قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

العبودية لله والولاء لأهل بيت الرسول ـ ع ـ
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *طاهر القزويني
كل الناس عبيد الله لكن ليس جميعهم عباداً صالحين فمن يشعر بالعبودية وبقيمة أن يكون عبداً صالحاً لله فهو في الواقع يحظى بمنزلة رفيعة ودرجة عالية يغبطه عليها الآخرون ذلك أنهم لايعرفون قيمة الأمر الذي هم فيه ولايدركون المعنى الحقيقي للعبودية، فلو تفحصنا وبحثنا في سيرة الخالدين والعظماء لوجدنا أن أعلى قمة وصلوا إليها هي عندما إعترفوا بكونهم عبيداً لله.
لنقرأ شيئاً من تاريخ هؤلاء في القرآن الكريم، وكان بينهم النبي عيسى -عليه السلام- هذا الرجل العظيم الذي كان يفعل ما هو مستحيل عند الناس، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأصم والأعمى وغير ذلك كثير.. فكانت تلك الأعمال تبهر العيون وتأسر القلوب، وكان عيسى -عليه السلام- في ذلك الحين يفتح المساحات في قلوب الناس، حتى يرشدهم إلى كتاب الله ورسالته، غير أنهم لم يتحملوا كل هذه القدرة التي كانت لدى نبيهم، وقالوا: إنه ليس من صنف البشر من يحيي الموتى، وأن هذه القدرة هي قدرة إلهية مختصة بالباري عزوجل، فمن يمتلك مثل هذه القوة، لديه قوة إلهية أو هو الله –والعياذ بالله- وهكذا ذهب الإعتقاد بالناس إلى الشرك بالله تعالى وبالقول بان عيسى -عليه السلام- هو الله أو إبن الله، ذلك لأنه يحوز على قدرات غير طبيعية وغير بشرية.
والسؤال الذي قد يتبادر الى الاذهان لماذا لم يدعُ عيسى -عليه السلام- الناس لنفسه؟ ولماذا لم يقل: (أنا ربكم الأعلى)؟! كما قال فرعون وغيره، وكانت لديه من الإمكانات والقدرات ما تفوق كل إمكانات وقدرات البشرية، فمن يملك القدرة على إحياء البشر هو في الواقع يملك أعلى قوة وطاقة في العالم، وأنه يستطيع أن يمتلك كل شيء بفضل هذه الطاقة التي لديه.
يقول أحد الحكماء: أن كل الناس يضمرون في قلوبهم ما أعلن عنه فرعون عندما قال: (أنا ربكم الأعلى) بمعنى: أن كل إنسان يرغب التعالي والإستكبار والطغيان مثلما حدث بالنسبة إلى طغاة الزمان، ولو توافرت الإمكانات والقدرات التي حصل عليها أمثال فرعون قديماً وهتلر وصدام حديثاً لاشخاص عاديين لفعلوا مثلما فعل أولئك الطغاة، من الإستكبار على الناس والبغي عليهم.
إن نبي الله عيسى –عليه السلام- لم يقل (أنا ربكم الأعلى) لأنه كان يعد منزلة العبودية أرفع منزلة ومقاماً مما يدعيه الاخرون، ونقرأ في القرآن الكريم في سورة مريم "فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا".. ثم ان عيسى -عليه السلام- كان يتباهى بقول العبودية، كسائر الأنبياء من قبله -عليهم أفضل الصلاة والسلام- فقد كانوا يكررون على مسامع أتباعهم أنهم عبادالله الذين إنتجبهم وخصهم بالرسالة.
لكن تبقى المعرفة والعجز عن إدراكها هي الأزمة الكبرى التي عاشتها الإنسانية منذ ولادة آدم -عليه السلام- وحتى يومنا الحاضر، فالناس لايعرفون كيفية التصرف إزاء الحقائق، فمنهم من يبالغون بعظمتها لجهلهم، ومنهم من يقللون من شأنها وأيضاً بسبب جهلهم، والقليل هم الذين على جادة الصواب الذين أستوعبوا الحقيقة عن وعي كامل.
ولو قرأت تفاصيل حياة الأنبياء -عليهم السلام- لوجدت أن الله سبحانه وتعالى إبتلى أنصارهم ومواليهم في معرفتهم حتى لتجد أن من أنصار الأنبياء من رفعوهم إلى منزلة الربوبية ومنهم من حقّر شأنهم وقدرهم ولم يعطهم حقهم من المنزلة الرفيعة بين البشر كما حصل عند بني اسرائيل وقصتهم المعروفة مع نبي الله موسى وأخيه هارون –عليهما السلام-.
ولم تستثن أمة الإسلام مما يشابه مثل هذا الإبتلاء غير أنه لم يقع على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بل شاءت الإرادة أن تكون فتنة المسلمين في وصي رسول الله وأخيه ووزيره علي بن أبي طالب -عليه السلام- حيث أختلف عليه المسلمون فمنهم من غالا به ورفعه إلى مقام الربوبية، ومنهم من قلل من شأنه ومنزلته، ومنهم من وضعه موضعه وسار على نهج رسول الله في تبيان منزلته، وجاء في القرآن الكريم "عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ".. فالسؤال والإختلاف ليس على يوم الجزاء، فالجميع يعرف بأن القيامة ستحل وأن يوم الجزاء واقع، ولكن الإختلاف هو حول علي بن أبيطالب -عليه السلام- وهو أعظم الإختلاف.. ألا ترى أن الناس يقتلون ويذبحون على حبه بعد عشرات القرون من شهادته؟ ولم نسمع حتى الآن أن الناس تقاتلوا أو تصارعوا على الإختلاف حول يوم القيامة، إلا إن اعداء الإمام علي -عليه السلام- مازالوا يرتكبون أعظم المجازر حتى وصلت التفاهة بالبعض منهم إلى أن يحمل صوراً ويطلب من الذين يعتقلونهم أن يبصقوا في الصورة، فمن فعل يطلق سراحه، وإن لم يفعل قتل!
إن الذي يتضح من ذلك ومن كل صور التاريخ التي نقرأها من القرون الماضية أن حب الإمام علي بن أبي طالب -سلام الله عليه- وبغضه هي القضية الرئيسة للمسلمين على مرالعصور والأيام، لكن بعد كل هذه السنين مازال الناس منقسمين تجاه هذه الحقيقة، فما زال هناك من يدّعي الإسلام وهو يضمر نقيضه، وما زال هناك من يعادي الإمام علياً ـ عليه السلام ـ ويقتل مواليه ومحبيه، وما زال هناك من إتخذ الطريق الأوسط بين الإفراط والتفريط، مع ذلك لم يستنكف الإمام علي -عليه السلام- يوماً من القول بأنه عبد من عبيد الله، كما لم ينف جميع الأنبياء والمرسلين كونهم عبيداً أرسلهم الله سبحانه وتعالى لتبليغ رسالاته.