سيول الكلام
|
قصة: علي حسين عبيد
دخل المكان بقدمين متعثرتين قلقتين، سار بين الاجساد الخشبية متحاشيا ارجلها المركونة على الارض من دون ان ينظر الى الوجوه المذعورة الفاغرة افواهها باتجاه الفراغ المضيء، جلس في زاوية قصيّة ودفن وجهه في اعماق سحيقة من الروح حيث الدهاليز التي تتقاطر فيها وجوه أليفة واخرى تمتص دماء الجسد حتى الى كتلة بلهاء خائرة، كان ثمة قلق مستفز يتحرك في رأسه ويهبط في شرايين دمه باحثا عن منفذ للتملص من المسالك المغلقة التي يعج بها جسده الذاوي، كانت اصابع كفه تقلب صفحات العمر الذي اوشك على الانتهاء من دون ان يفهم شيئا مما مرّ امام عينيه، وقبل ان ينتهي من شايه نهض بخطى مرتبكة متسارعة كما لو ان احدا يطارده، فاصطدم بطاولة صغيرة، وتهشم على اثرها بين اقدام الرواد وحدثت جلبة من الاصوات التي انصبت تساؤلاتها على الذوبان الذي حدث لجسد الرجل بهذه السرعة الخاطفة كيف انفرطت اجزاء هذا الكائن البشري مثل قطعة ثلج صغيرة؟ اين ذهبت روحه...؟ تساؤلات كثيرة شبت وخمدت في لحظة امتدت فيها الايدي وانتشلت الجسد الضئيل من فورة الذوبان الذي اجتاحه، خرج من المكان وهو يعاني من ورطة التلاشي والشعور القاسي بهزيمة نفسية لايعرف كيف حلّت به، وتوصل الى قرار قاطع بمنع نفسه من الدخول مرة اخرى في غياهب هذا المكان الذي يضج بالكواسر والوجوه الشرهة الجائعة المطعونة بالدماء، بيد انه بعد ايام قلائل وجد ساقيه تقودانه الى المكان ذاته فدخله بجسد واثق معتمد لم يرفع عينيه الى الجلساء وانزوى في ركن قصي بعيدا عن الآخرين ولم يفتح كتابه هذه المرة بل ترك رأسه هابطا باتجاه الارض متشاغلا باعقاب السجائر والأوراق المبعثرة على وجهها حتى شعر بألم في عظام رقبته فرفع رأسه الى السقف، ونفذ ببصره من فسحة الضوء التي تتوسطه تماما ومنها نفذ الى الفضاء وحلق عاليا بين اسراب الطيور التي تملكت السماء من دون عائق.
كانت العيون تحاصره وتمتد اليه بمخالب طويلة مقززة تلتف حول عنقه وتهبط به الى الارض التي احتضنته بعد ان خر ساقطا من اعالي الفضاء مرغما ليستمع الى كلمات الرجل الذي قاسمه مقعده من دون ان يستأذنه في ذلك:
ـ اعتقد انك لم تصب باذى حين سقطت بين المقاعد
ـ …………………………………………..
ـ وعودتك ثانية تدل على ذلك
ـ ……………………………………………
ـ وانك تثق بنفسك على ما يبدو
ـ …………………………………………...
ـ اذن عليك ان لاتنزوي خلف جدار الصمت
ـ نعم
ـ عليك ان تتكلم
ـ نعم انا ادرك ذلك
ترك المكان بهدوء خرج من دهاليز الصمت الغائرة في العمق والعيون ما تزال مبهورة تترصد حركاته واستقامة جسده.
بعد بضعة شهور صار واحدا من اهم رواد المكان، واصبح سيل الكلام ينبع من فمه دون ان يصده شيء، سيل جارف من الكلمات ترافقه نوبة عطاس حادة وسعال شديد متقطع واحمرار عيون دامعة، ضاع بين الجمع صار واحداً منهم لايختلف عنهم بشيء ليس ثمة صمت او غور باتجاه الروح، لم يعد بحاجة لذلك ولم ينتبه لشلالات الكلمات التي تنحدر وتسيح في متاهة وفوضى المكان لتكتسح من يقف في طريقها، لقد غادر صمته الى الابد ذلك الصمت الذي يتذكره الآن بحنين جارف، ذكرى بعيدة عصية على واقعه الجديد الذي بات قائما على صوته المحروق المتواصل ونوبات العطاس التي ترافق ذلك، الآن فقط يتذكر بألم شديد أنه بصمته وارتباكه وتلعثمه وانزوائه في اماكن قصية مهملة كان يحرك شيئا ما في الحاضرين أما الآن فبرغم اطلاقه لسيول الكلمات الهادرة لكن ليس ثمة من ينتبه اليه.
|
|