قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
سورتا (الفيل) و(قريش)..
تحقيق الامن الامن الغذائي والامن النفسي
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *كريم الموسوي
تتميز سورتا الفيل وقريش عن بقية سور القرآن الكريم لأنهما مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً، ارتباط البرهان بالنتيجة، حتى أن المصلّي كما روي عن أهل البيت -عليهم السلام- يستطيع في صلاته أن يقرأهما معاً بعد سورة الفاتحة، فكأنهما سورة واحدة، ولأن سور القرآن مترابطة مع بعضها البعض في الترتيب ولكل واحدة علاقة بالتي قبلها والتي بعدها، فقد جاءت سورة قريش بعد الفيل، والترابط بينهما نراه أوضح من أي سورة أخرى.
فمن الحقائق الثابتة والشائعة هي قصة أصحاب الفيل وما جرى عليهم من العذاب الإعجازي، فقد انتشرت هذه الحادثة بين الناس كافة حتى أنهم أرّخوا بها أحداثهم وسمي ذلك العام بعام الفيل، ولم ينكرها أحد من الناس حتى من لم يرها رأي العين، فـ (ألم تر) رؤية معرفية لا بصرية، لأن الرسول –ص- كان قد ولد في ذلك العام ولم ير الحادثة رأي العين، بل رآها مسلّمة بين الناس.. " كيف فعل ربك بأصحاب الفيل".. الذين جاءوا لهدم بيت الله الحرام، هذه هي المسلّمة التي شاهدها الناس، والله تعالى هو الذي فعل بهم ما فعل وليس الناس، "ألم يجعل كيدهم في تضليل" فإن الله عز وجل هو الذي منعهم من هدم البيت الحرام، ولبيان أن ذلك الفعل ليس من أفعال البشر إنما جاء من السماء كعذاب قوم لوط، فإنه تعالى الذي صدّهم "وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجّيل"، عذاباً إلهياً من السماء وبمخلوقات ضعيفة، وبحجارة من طين كالذي يمشون عليه، وكما خلقهم الله من طين.. هنا تتجلّى ثلاث حقائق:
1/ ان أسلوب الردع كان أسلوباً إلهياً قد أنزله ربنا عز وجل على قوم لوط من قبل في قوله تعالى:"وجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيّل".
2/ أن المادة التي رماهم بها الله جلّ جلاله هي مادة الخلق الأساسية وهي الطين.. قال تعالى: "هو الذي خلقكم من طين"، فـ (حجارة من سجيّل)، أي من طين كما في سورة الذاريات "لنرسل عليهم حجارة من طين" وهي ذاتها التي عبّر عنها بالسجيل في موضع آخر.
3/ "فجعلهم كعصف مأكول"، فقد كانت عاقبتهم الفناء من جهة، وجعلهم في صورة متميزة لترسخ في الذهن تلك العاقبة ولا ينساها الناس.
في هذه الحادثة نلاحظ انسجاماً وتطابقاً فيما بين الحادثة وبين العقاب الذي ينزله الله ـ عز وجل ـ على الأقوام الذين كذّبوا الأنبياء وصدّوا عن سبيله، فمن هنا نستفيد العمق الذي أرادت سورة الفيل أن توصله للرسول –ص- ومن خلاله للبشر كافة إلى يوم القيامة في كلمة (أرأيت) في بدء السورة، فإن هذه السورة كأنها حديث شعيب لقوم مدين في جانب من جوانبه، بعد أن رأوا كيف فعل الله بقوم نوح وهود وصالح، حيث قال الله تعالى على لسانه: "و يا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد".
فسورة الفيل ليست مجرّد حادثة تاريخية بتراء، فقد ذكرها القرآن للاستدلال من خلالها بأحقية البيت الحرام منطلق الرسالة الإسلامية، وفي موعد ولادة نبينا الكريم –ص-، فتلك الألطاف التي رعى بها الله عزّ شأنه البيت الحرام وقريش لهي دليل صارخ على قدرة الله وحفظه للبيت الحرام، ليكون منطلق الرسالة المحمدية التي هي من سنخ جميع الرسالات الإلهية.
فقد حفظ الله تعالى بيته الحرام بعذابه الذي أنزله على أصحاب الفيل، وهو المكان المقدّس ومحور عبادة الله، وهنالك سبب آخر لنزول ذلك العذاب وهو "لإيلاف قريش" وهم الذين يستوطنون مكة المشرّفة، فبدفع أصحاب الفيل الذين جاءوا بكيدهم لهدم الكعبة قد حفظ لقريش ما كان الله تعالى قد أعطاهم إياه ووفقهم له، وهو الإيلاف والائتلاف الذي يعني الإيناس، فما هو ذلك الإيناس؟
يجيب ربنا عزّ وجل: "إِيلافهم رحلة الشتاء والصيف"، وفي هذه الألفة التي تلطّف الله تعالى بها على قريش وحفظها لهم لها سمتان وجانبان: الجانب المادّي المتمثّل في الرحلة التجارية التي كانت قريش قد اعتادت عليها بذهابها لليمن في فصل الشتاء، وللشام في فصل الصيف، فيأخذون أحسن ما في اليمن وأحسن ما في الشام ليبيعوه في موسم الحج وزيارة البيت الحرام، ليدر عليهم بالمال، وبذلك يتحقق الانتعاش المادّي. والجانب النفسي الذي نستفيده من وصف الرحلة بـ "رحلة الشتاء والصيف"، فهناك جانب نفسي في تلك الرحلة من خلال اختيار موسم الشتاء للذهاب إلى المناطق الدافئة وفي الصيف للمناطق الفاترة.
ففي هذه الآية إنباء عن أسباب الألطاف الإلهية من خلال التذكير بالواقع المعاشي على نحو الإجمال، إذن "فليعبدوا ربّ هذا البيت"، وهي الغاية من الخلق كما يقول تعالى: "وما خلقنا الإنس والجن إلا ليعبدون"، وللوصول إلى إقناع المخلوقين بالعبادة ذكّرهم ونسب البيت إليه تعالى، فلازالت الذاكرة غير خالية من قصة أصحاب الفيل وما جرى عليهم بسبب تعدّيهم على البيت الحرام.
ومن أهم الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الحضارة التي تطمح إلى تقدّم الإنسان، عاملان أساسان يمثلان قاعدة استقرار الإنسان ومنطلقه نحو الحضارة والتقدم وهما: الأمن الغذائي والأمن النفسي، وهذان الجانبان هما اللذان أحرجا كل حضارة (غير إلهية) تدّعي أن بيدها خلاص العالم، والقدرة على إخراجه من مشاكله، وها نحن نجد الحضارة الغربية التي تدّعي ذلك عاجزة على الإجابة عليهما، بل تأثيرها على النقيض من ذلك، فقد أسهمت في تباعد العوالم عن بعضها ليزداد الفقير فقراً، ويزداد الغني غنىً، وذلك من خلال سياسة البنك الدولي في إدارة الشؤون الاقتصادية الدولية، فالنتيجة ازدياد عدد الدول المهددة بالمجاعة، وكذا في الجانب النفسي، فرغم ادعاءات الأمم المتحدة بأنها تحفظ أمن العالم وتنقذه من الحروب، إلا أن الحروب تطحن الشعوب وهي على مرأى العالم ومسمعه، فلا تتدخل إلا حينما تقتضي المصلحة!
لكن في الاسلام فإن الناس يعبدون الله ـ عزّ وجل ـ لأنه هو "الذي أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف"، وحقق الأمن الغذائي، وضمن لكل مخلوق رزقه وغذاءه، وكذلك حقق الأمن النفسي وضمن لكل من يخاف الله عدم الخوف، (فمن خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء) كما جاء في الحديث الشريف.