أو يلقيها على الزمان فيكفر بالزمان أو يلقيها على الحكومات، وعلى الاستعمار بينما الحقيقة: "إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" إذاًَ نحن مسؤولون، اين الخطأ فينا؟ أتصور المشكلة إننا لانعترف ببعضنا "ياايها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيراً منهن"، إذن هذه السخرية هذه العصبية هذه الغيبة هذه التهمة هي المشكلة، (بعض الناس يتصورون ان الغيبة والتهمة ان الواحد وينال من الآخر، هذه غيبة ولكن ليست بالشائعة، والغيبة الشائعة ان الأمة تتحول الى كتل اجتماعية) هذه الكتلة تستحل غيبة تلك الكتلة وتلك الكتلة تستحل غيبة هذه الكتلة، وهذا داء ومرض اليهود في التاريخ وقعوا فيه، حينما يواجهون العدو ويتحدون وحينما لا يواجهون العدو يقتل بعضهم بعضاً ويستحل حرماتهم هناك حديث لا أعرف مدى صحته ولكنه مشهور، يقول الحديث: (من كفّر مسلماً فقد كفر)، هذا كفر هذا ليس شكراً، نحن نقول نحن مسلمون الف مليون بشر نحن كذا وكذا ولكن حين العمل كلنا ضد بعضنا، هذا ليس شكراً هذا كفر، كفر بنعمة الله سبحانه وتعالى، تعالوا ياإخواني لان نقترب الى بعضنا، ان نعترف ببعضنا وهذا الإنسان خلقه الله له مصالحه له حقوقه له واجباته والله خلقه هكذا.
• حكمة التنوع:
نحن بحاجة الى تاجر، كما بحاجة الى عالم، ومهندس، وطبيب.. هذا التنوع جزء من فلسفة الوجود وجزء من حكمة الله البالغة، لكن تعالوا نستفد من هذا التنوع في قدرتنا على التحرك، فلو لم يكن هذا التنوع لم نكن نقدر ان نعيش، لابد ان يكون هناك تنوع واختلاف في الرؤية "اختلاف السنتكم وألوانكم" تفسيرين لهذه الكلمة: يعني اختلاف عقولكم، لان اللسان ترجمان العقل، اختلاف الثاني يعني اختلاف عواطفكم.. والله خلق الناس مختلفين في العواطف وفي العقول، ووزع عليهم عقولهم، كما وزع على الناس معاشهم، كل واحد له ميزة خاصة به، كما وزع على الناس آراءهم واهتماماتهم، فكل جماعة لها طريقة في الحياة والعيش، فتعالوا نعترف ببعضنا كل واحد يعترف بالآخر في حدود حركته في حدود عمله، وهذا هو سر تقدم المجتمع، فالمجتمع الذي نعترف ببعضه هو الذي يتقدم، بتكتلاته وليس بأشخاصه، لأن المجتمع يتكون من مجموعة تكتلات، نحن، أنتم، هم، دعونا كلنا نكن موجودين، ولكن كلنا عند الحدود نتحرك ونتنافس بحرية ولكن التنافس بحرية على الطيبات وعلى مكارم الأخلاق اي فيما يوصل الى الجنة وفيما ينتهي الى الجنة وفي ذلك "فليتنافس المتنافسون" و"فاستبقوا الخيرات إينما تكونوا يأتِ بكم الله جميعاً".
وبقدر هذه الفاعلية التي هي انعكاس للشكر على نفس الإنسان تكون هنا في المجتمع أيضاً فاعلية اخرى انعكاساً للشكر على الحياة الاجتماعية، وهكذا يكون (الفرقان) كما قال ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ في بداية هذه السورة الكريمة التي هي سورة الفرقان: "تبارك الذي نزل الفرقان" يعني إن الله بركة، والبركة تعني نمواً مطرد في العطاء غير محدود، "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده"، لكي تنمو هذه الأمة وينمو المجتمع ويتبارك، وذلك من الذي له ملك السماوات والأرض أنزل القرآن ونزل الكتاب ليتبارك الناس ولينمو وليصلوا إلى اهدافهم وطموحاتهم.. هذه هي ان الجدلية بين المجتمع وبين السياسة (إذا كان المجتمع فاعلاً وجدياً ومتحاباً فستكون السياسة الحاكمة على هذا المجتمع سياسة رشيدة فاضلة.)