النيّة وصور الأعمال
|
*الشيخ محمد علي المحفوظ
تلعب النيات دوراً كبيراً في تأسيس صور الأعمال على صعيد الواقع؛ إلى درجة أن عدّها الإسلام أساس الأعمال، بل وجُعلت النية خيراً من العمل، وهو ما يؤكده الرسول الكريم (ص) في قوله: (إنما الأعمال بالنيات ولكل مرئ ما نوى) لأنها في الحقيقة تتأسس صورة أي عمل، بدءاً من داخل النفس ثم بعد ذلك يتشكل هذا العمل من خلال الأداء والسلوك.
ثم ان النية تمثل الخلفية الذهنية والخلفية الفكرية لأي عمل؛ كما تمثل الأرضية التي ينطلق منها أي عمل ... فإذا كانت الخلفية الذهنية سليمة، صادقة، صالحة تتشكل في صورة عمل صالح، وإذا كان العكس فإن العمل سيكون سيئاً في الصورة الخارجية.
بل إن النية هي خير من العمل؛ ولذلك تكون نية المرء خيراً من عمله ونية الفاجر أو الكافر شراً من عمله، لان الكافر لاينوي ذلك لله سبحانه وتعالى، والإنسان الذي ينوي في داخله لله عز وجل قد يعطي من النية ما لايعطي في العمل، لذا يعطي الله عز وجل على النية ما لايعطي على العمل، ومن التوجيهات العظيمة في شهر رمضان المبارك التي تحدث عنها الرسول الاكرم (ص): (فسألوا ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيام هذا الشهر وتلاوة كتابه)، فصفة الصيام والقيام والتلاوة في أن لا تكون مجرد أعمال روتينية ووظائفية يقوم بها الإنسان وانما تكون قضايا حيوية في حياة الإنسان .
لذلك ينبغي على المرء في كل شيء أن يحدد لنفسه النية حتى في الأكل والنوم كما يقول الرسول الاكرم (ص) لأبي ذر: (يا أبا ذر ليكن لكلٍ في كل شيء نية حتى في النوم والأكل).
هنا القضية ليست مجرد وظيفة وإنما هي الباب للدخول الى قضايا أخرى، لذا يتأسس من النيات باب الفكر وشحذ الهمة وتنمية هذا التفكير في داخل الإنسان ولذلك لاتضمن النيات البدايات السليمة للأعمال فقط وإنما النهايات أيضاً.
من هنا فان في شرعنا وفقهنا وعقيدتنا تبقى النية ملازمة لأي عمل يقوم به الإنسان كما يجب أن تكون ملازمة له طوال فترة العمل وعلى سبيل المثال لا الحصر إذا ما خرج الإنسان عن هيئة الصلاة فإن الصلاة تبطل.
لكن في ظل كل القضايا والأعمال، ينبغي أن تكون القضية واضحة للانسان، فهناك كثير من الناس يترددون من اتخاذ المواقف عند مفترق الطرق، وهي قضية طبيعية، فالإنسان دائماً أمام مفترق الطرق في أي قضية يمر بها، لذا ينبغي أن يتخذ القرار المناسب، لكن من يعطي هذه القوة يا ترى؟! ومن أين تستمد المعنوية والقدرة لاتخاذ القرار المناسب؟ إنها النية بلا شك.
فالنية موجودة؛ وليست موجودة فقط بل متوفرة في كل وقت، لذلك يقول الإمام زين العابدين (ع): (اللهم وفر بلطفك نيتي)، فالنية يجب أن تكون ملازمة للمرء في كل الأوقات لكي يتم خلالها تحديد المواقف فلا يصح التراجع في اتخاذ القرار وتأجيله؛ صحيح إن المرء حينها ينبغي أن يفكر أيضا في أي قضية لكن نية المرء تعطيه القدرة على تشخيص الأمور حتى لا تفوته الفرص، فكم من إنسان فاتته الفرص دون ان يستفيد منها، كما تمر على الآخرين لكونه فاقداً للنية.
و كثير منّا يعد كل قضية هي قضية شكلية، لكن النية ليست كذلك، فهي موجودة في القلب وليست بحاجة الى الحث؛ فلاحاجة لترديد اللفظ على اللسان لأن القلب هو الذي يتحرك وهو الذي يقرر وهو الذي يحدد التوجهات والمسارات والخيارات والاختيارات كما ينبغي أن يكون القلب حاضراً في كل آن.
فالحج – مثلاً- الذي يشتمل على اعمال عديدة بحاجة إلى نية في كل موقع، وهي بالتأكيد ليست مجرد قضية وظائفية؛ فالحج لغةً بهذا الشكل والمعنى وفي العبادة بهذه الصورة والكيفية التي نقوم بها من أعمال ومناسك وشعائر أن تقصد الله عز وجل دائما وأبدا، وكل ذلك من خلال النية .
ولكي لا يكون هناك أي مجال لإضاعة أي فرصة في الاتجاه الإيجابي أو السلبي ينبغي أن تكون ثمة همسات للقلوب وحركات للأعضاء ولمحات للأعين في موجبات الثواب، لأن الإنسان قد تداهمه الفرص والمواقف، فاذا يحصل تخلخلٌ في الصلاة فانها لن تعطي مفعولا وتبقى بين القوة والضعف ليتوسط الشيطان فيها ويشد بإتجاه سلبي، فيجب أن تكون لدى الانسان حصانات ضد الشيطان وتكون النية حاضرة طول فترة أداء الصلاة.
لذا يجب أن تكون النية متوفرة في كل مكان وزمان؛ في الصوم والصلاة والحل والترحال، جاء في الرواية: (من صام صامت جوارحه)، وهذا هو المطلوب؛ فليس المطلوب وظيفة الصوم في الامتناع عن الأكل أو الشراب، فتبقى نية الصوم لمن يصوم ومن يريد تحقيق الهدف من الصيام .
فالأمر بالنسبة للنية قضية مهمة جدا، وعندما سُئل الأمام جعفر الصادق (ع) عن تخليد أهل الجنة أو خلود أهل الجنة في الجنة وخلود أهل النار في النار قال: ( لأن نياتهم أن لو بقوا أن يطيعوا الله أبدا).
|
|