قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نافذة على مفردات القرآن..
(الغَفلة)
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *يونس الموسوي
من سياق الآيات التي استعملت فيها كملة (الغفلة) نتمكن من أن نفقه معانيها، وبالذات عندما استعملت هذه الكلمة في قضايا حياتية نتعامل معها ونعايش ظروفها.
مثلاً عندما جاءت هذه الكلمة في سياق الحديث عن المعركة، والتحذير القرآني من الغفلة فيها عن الأسلحة، حيث قال الله تعالى: "وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً" – النساء/102-، وايضاً عند الحديث عن يوسف الصديق، حين أراد اخوته الذهاب به إلى الصيد، فنهاهم أبوهم عن الغفلة. قال الله تعالى: "قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ" – يوسف/13-.
وعندما يحدثنا ربنا - سبحانه - عن دعاء الأموات، يقول الله تعالى: "وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ" – الأحقاف/5-، فالأموات في غفلة عن هؤلاء الأحياء، الذين يتوسلون بهم ويزعمون أنهم يسمعون أو يستجيبون.
ونستوحي من سياق هذه الآيات، أن الغفلة تقابل الذكر والانتباه، وتعني عدم التوجه إلى ما من شأنه الاهتمام به والتوجه إليه، كالسلاح في المعركة، والطفل في أرض مسبعة، ودعوة المضطر عند الحاجة.
وللغفلة مراتب، هي:
1-الغفلة المعذورة.. وهي التي لايزال الإنسان غير منتبه إلى الحق، وإنما لايبالي به، لأنه لم يذكره به أحد. ومثاله القرى الغافلة التي لم يرسل إليها نذير، فهي معذورة عندالله، فلا يعذبها الله حتى يبعث الله فيها رسولاً. قال الله تعالى: "ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ" - سورة الأنعام/131-.
وقد كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام مثلاً للقرى الغافلة، وإنما بعث الله رسوله لانذارهم، وكان الرسول - صلى الله عليه وآله - يعيش بينهم وكأنه منهم. قال الله تعالى: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ" - سورة يوسف/3-.
ونستوحي من هذه الآية: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ" - سورة الأعراف/172-. أن الأمم تبقى غافلة حتى يبعث الله إليهم رسولاً ينذرهم. وهكذا يبعث الله الرسل ليقطع عذرهم ويتم الحجة عليهم؛ فضلاً عن الحجة البالغة التي أتمها ربنا على خلقه في عالم الذر، حيث أركز في فطرتهم معرفة الله وأشهدهم على أنفسهم وأخذ الاقرار منهم.
2-الغفلة الطارئة.. وهي التي تحدث بعد الذكر، كما لو نسي الانسان أنه يملك مالاً أو غفل عن سلاحه في المعركة أو انشغل بالصيد وغفل عن أخيه في أرض بها ذئاب.
فإذا غاب عن الإنسان أن الجهل والغفلة والنسيان صفات ذاتية للبشر لولا التعلم والتذكر، لعاد إلى طبيعته التي أركز فيها، وهي الغفلة. وعليه ينبغي أن يذكر الإنسان ربه آناء الليل وأطراف النهار، لكي لايعود إلى حالته الأولى، وقد قال الله تعالى: "وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ" - سورة الأعراف/205-.
3-الغفلة الخاطئة.. وهي التي تعمد الإنسان فيها، فصرف نظره عن آيات الحق، كغفلة الكفار عن الله - سبحانه - والآخرة بعد تذكرتهم بها عبر الانبياء والرسل -عليهم السلام-. وهذه الغفلة لايعذر الله عباده فيها، لأنها تسبقها التذكرة، ويسبقها التكذيب. فهي غفلة مقصودة، إذ تعمدها الإنسان، فزاده الله في غيه، وسلب منه نور هدايته. وتبدأ هذه الغفلة بتجاهل آيات الله وصرف النظر عنها، ومن ثم عدم الإستماع إلى داعي الله ولا النظر في آيات الله بسبب الرضا بالدنيا، يقول تعالى: "إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ* أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" – يونس/7،8-.
ثم يكذب هؤلاء بآيات الله، فيصرفهم الله عن آياته، ويسلب منهم نور الهدى. قال الله تعالى: "سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ" - سورة الأعراف/146-.
وكذلك الذين يكفرون بعد الإيمان ويشرحون بالكفر صدراً، يسلب الله منهم وسائل المعرفة ويطبع على قلوبهم، حيث يقول تعالى: "مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" – النحل/106،108-. ولأن هؤلاء لم يستفيدوا من ضياء عقولهم، ولا من نور الرسالة التي انذروا بها، "فهم كالأنعام" في افتقاد العقل، "بل هم أضل" من الأنعام سبيلاً في افتقارهم إلى غرائز الأنعام السليمة.
وعلينا مقاطعة هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله وأغفل الله قلوبهم وأفرغها من فطرة الهدى ومن نور الوحي، لأنهم يتبعون أهواءهم أنّى سارت بهم ركائبها، فلا يستقرون على رأي، ولا يستمرون على خطة، بل كان أمر هؤلاء فوضى. وعنهم يقول تعالى: "وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" – الكهف/28-.