تحت الضوء
أصدقاء البيئة وأصدقاء العراق
|
جادت علينا التكنولوجيا الحديثة سيارات وبيوت وحتى ظهر مؤخراً الهاتف الجوال وكلهم جاؤوا يحملون لافتة (أصدقاء البيئة)، لتكون بديلاً عما سبق من مستلزمات الحياة التي عاثت في البيئة فساداً وتلوثاً قاتلاً، ونحن في العراق أيضاً بحاجة الى صيحة كهذه لإنقاذ البيئة التي عاثت فيها الحروب والسياسات الفاشلة فساداً، واليوم تسعى نحونا لتأكل الأخضر واليابس، وهو حقاً الموت البطيء، بواسطة الأوبئة المنبعثة من الانهار الملوثة والمخلفات الصناعية وتوسع رقعة التصحّر والجفاف على حساب البساتين والسهول الخضراء التي طالما تباهى بها العراق أمام العالم.
إنها حقاً إحدى مفارقات الزمن الرديء الذي يعيشه العراق، فبعد الاتهامات التي ألصقت به ظلماً وعدواناً، بأنه مصدر للمشاكل والأزمات والحروب، نسمع اليوم من يتحدث أمامنا وجهاً لوجه، بأننا مصدر للتلوث البيئي! فقد أدّت العواصف الترابية المنبعثة من الصحارى العراقية إلى مشاكل صحية في سكان دولة مجاورة، وهو ما صرّح به مسؤول ايراني في شؤون البيئة زار العراق مؤخراً، ونحمد الله أن الجارة تركيا لم تنضم الى هذه الاحتجاجات لوجود السلاسل الجبلية الشاهقة التي تفصلنا عنها والتي تبعدنا عن تهمة الإفساد البيئي، لكن أعتقد جزماً أن في تلك الاتهامات تجنّي كبير على الحقيقة؛ فيجب أن لا نقفز على الأسباب والعلل ونأخذ بالنتائج كتحصيل حاصل، فمن أين يأتي التلوث وانتشار الأوبئة في المناطق الريفية في وسط وجنوب العراق؟ ومن أين للعراق كل هذه العواصف الترابية التي يعهدها في العقود الماضية؟
إن الريف العراقي الذي قضى ردحاً من الزمن بعيداً عن التقنيات الحديثة في مستلزمات الحياة، لم يشهد انتشار الأمراض المعدية والخطيرة كالتي يشهدها العالم اليوم، سوى مرض الكوليرا والذي تم القضاء عليه منذ زمن بعيد، وكان الفضل في ذلك يعود الى انسياب المياه في الجداول والانهار من الرافدين العظيمين؛ دجلة والفرات، ولم تكن عندنا ثمة مشكلة مع الجارة تركيا في حصتنا من منسوب نهري دجلة والفرات، كما لم تكن ثمة مشكلة مع الجارة ايران فيما يتعلق بالروافد المنسابة من أعالي جبال (زاغروس) باتجاه نهر دجلة، وذلك ابتداءً من أنهر الزاب في ديالى وحتى جنوباً في نهر الكرخة عند محافظة ميسان، والذي كان يصبّ في هور العمارة، وفي عهد الإعمار الايراني في تسعينات القرن الماضي، فكّرت ايران بأن تستفيد من تلك المياه، ومن أبرز ما عملته، إقامة سد ترابي عظيم أمام نهر الكرخة جنوب ايران، واعلنت أنها حققت مكسباً اقتصادياً كبيراً بتوفير المياه للمزارع جنوب ايران، ورأت أنها غير معنية بالأوضاع داخل العراق، حيث تزامن هذا مع قرار الطاغية البائد بتجفيف الأهوار انتقاماً من شعب الانتفاضة الشعبانية.
لنذكّر الأخوة في ايران بما كان يصرحون به ليس كشعارات تعبوية عابرة، وإنما يطرحونها كمبادئ أساسية ضمن متبنيات النظام القائم في ايران، وهي التعامل مع الشعوب قبل الحكّام، وإعطاء الأولوية للصداقة مع الشعوب قبل الصداقة مع الحكام، لأسباب مفهومة منها وأبزرها فقدان استقلالية القرار السياسي في معظم البلاد الاسلامية، وأتذكر جيداً أن الشيخ هاشمي رفسنجاني أعلن ذات مرة في خطبة صلاة الجمعة خلال سنوات الحرب العراقية – الإيرانية، بأننا (لن نطالب العراق بأية تعويضات عن الحرب إذا تغيّر النظام الحاكم في بغداد على يد الشعب العراقي)، إذن، أين الشعب العراقي اليوم؟ هل ابتلعته قوات الاحتلال؟! أم أبادته الجماعات الإرهابية والتكفيرية، وبات العراق أرضاً جرداء لا حياة فيها؟!
إن العراقيين اليوم يبدون استعدادهم أكثر من أي وقت آخر للمشاركة في مشاريع إحياء الزراعة وإصلاح الأراضي المتصحّرة ومعالجة البيئة الفاسدة، وهي حقاً فرصة في مرحلة البناء والإعمار وانفتاح العراق على العالم، فما أحوجنا بأن تكون المشاركة والإسهام على أيدي قريبة وليست غريبة.
|
|