قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نافذة على مفردات القرآن الكريم
(الــجــهـــل)
*يونس الموسوي
ليس العاقل من يملك قدرة التعقل، ولكنه الذي يستفيد من هذه المقدرة. كذلك الجاهل ليس الذي يفقد العقل، ولكنه الذي لايستضيء بنوره.
ومن خلال التدبر في جملة الموارد التي جاءت فيها كلمة (الجهل) في كتاب الله تعالى، نفقه هذه الحقيقة ان (الجهل) يتمثل في حالات عديدة قد يبتلى بها الانسان منها:
1ـ البحث عن إله غير الله لكي يعبد معه – سبحانه-، كما سعى إليه بنو اسرائيل بعد عبورهم البحر، حيث نهرهم النبي موسى -عليه السلام- ونعتهم بالجهل. عن ذلك قال الله تعالى: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (الأعراف/138-139).
2ـ التكذيب بالرسالة المتضمنة الإصلاح ونبذ الجاهلية وتحكيم العدالة والقيم، وعن ذلك قال الله تعالى: "وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ" (سورة هود/29)، وقوله تعالى: "قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ" (سورة الأحقاف/22-23).
وكما ان الايمان بالله علم، فان الكفر بالحق جهل، قال الله تعالى: "وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ" (الأنعام/111).
3ـ الاستهزاء بالرسالة والتلاعب بالأحكام الشرعية، فعلى الإنسان أن يستعيذ بالله تعالى لكي يعصمه من خلط الحق بالباطل في مجال الأحكام الشرعية. وقد اتهم بنو اسرائيل النبي موسى -عليه السلام- بأنه يتخذهم هزواً، حين أمرهم بذبح بقرة، فاستعاذ بالله أن يكون من الجاهلين، الذين يأمرون الناس بأشياء لا أساس لها من الدين. قال الله تعالى: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (البقرة/67).
4ـ الانصياع للأهواء.. فقد استعاذ النبي يوسف بالله، لكي يصرف عنه كيد النسوة، وأن لايصبو إليهن فيكون من الجاهلين. قال الله تعالى: "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ" (يوسف/33). ونستوحي من هذه الآية وما قبلها، ان الارتفاع إلى درجة العلم، والتخلص من الجهل، بحاجة إلى عزم راسخ وتوكل على الله. وليس كل من يدعي علماً بعالم، ولاكل من يتبرأ من الجهل قادر على التخلص منه بسهولة.
5ـ الانغماس في الشهوات، فقوم لوط حين تركوا السبيل السوي لقضاء وطرهم، وأخذوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، نعتهم القرآن بالجهل. قال الله تعالى: "أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ" (النمل/55).
6ـ الحسد.. حيث نعت القرآن أخوة النبي يوسف -عليه السلام- بالجهل، إذ خالفوا فطرتهم السوية التي تدعوهم إلى المحافظة على أخيهم الصغير، فإذا بهم يلقونه في البئر بلا ذنب ارتكبه. قال الله تعالى: "قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ" (يوسف/89).
أبعاد الجهل
والجاهلية ظاهرة يسود فيها الجهل في أكثر الحقول، فإذا بالظن يخلف العلم، والحمية تخلف التقوى، وقانون الجور يسود بدل حكم الله، والتبرج يخلف العفة.. وكل تلك الأبعاد تعود إلى حقيقة واحدة، وهي ترك العقل والعلم إلى الهوى والظنون.
ولعل جذور مشاكل العصر الجاهلي تعود الى اتباع الظن، وتفسير الكتاب بالأماني. قال الله تعالى وهو يصف قوماً اتبعوا الباطل: "وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ". (آل عمران/154).
وتعد الحمية أعلى قيمة عند المجتمع الجاهلي، وهي العصبية التي من دونها لاتقوم له قائمة، وهي التي من أجلها يعيشون ومن أجلها يموتون؛ حمية العشيرة والقبيلة أو حمية الأرض والوطن، أوحمية الحزب والطائفة؛ بينما المجتمع الإسلامي قائم على أساس الحق وكلمة التقوى. قال الله تعالى: "إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" (الفتح/26). ثم ان الحمية ميراث الكفر، بينما التقوى ميراث الإيمان. والحمية أساس الباطل لأنها تعطي الشرعية للهوى، بينما التقوى أمل كل خير.
وتتحول الحمية إلى منظومة تشريعية شاملة الحقول كافة، مما تشكل حكم الجاهلية. بينما الإسلام منظومة متكاملة من الأحكام الإلهية. قال الله تعالى: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة/50)، وقد روي عن الإمام جعفر الصادق -عليه السلام-، أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله-: (من كان في قلبه حبة خردل من عصبية، بعثه الله يوم القيامة مع اعراب الجاهلية).
ومن مظاهر حكم الجاهلية تشجيع الميوعة في المجتمع، وان النساء هناك يتبرجن بلا رادع. وحين تتبرج المرأة، فان الرجل يغوى، وينتشر الفساد الخلقي. وقد نهى الله تعالى نساء النبي (وكل النساء) من هذا التبرج الذي نسبه إلى العصر الجاهلي، فقال تعالى: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى" (الأحزاب/33).
الموقف من الجهل
والإنسان بطبعه ظلوم جهول. فهو ظلوم لأنه يخالف الحق، وجهول لأنه لايعمل وفق العقل. لذا عليه أن يتحدى هذا الطبع الذي يعتوره، وذلك لأن الأمانة التي احتملها كبيرة، ولن يؤديها إلا بالتوكل على الله وبعزم راسخ وارادة لاتلين. قال الله تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" (الأحزاب/72).
وحتى نتخذ موقفاً واضحاً وصارماً من الجهل لابد لنا تحديد الامور وعدم الخوض مع الخائضين وأخذ الكلام على عواهنه، وذلك احد دلالات العلم واليقظة، والامر الآخر والاكثر أهمية هو الانابة الى الله تعالى عند الزلل وارتكاب أي خطأ، وعدم التمسك بأي نتيجة او عمل معين وألا تأخذنا العزّة بالاثم، فقد ننجر الى متاهات خطيرة اذا كان حصل الرضا بالخطأ عن علم ودراية مع اصرار وعناد، لذا يمنحنا ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ الفرصة للعودة والتوبة، قال تعالى: "وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الأنعام/54).
ونحن نرجو التوفيق للانابة والمغفرة والتوبة حتى نكون دائماً على الصراط المستقيم ولانتخذ سبل الظالمين والضالّين.