قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

التسلّق نحو القمم بين الجدّ واللعب
*سعيد عبد الامير
من الصفات المثلى التي يتميّز بها المؤمنون الجدّية في الحياة، لأنهم يعلمون أنهم إنما جاؤوا إلى هذه الحياة الدنيا لكي يتعرّضوا للفتنة والابتلاء، ولكي تُختبر إرادتهم، ومن ثم فإنهم إنما خلقوا في هذه الدنيا لهدف محدّد، فهم لم يخلقوا عبثاً، ولم يأتوا للّعب واللّهو.
وهذه هي الصفة المثلى التي تنبع منها سائر صفات المؤمنين، فإذا رأيتهم خاشعين في صلاتهم فلأنهم يعلمون أن عليهم أن ينقذوا أنفسهم بهذه الصلاة من نار الجحيم، وإذا رأيتهم محسنين في معاملاتهم فلأنهم يعلمون أنّ وراء كل معاملة من معاملاتهم حساباً عسيراً، وإذا رأيتهم نشطين ومجتهدين في أعمالهم فلأنهم يعلمون أنّ كل ساعة بل كل لحظة من أعمارهم محاسبون عليها حساباً شديداً عند من لاينسى ولا تفوته صغيرة ولا كبيرة، وإذا رأيناهم أذكياء في وعيهم فلأنهم يدركون أنّ أية غفلة في حياتهم قد تهوي بهم في نار جهنّم.
وهكذا فإنّ المؤمنين يتميّزون بالجدّية، وينظرون إلى كل شيء بمنظار الجدّية، ولكنّنا من ناحية أخرى نجد الكفار والمنافقين الذين هم أسوأ من الكفار على العكس من ذلك، فهم يأخذون كل شيء بمأخذ اللعب واللّهو، فيستهزئون بالله ورسالاته وبالقيم الإنسانية وبالآخرين، لذلك تجد حياتهم ممتلئة باللعب واللهو.
والقرآن الكريم يتعامل بشدّة مع المنافقين لأنهم يستهزئون، ففي آيات كريمة من سورة البقرة والتي تبيّن بداياتها النماذج الثلاثة من الشخصيات الإنسانية المختلفة؛ (المؤمنين)، (الكفار)، (المنافقين)، نجد أن الله - سبحانه وتعالى - عندما يحدّثنا عن المنافقين فإنّ حديثه هذا ينتهي بالتأكيد على صفة الاستهزاء وكأنها الصفة الرئيسة التي تنبع منها سائر صفاتهم.
لكن ترى لماذا يستهزئ المنافق وينظر إلى الأمور بمنظار اللّهو واللعب، ولا نجده جدياً في حياته؟
للاجابة نقول: إنه عدّ الحياة بدون هدف وكأنه جاء إليها عبثاً، وأنه سيموت دون أن يواجه أي حساب، والله - عزّ وجلّ - يحدّثنا عن هذه الصفة في قوله: "وإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمْدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ" - البقرة / 14،15-.
فهم يظنّون أنهم يستهزئون بالله – تعالى - من خلال الأعمال التي يمارسونها، في حين أنّ الله هو الذي يستهزئ بهم، ومن أبعاد استهزاء الرّب بهؤلاء هو أنه يتركهم يتوغّلون في طغيانهم، وفي يوم القيامة يدخلهم في نار جهنّم.
والسؤال المهم المطروح في هذا المجال هو: من أين ينبع النفاق، وما هو مصدره؟
ربما نستوحي من هذه الآية الكريمة: "فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ" -البقرة / 10-، إنّ في قلب كل إنسان جذور النفاق، فالإنسان يولد وفي قلبه فطرة الإيمان، وجذور النفاق في نفس الوقت. فهذه التجلّيات الظاهرة التي نجدها في الدنيا إنّما تدل على وجود جذورها في قلوب البشر، إلاّ أنّ بعض الناس ينمّون الإيمان في قلوبهم، فإذا به يتحول إلى شجرة وارفة الظلال، متشعّبة الفروع ومثمرة في قلوبهم، ولكن البعض الآخر ينمّي بذرة الكفر والنفاق كما يشير إلى ذلك ربّنا – سبحانه - في قوله: "فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً" - البقرة / 10-.
ومن أبرز الأساليب والطرق التي نستطيع بواسطتها أن نقتلع جذور النفاق من نفوسنا، هو محاربة الاستهزاء واللهو واللعب، والعودة إلى الوعي والادراك الكاملين، والتفكير دائماً بأننا مسؤولون، وإذا كان الإنسان جدّياً فإنّه لا يدع لحظة من حياته تمر من دون أن ينتفع منها. فحاول أن تجهد نفسك لتعرف من أنت، ولماذا خلقت في هذه الدنيا، وما هو ثمن حياتك وأنفاسك؟..