سفن النجاة في الدنيا قبل الآخرة
|
*طاهر القزويني
عندما نقول بأن الأئمة المعصومين –سلام الله عليهم- هم سفن النجاة، فلا نعني بذلك أنهم الوسيلة لعالم الآخرة فقط، بل هم سفنٌ للنجاة في عالم الدنيا أيضاً، وذلك أن الانسان في عالم الدنيا تضربه أمواج الفتن، وكثيراً ما يتعرض لزعزعة الايمان بسبب ألوان الإبتلاءات والمحن والصعاب التي تهز كيانه وتزلزل عقيدته، وهو في هذه الحالة بحاجة إلى الإنقاذ والمساعدة، وبحاجة إلى من ينتشله من حالة الضياع، بل إلى من يمنعه من السقوط والإنحدار إلى عالم المجهول، وهنا تصل سفينة النجاة لإنقاذ هذا الإنسان.
والسؤال هنا.. إذا كان الأئمة الطاهرون - سلام الله عليهم - هم سفن النجاة في الدنيا والآخرة.. فلماذا نعيش حالات الضعف والفقر والعجز وألوان التخلف؟
المشكلة ليست في السفينة وإنما فينا نحن لاننا لم نلتحق بها، ومثلنا اليوم كمثل ابن نوح الذي أخبره أبوه بما سيجري على العالم من الطوفان الذي سيجرف كل شيء، لكنه لم يعتصم بالولاية، وانما اعتصم بالجبل لكن لم ولن يكون عاصماً من أمر الله غير الولاية، فغرق كما غرق الباقون، ونحن أيضاً سنغرق من دون الولاية كما غرق اسلافنا الذين اعتصموا بالدنيا والمال والمنصب.
الاعتصام بالامامة ليس أن تقول أنا شيعي أو تطلق على نفسك بالهوية هذا الاسم، فالتشيع الحقيقي هو الانتماء قولاً وعملاً لمدرسة أهل البيت -سلام الله عليهم-، والأخذ بسنتهم واتباع سيرتهم، وكان الشيعي في عهد الأئمة الأطهار هو الذي يشار إليه بالبنان وذلك أنه كان القدوة للمسلمين في كل ما هوحسن، فكان مضرب الأمثال في الأعمال الصالحة، فهل نحن أيضاً على هدى أولئك؟ فهؤلاء ركبوا سفينة الولاية وقد وصلوا عبر هذه السفينة إلى قمم شامخة لم يصلها أحد، ونحن مثلهم نقول بأننا نركب سفينة الولاية، فلماذا لاتوصلنا هذه السفينة إلى الساحل؟ لماذا لاترفعنا إلى الأعالي والمكرمات؟ لماذا نعيش الذل والضعف والهوان؟ لماذا الفقر والجهل والتخلف؟ هل هذه هي نتيجة الركوب في سفينة الولاية؟
حاشى للأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أن ترسو سفينتهم على مثل هذا الشاطئ، وحاشاهم أن يقودوا أمتهم إلى مثل هذا المصير، فالمشكلة ليست في السفينة وإنما المشكلة فيمن يدّعي إنه يركبها، وفي الذي يزعم أنه سائر على نهج الولاية وهو ليس كذلك.. يقول أنه شيعي وصفاته مغايرة لصفات المؤمن الحقيقي.. هو يزعم انه موالٍ لكنه يبيع ولاءه بالمال والمنصب وعلى استعداد للكذب والدجل والتزوير.
ان التشيع هو نهج حضاري متقدم، ومسلك رفيع لنيل المكرمات الدنيوية والأخروية، والمجتمع الشيعي يجب أن يقدم المثال الأبرز للأمة الحضارية المتقدمة، في العلاقات الاجتماعية والتقدم الاقتصادي واحترام حقوق الإنسان وكرامته، ثم ان الشيعة اليوم – وفي العراق تحديداً- تقدموا خطوات عما كانوا يعيشونه في ظل الطغيان والظلم والتخلف، غير إن هذه تُعد خطوات أولى للسير في درب التقدم والازدهار، فمازال كثير من اتباع أهل البيت –عليهم السلام- في بلدان إسلامية يعيشون التمييز الطائفي والاضطهاد والحرمان او على الاقل التهميش.
ان العالم كله يغرق في بحر من الظلمات، في بحر من الظلم والاضطهاد والحروب والدماء، ولكي ننقذ أنفسنا نعود ونقول بأنه لابد من أن نركب سفن النجاة فهي التي ستنقذنا من ضياع العالم وظلماته، ورُبّ سائل يسأل ويقول ما هي حاجتنا لسفن النجاة؟
وللاجابة نقول: لو كنا في وضع حسن لما احتجنا إلى الصعود إلى أية سفينة ولو كان العالم يقدم لنا إنموذجاً كاملاً، أو مركباً يصلح للحياة لإتخذنا منه سبيلاً ومركباً لانقاذ أنفسنا من الضياع الذي نعيشه، ولكن العالم لم يقدم لنا إلا أنموذجاً دموياً مازال كل يوم يضرب في العراق ويقتل المئات من أبنائه!
فاذا تخلفنا عن سفينة أهل البيت - عليهم السلام - سنغرق بلاشك كما غرق الذين سبقونا، وها هو العالم يتهاوى نحو الانحطاط والفساد والانهيار، وما من بلد في هذا العالم إلا ويتحكم فيه نوع من الظلم، مرة يكون اقتصادياً ومرة سياسياً وحتى اجتماعياً.
|
|