قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الانسان وطريق الوصول الى الحقائق
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *كريم محمد
يرتكب الواحد منّا خطأً كبيراً إذا اعتقد أنّ الإنسان مخلوق اعتيادي كسائر المخلوقات، بل هو مخلوق متميز؛ له من الصفات والقابليات ما لم يحظ بها مخلوق آخر. فهو قادر كل القدرة على التسامي والارتفاع، إلى درجة حيث روي في حديث قدسي أن الله تعالى يقول: (يابن آدم؛ أنا حي لا أموت، أطعني فيما أمرتك، حتى أجعلك حيّاً لا تموت.. يابن آدم؛ أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك، أجعلك تقول للشيء كن فيكون).
فهذا الرّب العظيم كتب على نفسه أن يرتفع ببني البشر ما أرادوا الارتفاع وأن يسموا بهم ما أرادوا السموّ.. ومن آيات هذه الخاصيّة التي يتمتع بها الإنسان أنه يحكم على نفسه بالهبوط والانحدار نحو الهاوية في حال عصيانه لرب العالمين ومخالفته لتعاليم دينه.. فهذا الإنسان الذي لا يجسد شيئاً يذكر في الكون الواسع بمقدوره أن يتنافس وعظمة هذا الكون، كما بمقدوره أيضاً أن يتحوّل – بكل تفاهة– إلى كائن حقير بالقياس إلى ما هو أصغر منه خلقة.
فماذا ترى يمثل ابن آدم من وجود أمام وجود وتعاظم الكون بمجراته وكواكبه وشموسه التي خلقها الله لتكون له آية يمعن التفكر فيها؛ وهو – الإنسان– لا يعدو كونه إلاّ واحداً من مائة مليون نوع من الأحياء في كرتنا الأرضية؟
يشعر من يسير نحو الإنحدار بالاطمئنان إزاء الرقابة السماوية، معتقداً بعدم وجود الحساب والعقاب، فيرتكب الذنوب تلو الذنوب، ويتجاهل ما تتلى عليه من الآيات في كل حين، ويتغافل عمّا تأتيه من نذر تحملها الرسل. فهو يحضر مجالس القرآن الحكيم ويشارك في الشعائر الدينية ويشاهد بأم عينيه كيف يقضي إخوانه ورفاقه نحبهم؛ الواحد تلو الآخر، غير أنه – وبكل إصرار وعناد– يظن أنه ليس معنيّاً بهذه الإشارات والصعقات الإلهيّة، أو أنه يخالها خاصّة بغيره دونه.
إن الإنسان مدعو بالدرجة الأُولى في هذه الدنيا إلى اتخاذ قراره الحاسم لتحديد مصيره الأُخروي، لاسيّما وأن ثَمَّ عوامل نورانيّة عديدة تساعده في هذا الإطار، إذ أن رحمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ حَريّة ألاّ تترك الإنسان يخوض وحده متاهات الدنيا. هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ فإن الكمّ الهائل من الواجبات الشرعية والمناسبات الدينية التي يحويها التأريخ والتشريع الإسلامي مليئة بما يكفل للإنسان المسلم المصمم على العبور إلى جنان الخلد أن ينجح في الاختبار والوقوف موقف الإيجاب منه.
ولكن الشيطان يقف للإنسان بالمرصاد، حيث يحاول بوساوسه ونفثاته أن يزيغ قلبه وأن يضلّه عن الطريق.. حتى يأخذ بيده إلى أسفل سافلين. وذلك لأنه أقسم لرب العزّة أن يغوي بني آدم أجمعين ويقعد لهم صراطه المستقيم؛ إلاّ عباده المخلصين.
والإنسان حينما يهدف الوصول إلى الجنّة ودخولها وملازمة الأبرار فيها ملزماً أن يتيقّن بأن لهذه الجنّة ثمناً، ولهذه الملازمة الخالدة تضحية يجب أن يقدمها في سبيل ذلك، ولعل عملية دفع ثمن الدخول إلى الجنّة تتمثل بالدرجة الأُولى في أن يتخلص الواحد منّا من أسباب الانحراف عن الصراط المستقيم؛ حيث التكذيب الذي تدور حوله رَحى مئات الآيات القرآنية الكريمة كونه قريناً كاملاً وتجسيداً واضحاً للكفر. والعكس هو الصحيح أيضاً. فالإيمان يعني التصديق والتسليم والإذعان للحق وللحقيقة.
وعليه فإن الإنسان إذا أراد التخلص من نار الآخرة فعليه أن يغلق بابها، وإن أراد أن ينعم بنعيم الجنان فعليه أن يفتح له أبوابها.
إن باب التكذيب الذي هو أسّ الانحراف لابدّ وأن يغلق، فما أردى ولا أودى ولا أهلك القرون الماضية والأمم الغابرة إلاّ التكذيب، لقد كذّبوا بـ "النُذُر" لمّا جاءتهم، والتكذيب بها يعني محاولة يائسة لدحض الوحي والملائكة؛ وهذا يعني إنكاراً لوجود الله سبحانه وتعالى، أو على الأقل تكذيب حكمة الله وإرادته، ونسبة ما لا ينبغي إليه.
فتلك "عاد" كان قومها يعيشون في طرف الجزيرة العربية؛ وكان الله أنعم عليهم ببسطة في الجسم ودقة في التفكير، شيّدوا مدينتهم في الجبال وأحاطوها بحصون حربية بالغة الدقة والتنظيم الهندسي.. فبعث الله تبارك وتعالى إليهم النبي هوداً -عليه السّلام- منهم وفيهم لينذرهم بأن الدنيا ليست النهاية في حساب الله وحكمته، وأن ما يرتكبونه من بطش بحق غيرهم من الأمم والمدن ليس بالأمر الهيّن على خالقهم. فهم كانوا إذا بطشوا بطشوا جبّارين، وهو -بالذّات– ما ينافي حدود الله وشريعته التي وضعت لكل شيء نواميسه وقوانينه، وبينت أن للقتال كيفية وظرفية وتوقيتاً خاصاً به. فما كان من عاد إلاّ أن أنكروا على نبي الله هود -عليه السّلام- أن يكون مبعوثاً بوحي إليهم، كما أنكروا أن تكون لله ـ سبحانه ـ حدود توضح لهم مقدار ما يمكنهم أن يفيدوا من طاقاتهم المنعَم بها عليهم. لقد كذّبوا بالحقيقة؛ ففتحوا على أنفسهم أبواب العذاب، فأرسل الله العزيز القهّار عليهم الرياح التي دمّرتهم شرّ تدمير وأصبحوا أمثولة على مرّ التأريخ وحتى اليوم. حيث قال الله ـ سبحانه ـ في كتابه المجيد في سورة القمر: "مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَومُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ".
وتبعتهم الأُمم والأقوام ولا تزال، والمعادلة هي هي لم تتغيّر، والآيات القرآنية تحدّثنا عبر «القصص» عن قوانين وسنن كونية ثابتة، وكأنها قوانين رياضية، فإزاء الحق والحقائق ليس ثَمَّ ما يمكن الهزل به، كما جاء في سورة الطارق: "إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ".
إن بني آدم مدعوّون في هذه الدنيا لأن يسلموا بالحقائق الكونية، وبالأهمية ذاتها مدعوون لأن يفهموها ببساطة ويسر؛ فليس هناك ما يحملهم على التعقيد واللّبس. فالله تبارك وتعالى لم يتفضل على الإنسان بالقوى والإمكانات لكي يستكبر ويصعّر خدّه للناس، بل العكس هو الصحيح تماماً، ولم يؤمر المرء بالصلاة لكي يتاجر بها، ولم يؤتَ من العلم لكي يخدم الشيطان ويعلو على الناس به، وغالباً ما كان أئمة الهدى ـ عليهم السّلام ـ يأمرون أصحابهم الخُلَّص بأن لا يفخروا على الناس وبقية الأصحاب بما كانوا يختصونهم به من رعاية وتعليم وتربية، فالقضية لا تستدعي ذلك أبداً، لذلك نجد أن حواريّي الأئمة ـ عليهم السّلام ـ استوعبوا الدرس والحكمة جيداً، ونقرأ آيات التواضع والتفاني في الله في سيرتهم – رضي الله عنهم-.