هل نحن كما أرادنا الله تعالى؟!
|
*أنور عز الدين
حينما نوجه نظرنا صوب الإنسان نفسه، نراه مظهراً من مظاهر رحمة الله تعالى. إنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فأوجده الله من غير استحقاق منه، ومن دون أيّ جبر أو اضطرار، إلاّ رحمةً منه عزّ وجلّ، وكفى بخلق الإنسان دليلاً على رحمته، ألا تراه عالماً كبيراً بذاته، تماوجت في كيانه ملايين النعم.
وتتجلى قدرة الله ـ سبحانه ـ في صنع جسد الإنسان؛ من استقامة قامته، إلى شبكة أعصابه، إلى قدرات مخّه، إلى مرونة جسمه وما فيه من قدرة تحمّل للظروف المختلفة.. مما يدل على أنه أعدّ لدور أعظم من مجرد دوره الحياتي أو البنائي.
إنه ليس مجرد فرد قابل للتطور-كما تحدثت عن ذلك بعض النظريات- إنه مخلوق مكرّم، سخر الله له الأحياء والنباتات والطبيعة. فإذاً دوره الحقيقي ليس في جسمه، وإنما في روحه؛ في تلك الومضة المباركة من نور المشيئة التي مُنح من دون سائر الأحياء؛ في ذلك القبس من نور العقل والعلم والمعرفة الذي زود به وميز به عن سائر الخلائق.
وهذا المعنى نستفيده من قول الله تعالى في سورة التين: "لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، حيث أن القُوام الحسن الذي منّ الله به على الإنسان ليس تقويم جسده فقط، لأن هذا التقويم مقدمة لما هو أهم، وهو قوام روحه. فالإنسان خلق ليكون ضيف ربّه في جنان الخلد، وليكون "جليساً في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر"..
ومادام الإنسان قد خلق في أحسن تقويم، فهل من الصحيح أن يترك نفسه تتماوج أنى اتجهت؟ كلاّ.. إذ أن ذلك يؤدي به إلى أسفل سافلين. لذا لا مناص له من وعي ونشاط وتحمل مسوؤلياته حتى لا يهبط إلى الدرك الأسفل، ولكي نعي حكمة خلق الإنسان، لابدّ لنا من التأمل في قول الله سبحانه في سورة الانسان: "إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ َجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً".
فكل شيء في الإنسان يحمل نزعتين وصبغتين ومنهجين ووجهتين: الحق أو الباطل، العقل أو الجهل، الإيمان أو الجحود، الجنّة أو النار.
ويبدو أن هذه الثنائية أقرب إلى كلمة الأمشاج، لأن شأن الثنائيات (الاختلاط بين ماء الرجل وماء المرأة، أو مختلف العوامل الوراثية من الآباء والأُمهات) مقدمة لهذه الثنائية، ويدل على ذلك بيان حكمة الابتلاء بعد بيان الثنائية، ولا يصدق الابتلاء في حياة الإنسان حتى يكون مختاراً، وذلك بأن تكون خلقته خليطاً من نزعتين وتطلعين، أحدهما الخير والآخر الشر.
ومن الضروري للإنسان وهو يمارس الحياة ونعمة الوجود أن يعرف بأن الابتلاء جزء من وجوده، ومن دونه تصبح حياته بلا معنى وبلا روح وبلا هدف، وحيث أراد ربنا امتحان الإنسان وفّر من جهته الشروط والمستلزمات التي تجعل الإنسان مسؤولاً عن الامتحان، فتكون حجة عليه، لذا قال ربّنا ـ عزّ وجلّ ـ: "فَجَعَلْنَاهْ سَمِيعاً بَصِيراً".
والسمع والبصر نافذتان لعقل الإنسان على الخليقة، وهما أدوات المعرفة عنده، وبالتالي أبرز وسائل الاختبار. فبسمعه يتلقى نصائح الآخرين وتجاربهم، وببصره وبصيرته يرى ويقلب وجوه الأمور ثم يختار لنفسه الموقف والطريق. وذلك يكفي دافعاً يحمله المسؤولية ويقيم عليه الحجة.
ولكي تتبلور نظرة الإنسان إلى نفسه، وتتميز في وعيه حوافز الخير والصلاح عن الشهوات والفساد.. لابدّ أن يعي الآخرة وأهوالها، وينتبه إلى نفسه اللوامة. فالآخرة تذكر الإنسان بالبعث في واحد من أعظم مشاهد تلك الحياة، حيث القيام من وهدة القبر للحساب والجزاء. والنفس اللوامة هي التي تدعو إلى الحق والصلاح، ونعبّر عنها في الأدب الحديث بالضمير والوجدان؛ وهذه النفس تستيقظ داخل الإنسان لتعاتبه على عدم العمل بالحق، وتنهره عن الخوض في الباطل.
وكما الآخرة يوم البعث والحساب، فإن النفس اللوامة هي الأخرى آية وجدانية على الآخرة، بوصفها صورة مصغرة عن تلك المحكمة العظمى، بل أنها تصبح بلا مبرر لولا أن الإنسان سيلاقي حسابه الأوفى في يوم من الأيام.
وعليه فمن يثير في نفسه هذين الحافزين بالتأكيد سيؤدي مسؤولياته في الحياة على أحسن وجه، وسيفوز في الدنيا بحياة طيبة، وفي الآخرة بجنّات ربّ العالمين.
|
|