قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

ظاهرة النفاق في القرآن الكريم
عندما يتم التركيز والتشديد على ظاهرة النفاق وسط المجتمع الإسلامي، فإن ذلك يدل على أهمية وخطورة هذه الظاهرة وما يمكن أن تسببه من نتائج وخيمة على عموم الوضع الإسلامي، ولاتقتصر خطورتها على الكيان الإجتماعي والسياسي للأمة بل هي أشد خطراً على شخصية الإنسان المسلم، لأنه ليس هناك أحد من المسلمين بمنأى عن الإصابة بهذه الآفة، بل يمكن الجزم أن ظاهرة النفاق لاتصيب إلا المسلمين.. كيف؟
القرآن الكريم وفي عظيم آياته من سورة المنافقين يقول: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبع على قلوبهم فهم لايفقهون) المنافقون/3، فهؤلاء كانوا مسلمين بل عبروا إلى مرتبة الإيمان لكنهم لم يثبتوا عليه، فارتدوا على أعقابهم، وبدل أن يتحولوا إلى الشرك آثروا البقاء لفظاً ظاهراً في الإسلام، وسلوكاً هم أقرب إلى الكفر، وفي السورة المختصة بالمنافقين وهي سورة المنافقون هناك إشارة ضمنية للأسباب النفسية والإقتصادية التي تدفع هؤلاء في الإتجاه المعاكس للإيمان، فإن ظروف الحياة المعيشية وتعلق المرء بالمال والأولاد هما اللذان يقوِّضان إيمانه ويدفعانه نحو سلوك مخالف تماماً لما يؤمن ويعتقد، فمن أصعب إبتلاءات المرء أن يجد الإنسان نفسه عاجزاً أمام توفير متطلبات الحياة الكريمة لأبنائه، وهو في هذه الحالة سيكون أمام طريقين: إما الصبر والإستقامة أو الجزع والإنحراف عن الجادة.
وتبدأ مرحلة الإنحراف مع تبرير الإنسان لنفسه كل الأفعال السيئة فهو يرتشي من أجل توفير لقمة عياله، وهو يسرق حتى يوفر حياة سعيدة لأبنائه، وهو يغش من أجل توفير حياة كريمة لزوجته، وهو يخادع من أجل توفير فرصة سعادة للآخرين.. وهكذا تبدأ سلسلة التبريرات ولا تنتهي إلا بالنفاق، أي يكون المرء مسلماً باللسان وكافراً بالعمل والسلوك، ويحذرنا الباري عزوجل من التعلق المفرط بالمال والبنون لكي لايكونان مصدر بلائنا وسبب لخسارتنا، ونحن نقرأ في سورة المنافقون (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولاأولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) المنافقون/9، وما من شيء يتعلق المرء به إلا ويكون مصدر بلائه وإختباره ونقطة ضعفه التي ينفذ منها الشيطان الرجيم، فإذا ما تجرد المرء من تعلقاته ورغباته سيكون الأقدر على مواجهة الظروف الصعبة، والإسلام يحاول أن يبني إرادة الإنسان من خلال دعوته إلى البذل والعطاء والإنفاق فبها يتركز الإيمان وتشحذ الهمم (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدُكُم الموت فيقول ربِّ لولا أخَّرتني إلى أجلٍ قريب فأصدَّق وأكُن من الصالحين) المنافقون/10.
إن التركيز على الجانب الإقتصادي والنفسي من ظاهرة النفاق تستبطن حقيقة ناصعة هي تجاهل الجذور الفكرية والثقافية لهذه الظاهرة المقيتة، لأنها في الواقع حصيلة خليط من الأفكار والعقائد والممارسات المختلفة، وإذا امعنّا النظر في الواقع الإسلامي لوجدنا الكثير من التيارات والشرائح والحركات السياسية التي تمارس النفاق بشكل فاضح، فهي ترفع شعارات دينية براقة إلا إن ممارساتها مخالفة للدين ولمبادئه، وللأسف فإن عامّة الناس يخدعون بهذه الجماعات المنافقة، وقد وردت في القرآن الكريم إشارة لهذا المعنى (وإذا رأيتهم تُعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشبٌ مُسندةٌ يحسبون كُلَّ صيحةٍ عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) المنافقون/14.
نجد في هذه الآية الكريمة تحذيراً الهياً شديداً تجاه هؤلاء الناس، وقد اعتبرهم الباري عزوجل من زمرة الأعداء الذين يسببون أضراراً فادحة للإسلام والمسلمين، فإن أسوأ ما في وجود هؤلاء هو قدرتهم على التخفي تحت عباءة الدين، فهم يرفعون شعارات وكلمات إسلامية ولديهم دعوات دينية ويتكلمون ويتحاججون بإسم الدين، لكنّ حقيقتهم مخالفة تماماً لحقيقة الدين.
السؤال هو كيف يمكن لهؤلاء أن ينتشروا وسط المسلمين مع إن توجههم نفاقي منحرف؟
يستغل هؤلاء المنافقون جهل الناس بحقيقة الدين، فيعملون على إضفاء الصورة الشرعية والدينية على كل عمل مخالف للدين يقومون به، فهم مثلاً يقتلون الناس ويقولون: إذا كانوا مؤمنين وطيبين، فإن الله سبحانه وتعالى سيدخلهم جنته، وأما إذا لم يكونوا كذلك، فهم لذلك إستحقوا القتل.
وتجد الكثير من هذه الخزعبلات التي يؤمن بها هؤلاء ويتخذونها مبرراً لأفعالهم الشنيعة التي لاأساس لها في الدين، ومن أساليبهم أنهم يخاطبون المشاعر العاطفية للمسلمين وليس عقولهم، ولذلك فإن ولاءهم للقائد مبني على أساس عاطفي وليس على أساس أهلية هذا الشخص لموقع القيادة.
وبالطبع فإنه عندما يتوقف العقل فإن العاطفة الجامحة هي التي ستتحكم بتصرفاتهم وميولهم وتوجهاتهم، ولمواجهة هذا الواقع السيء، وفي سبيل الوقوف أمام التجمعات النفاقية التي بدأت بالانتشار بشكل واسع في مجتمعاتنا الإسلامية، ليس أمامنا إلا طريق واحد هو السير في حركة علمية وثابته من أجل إعادة ثقافة الأمة إلى أسسها الأولية، لذلك نجد ان الحركات النفاقية تستفيد من الجمود الفكري والإنغلاق الذهني وإنسداد باب الحوار العلمي في سبيل التغلغل في جسد الأمة.
ونحن نشاهد كيف إنتشرت مثل هذه الحركات في وسط المجتمع السعودي، وذلك بسبب إنغلاقه وتشدده وإنعزاله عن الحياة والحوار العلمي وتقوقعه على طائفية مقيتة نجد آثارها الآن في شوارع السعودية من القتل والدمار، ولنمنع وقوع مثل هذه الأخطار في وسط مجتمعنا العراقي وللحد من إنتشار مثل هذه الحركات النفاقية ينبغي العمل على توعية دينية شاملة بالمبادئ الناصعة للدين الإسلامي ومخالفة هذه المبادئ لكل ما يقوم به هؤلاء من تصرفات نفاقية لاتمت إلى الدين بأية صلة.