قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

(الْمُتَّقِينَ) فِي ضوء القرآن الكريم
*حسين الخشيمي
المتقون هم الذين وقوا أنفسهم من عذاب الرب وغضبه، الذين احلوا حلال الله وحرموا حرامه، والذين يرفضون الباطل ليسيروا بهدى الحق، ولقد وعد الله المتقين بالنصرة والعزة والمساندة حيث قال عز وجل: "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" (سورة البقرة /194). وقال أيضا: "بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (سورة آل عمران /76)، كما وعد الله المتقين بالثواب العظيم في الآخرة حيث قال: "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ}. (سورة الدخان /51-52).
وجعل الله عز وجل التقوى ميزان قبول الأعمال في الدنيا حيث قال جل وعلا: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآَخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ". (المائدة 27).
لكن من هم المتقون الذين خصهم الله سبحانه وتعالى بكل هذه المزايا؟ يقول ربنا عز وجل في مطلع سورة البقرة: "ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ"، حيث يبين الله عز وجل في هذه الآيات المباركات أربع صفات يعرف بها المتقون عن غيرهم، وهي الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله، والإيمان بكل رسالات الله واحترامها.
الإيمان بالغيب حقيقة الإيمان
قبل أن يبعث الله أنبيائه بدين التوحيد، كان الإنسان يعبد الآلهة المتعددة، وما يخاف منه كالشمس والرياح والنار وسائر الأشياء الأخرى التي لا تغني شيئاً، فكان لا يعبد إلا ما يحسه ويلمسه ويراه جهرةً، وبعد أن دعا الأنبياء الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد تغير هذا الأمر، وأصبح الإله شيئاً لا تدركه الإبصار بل هو فوق المحسوس، فكان شرط الإيمان به، الإيمان بهذه الحقيقة التي مضمونها الإيمان بإلهٍ غائب عن الأنظار وحاضر في الأفهام والبصائر بآياته وقدرته وحاكمتيه، والإيمان بالآخرة وبالعقاب والثواب والجنة والنار، وقد جاء في الرواية عن الامام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أن رجلا من اليهود أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا علي هل رأيت ربك؟ فقال عليه السلام: ما كنت بالذي أعبد إلها لم أره، ثم أضاف: لم تره العيون في مشاهدة الأبصار، غير أن الإيمان بالغيب من عقد القلوب.
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
ومن الصفات التي أشارت لها الآيات الكريمة في المتقين هي إقامة الصلاة لأنها عمود الدين وأساسه والتي لولاها لما كان ما يوصل الإنسان بربه، يقول ربنا عز وجل: "وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ" (سورة البقرة /43) وقال عز وجل أيضا: "وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ" (سورة هود /114).
وما إن أقام العبد صلاته حتى تقرب من خالقه من خلال هذه الصلة التي باستمرارها يبتعد الإنسان عن الفحشاء والمنكر، وكل المعاصي والذنوب، ليكون من عباد الله المتقين بصلاته وسلوكه بما يتناثر عليه من البر والأجر، فعن أبي عبدالله (الإمام الصادق) عليه السلام قال: (للمصلي ثلاث خصال: إذا قام في صلاته يتناثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه، و تحف به الملائكة من قدميه إلى عنان السماء، وملك ينادي: أيها المصلي لو تعلم من تناجي ما انفلت)!
الدوام على الإنفاق
ولابد للمتقين من إيثار الآخرين على المال وذلك بالإنفاق في سبيل الله من الرزق الحلال، فبالإنفاق يتخلص المجتمع من واقع الفقر، لكن هذه النهاية مشروطة بالاستمرار والمداومة على الإنفاق، وهذا ما يبدو واضحاً في آيات القرآن الحكيم باستخدام كلمة: "يُنْفِقُونَ" الدالة على الإستمرار في الإنفاق، يقول ربنا عز وجل: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" (سورة البقرة /3). وفي آية أخرى قال عز وجل: "وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (سورة البقرة /265). وقال عز وجل أيضاً: "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".
من هنا لا بد من نشر ثقافة الإنفاق والمداومة عليه، فبه تتقدم الأمم وتنعم بالعيش الرغيد، وهنا يكون العبد المنفق في سبيل الله خيراً من غيره، وأحق بالإلتحاق مع المتقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
لا لإلغاء الآخرين
وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم صفات المتقين وما يميزهم عن غيرهم من سائر الناس، يربط ذلك بالإيمان بما سبق من رسالة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه واله من رسالات سماوية كانت مقدمة وتمهيداً لرسالة الإسلام المتممة، فكانت دعوتها واحدة هي الإيمان بالله واليوم الآخر. "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".
وهنا على المتقين استيعاب الجميع من مختلف الأديان والمذاهب، واحترام حقوقهم ومعايشتهم وإعطاءهم شيء من الحرية في التعبير عن آرائهم وعدم إلغائهم لما يمثلون من ثقل في المجتمع وإن كان ليس كبيراً، وبعد حصول الإنسان على كل هذه الصفات التي جاء بها القرآن الكريم سيكون من المتقين الذين خصهم الله بالنصرة عند المصاعب وبالثواب العظيم في الآخرة في جنات عدن تسر الناظرين.