الحرية والعبودية من منظور الشرع والوضع 1-2
تسيّد النفس الأمارة مؤشر للعبودية
|
د. نضير الخزرجي*
من المقطوع به أن عبادة الأصنام والخضوع لها مادية كانت أم بشرية، وعدم إطاعة سنن السماء وشرع الله، إنما هي عبادة وطاعة سلبية يترتب عليها آثار سلبية، ونتائجها وخيمة، والعكس صحيح، وهو ما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الاعراف: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"، فعموم الطاعة ترتب أثرا من سنخ الطاعة، من هنا ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبد الله، وان كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان).(1)
ولا تنحصر الطاعة في التشريعات السماوية، وإنما هي ماضية في التشريعات الأرضية أيضا، فاحترام القوانين الوضعية وتطبيق بنودها وموادها والخضوع لمبانيها، تعتبر طاعة إيجابية، تترتب عليها سلامة المجتمع وفق نظرة الواضعين لها، وهو ما عبر عنها الفيلسوف السويسري جان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) (ت 1778م) بقوله: (إن الحرية من دون العدالة هي تناقض حقيقي، فلا حرية بغير قوانين، ولا حرية عندما يكون أي شخص فوق القانون .. والشعب الحر يطيع، لكنه لا يخدم، لديه قضاة لكن ليس فيه سادة، هو لا يطيع شيئا سوى القوانين، وبفضل قوة القوانين فانه لا يطيع البشر"(2)، ولهذا فان روسو دافع بشدة عن رأيه بأنَّ: (دافع الشهوة المجرد هو عين العبودية في حين أن طاعة القانون الذي نسنّه بأنفسنا هي الحرية بعينها).(3)
فالعبودية بذاتها حقيقة مجردة من الصفات كما يقول الصفار وهو فقيه عراقي: "فذات العبودية ليست حسنة ولا سيئة وإنما هي حقيقة مجردة من الصفات ولا تتصف بالحسن والقبح إلا إذا طرأت عليها ألوان خارجية فتكتسب حسنها وقبحها منها، فالعبودية لله محبوبة لأنها عبودية واقعة لا يستطيع أي مخلوق فكاكا عنها كما صرحت بذلك الآية المباركة من سورة الرعد: "ولله يسجد مَن في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدوّ والآصال"، والآية الاخرى من سورة الاسراء "وإن مِن شيء إلاّ يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم".. وأما العبودية للسلطان الجائر فإنها عبودية مبغوضة، لأنها ليست حقيقة ولأنها تضر ولا تنفع، والعبودية للنفس كتلك مبغوضة، لأنها تكبت الإنسان وتحبسه في بركة ضيقة من الرذائل والإنحطاط المعنوي"(4).
وهنا تُعد العبودية لشهوات النفس غير المحمودة عبودية سلبية، بل أنها مندكة في السلبية، لان شهوات النفس تقود الإنسان إلى ما لا يحمد عقباه، ولهذا عدّ الإسلام جهاد النفس بانه الجهاد الاكبر وفوق جهاد العدو الخارجي، فقد ورد عن الإمام علي –ع-: إن النبي - صلى الله عليه واله وسلم- بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. قيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس. وقال صلى الله عليه واله وسلم: (إن أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه) (5). ومن الواضح أن جهاد العدو ينتهي بانتهاء المعركة حتى إذا حطت الحرب أوزارها عاد كل الجنود الى مواقعهم السابقة، لكن النفس البشرية كالهواء الذي يتنفسه الإنسان تصاحبه ما قدّر الله له أن يعيش، فجهادها عملية دائمة ما طلع الليل والنهار، وكما يقول العيناثي (المتوفى بعد 1088هـ): "والحازم من الناس من سدّ ثغور الهوى، ورابط جيوش الحِجى"(6).
وقد وردت أحاديث كثيرة تعد السلوك المغلوط في حياة الإنسان عبودية بمعنى الرق، وأن الإنسان قادر على الفكاك من هذا الرق إن هو غيّر من سلوكه نحو مدارج الكمال الخلقي، فمثلا الطمع مظهر سلبي من مظاهر السلوك البشري، ولهذا: (قيل أغبط الناس من اقتصد فقنع، ومن قنع فك رقبته من عبودية الدنيا وذل المطامع) (7)، وقد ورد عن الإمام علي - ع -: (الحر عبد ما طمع، والعبد حر ما قنع) (8)، وعنه –ع-: (أزرى بنفسه من استشعر الطمـع"(9)، وعنه ايضاً (الطمع رق مؤبد والطامع في وثاق الذل) (10)، بل إن الطمع مفتاح الذل كما في وصايا الإمام موسى بن جعفر الكاظم –ع- لهشام بن الحكم الشيباني الكوفي (ت 199هـ)، فمما أوصاه: (يا هشام: إياك والطمع وعليك باليأس مما في أيدي الناس، وأمت الطمع من المخلوقين، فان الطمع مفتاح الذل، واختلاس العقل، واختلاف المروات، وتدنيس العرض، وبيّن بالعلم، وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه) (11).
ولعل من أهم الأمور التي يمكن استيحاؤها من هذا الحديث، أن الاستئثار والطمع والجشع - مال أو سلطة أو جاه، وغيرها- هو نقيض الحرية، فمن الحرية على سبيل المثال أن يستشير المرء ذوي الحِجى، ومن الحرية أن لا يستأثر ذو سلطة بسلطته، فالطاغية على عكس ما يصوره الإعلام إنما هو عبد للسلطة، وعلى مذبح العبودية يهتك الحرمات، فيكون أسير الدم الذي أراقه والحرمة التي انتهكها، في الدنيا والآخرة، وهو في الوقت نفسه أسير شهوته ونزواته.
*الهوامش
(1) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة (قم إيران، مؤسسة آل البيت): 17/317.
(2) J.J.Rousseau, the Social Contract, Eng Tran, by: Maurice Cranston, Penguin Book, New York (USA), p32.
(3) Stephen D.Tansy, POLITICS THE BASICS, Roultedge Ltd, London, First Published 1995, p65.
(4) الصفار، فاضل، ضد الاستبداد (بيروت، دار الخليج العربي للطباعة والنشر، ط1، 1418هـ/1997م): 129-130.
(5) وسائل الشيعة (مصدر سابق): 15/161.
(6) العيناثي، محمد، آداب النفس ج2 (طهران, منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، 1380هـ) :2/53، 2/46-47.
(7) بحار الأنوار (مصدر سابق) :78/454.
(8) (9) إبن أبي الحديد، عبد الحميد بن محمد المعتزلي، شرح نهج البلاغة (بيروت، دار الجيل) :20/293، :18/84.
(10) (11) النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك وسائل الشيعة (بيروت، مؤسسة آل البيت) :12/67، :2/427، :12:68.
*إعلامي وباحث عراقي مقيم في لندن
|
|