قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

معيار العقل بين الأنبياء والفراعنة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *كريم محمد
بمقدور الإنسان أن يكون المثال السيء مثل فرعون أو يكون المثال الحسن، مثل ابراهيم -عليه السلام-.. فرعون أسس حضارة الشر والظلم والقسوة فيما أسس ابراهيم -عليه السلام- حضارة التوحيد وأقام أركان هذه الأمة في الجزيرة العربية وبدأ ببناء بيت الله الحرام ليكون منطلقاً لبناء الحضارة الكبرى على الكرة الأرضية، فرعون أيضاً بنى الاهرامات لكنه بناها على عظام الفقراء والمساكين، فقد جلب فرعون آلاف العمال والبنائين لينجزوا هذا العمل الضخم الذي ظل حتى اليوم مثار إهتمام جميع الناس، وأما ابراهيم -عليه السلام- فلم يشاركه في بناء بيت الله سوى ابنه اسماعيل حيث قاما بهذه المهمة من دون أن يصاب أحدهم بأذى، ولم يبالغوا في البناء والأحجار التي إستخدموها حيث أنها كانت من مواد الأرض البسيطة.
وبعد تلك القرون أصبحت الكعبة قبلة لملايين الناس يفدون إليها من كل بقاع العالم، ويقدمون القرابين عند عتبتها، ويركعون ويسجدون أمامها في كل يوم وفي كل حين، وتزداد وهجاً ونورانية كلما مرت السنون والأيام، بينما لاتزداد قبور الفراعنة إلا ظلاماً وعتمة، وأصبحت تلاحقهم لعنة البشرية والتاريخ لأعمال القهر التي مارسوها بحق الفقراء.
العمارات والأبنية هي شواهد الحضارة والتاريخ، فالاهرامات تمثل احدى شواهد حضارة آل فرعون الظالمة، فيما الكعبة تمثل شاهداً لحضارة السماء التي أقام أركانها إبراهيم وإبنه إسماعيل –عليهما السلام- الذي بعث الروح في حضارة العرب.
كان فرعون ومن خلال الاهرامات التي بناها يريد أن يقول (أناربكم الأعلى)، كما ان الارادة السماوية من وراء بناء الكعبة كانت تتمثل في توجيه الناس الى وجود الاله الواحد القهار، لكن السؤال: هل تحمل شكل الأبنية التي رفعت دلائل ومؤشرات على معنى الربوبية؟
لقد اتسمت الأهرامات بالشموخ والعظمة والغموض، بينما إتصفت الكعبة بالبساطة والتواضع والروحانية الإلهية، تبهر العين ولاتثير الغرابة والدهشة كما في الإهرامات! اذن لماذا لم ينزل الله ـ سبحانه وتعالى ـ ملائكة من السماء غلاظاً شداداً يبنون بيته أو كعبته بناءً عظيماً يجذب الأبصار والألباب، حتى يصدق القول على البيت أنه بيت الله مارأت عين مثله ولا ترى، غير أنه ـ عزوجل ـ لم يفعل ذلك بل خوّل الأمر إلى عبدين فقط من عباده الصالحين وهما إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ليقوما بهذه المهمة، وليبنيا بيتاً متواضعاً في كل شيء، والسبب هو ان رسالة السماء رسالة عقل، على خلاف الفرعونية المادية التي تبني قواعدها على المنهج المادي – الحسيّ، فالرسالة السماوية تبني منهجها على أساس العقل والعلم، فإذا كانت الحضارة المادية والفرعونية لاتؤمنان إلا بوجود ما هو محسوس وملموس فأن حضارة السماء ورسالتها تقوم ليس على إثارة الحواس كالنظر والسمع واللمس وغيرها بل تقوم على أساس إثارة العقل والروح.
يمكن أن تكون الكعبة متواضعة في الشكل والبناء، إلا إن عظمة الله تتجلى فيها وفي الخلق الأكبر وهي في السماوات والأرضين ولن يكون الإنسان بحاجة إلى كثير جهد ليجد العظمة الإلهية في خلقه هو والمتكون من خليط عناصر ومكونات غريبة ومتناقضة من الروح والمادة والعقل والنفس والنار والماء والتراب والهواء والنظام المعقد الذي يعمل به هذا الجسد البشري، وهذا القلب الذي يضخ الحياة في الجسد المادي، إنه ليس مضخة للدماء فقط بل يمكن أن يكون بيتاً لله، إذا عمره الإنسان بالفهم والعلم.
لقد تمكن فرعون أن يقهر أبصار الناس وأذهانهم لفترة محدودة من الزمن باتباع المنهج الحسي في الدعوة إلى ربوبيته المزعومة وقد نجح بفضل البناء الشامخ الذي رفعه في التأثير على عقول بعض الناس الجهلة لفترة من الزمان، غير أن هذا المنهج لم يصمد أبداً أمام المنهج العقلي الذي دعا إليه النبي موسى -عليه السلام-.
وفي إطار الجدل الذي أثير بشأن الرب الأعلى فإن فرعون هو أول من إستخدم المنهج الحسي لإثبات عدم وجود الله، ويبين لنا القرآن الكريم تفاصيل القصة في الآية الكريمة: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ"، هنا لم يجد فرعون غير المنهج الحسّي لمواجهة المنهج العقلي فتساؤله هنا والإشكالات التي يطرحها على ما جاء به موسى -عليه السلام-، لاتنم عن جهله بحقيقة الرب الأعلى، بل تؤكد جحوده ونكرانه لهذه الحقيقة على الرغم من الشواهد التي يراها في نفسه والخلق والكون، فهو يعرف نفسه أنه مخلوق لله، وأن هناك إلهاً خالقاً لهذا الكون، هذا هو المنطق الذي يقول به العقل، وهو الشيء الذي تعكّز عليه ليزعم بأنه الرب الأعلى، فلا مناص من وجود خالق لهذه المخلوقات: إما يكون خالقاً ربانياً أو خالقاً مزعوماً ومفتعلاً.
فقد كان فرعون يشعر بالحاجة لوجود الخالق ليس وفق المنهج العقلي وإنما وفق المنهج الحسي فهو يقول: ".. مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ". بمعنى أن موسى يطالبكم الإيمان بأشياء غير محسوسة وغير مرئية ولايمكن الوثوق بكلامه لأن أفعاله هي أفعال سحرة، بينما أنا لا أدعوكم إلاّ إلى ما أرى وما ترون وأنا ربكم الذي يرزقكم المال والعيش الرغيد، وأنكم تروني كما آراكم، ولكنكم لاتشاهدون رب موسى فكيف تؤمنون به؟
كان بامكان الله الجبار أن ينزّل إلى الأرض كتاباً مقدساً يشتمل على الأوامر والنواهي فقط من دون حتى التطرق إلى الجانب العقلي، وكان جديراً بالله أن يفعل ذلك من دون أن ينقص ذلك شيئاً من ربوبيته، غير إنه احترم العقل البشري، وجعل يخاطبه بالمنطق القويم، ولذلك كان أعظم تأثيراً وأكثر رسوخاً.
هذا المنهج خلق أفراداً عظاماً مثل النبي -محمد صلى الله عليه وآله وسلم- وإبراهيم وإسماعيل -عليهما صلوات الله وسلامه- فهما لم يتخرجا من هذه المدرسة إلا بعد إختبارات وإمتحانات صعبة مروا بها وتجرعوا كل المصائب والمعاناة، ولم يفعلوا ذلك إلا بعد اعتقادهم وإيمانهم الراسخ بالرسالة التي بعثوا من أجلها.
فإبراهيم النبي ـ عليه السلام ـ واجه بمفرده تعنت قومه وضلالتهم، واقتحم بكل شجاعة النار التي أوقدوها لحرقه، وأقدم بكل بسالة على التضحية بإبنه وجعله قربانا لله طاعة له ـ سبحانه وتعالى ـ، وكذا إبنه إسماعيل -عليه السلام- الذي رضخ لأمرالله واستسلم لسكين والده إرضاءً لرب العزة، ولو كان قد رفض ذلك لسبب إحراجاً لوالده، فما الذي أجبر إسماعيل هذا الفتى اليافع على القبول بهذا الأمر؟
هذا هو الفرق، بين الإنسان المؤمن والجاحد، فالأول يكون خاضعاً لمنطق العقل والثاني يعاند ويشاكس ويعارض الله في خلقه ونهجه، الأول يمكن أن يكون مؤسساً للحضارة الإنسانية والثاني أيضاً يحاول أن يبني حضارته، لكن الحضارة التي تقوم على منهج العقل والرشاد والعدل هي بالطبع أكثر نفعاً وفائدة من تلك الحضارة الأخرى القائمة على الظلم واغتصاب الحقوق وإنتهاك الحرمات.