الرياء.. إرضاء الناس ونسيان الله
|
*نونس الموسوي
إذا رأيت ظاهر الشيء فرأيته أنيقاً، واطلعت بعد حين على باطنه ووجدته خبيثاً، ماذا تقول؟
تقول: لقد خدعت بحقيقة ذلك الشيء!
وهذا المثل ينطبق أيضاً على الأفراد، فعادةً ما يحاول الإنسان إظهار الجانب الجميل من شخصيته،ويحاول أيضاً إخفاء الجانب الخبيث فيها، لكنه لايستطيع أن يظهر الجميل بشكل مستمر أو يخفي الخبيث بشكل دائم، لأنه سرعان ما سيأتي الوقت الذي يفتضح به أمره وتنكشف حقيقته على الجميع.
إن إظهار حسان الفعال للناس يسمى في المعارف الدينية (الرياء) فهذا الشخص يظهر للناس ما يرغبون به ويودونه وهو الشيء المعروف في وسطهم بالحسن، فهو على سبيل المثال يتصدق أمام الناس على الفقراء حتى يصفوه بالكرم، فغايته ليست الصدقة وإنما كسب ود الناس واحترامهم، وهذا فرق بين من صفته العطاء ويستحق عليها الإثابة وبين من لا يتصف بذلك، لكنه يحاول إظهار نفسه بتلك الصورة ليحقق منفعة خاصة، فهو بهذا الشكل لايستحق المثوبة لأنه كسب الشيء الذي عمل من أجله وحقق المنفعة من تلك الصدقة التي تصدق بها.
فأصل العمل وهو الصدقة، أو الصفة وهي العطاء، هي حسنة بذاتها ولكنها تتحول إلى سيئة عند من تكون نفسه مريضة، فهذا الشخص يريد أن يشتري إحترام الناس وتقديرهم ببضعة دنانير يعطيها للفقير، بينما الإحترام والتقدير يحققهما الإنسان نتيجة الأخلاق الحميدة التي يتصف بها أو نتيجة الأعمال الطيبة التي يقوم بها، أو نتيجة للعلم الذي اكتسبه.
إن المرائي يشبه تلك العروس القبيحة التي تحاول إخفاء قبحها بالغش والتدليس، ولكن سرعان ما يكتشف العريس غشها فيطلقها لخداعها إياه، ولو كانت قد أظهرت حقيقتها وكشفت عيوبها وتحدثت مع عريسها حول ذلك قبل ليلة الزفاف لكان الزوج قد قبلها بما هي عليه من العيوب، وهناك كثير من الرجال من يتزوجون بنات أعمامهم أو أخوالهم مع عيوب فيهن، إرضاءً لله وإخلاصاً للمودة.
العيب البدني هو أقل سوءاً من العيب النفسي، لذلك نرى أن أصحاب العيوب البدنية لايحاولون إخفاء عيوبهم على الرغم من ظهورها، لكن أصحاب العيوب النفسية يحاولون إخفاء نواقصهم عن طريق الرياء، فهذا الإنسان هو مريض وبحاجة إلى كسب احترام الآخرين لأنه معروف بين الناس إنه مرابي أو يأكل أموال الناس بالباطل، وهو يظن بأنه إذا تصدق ببعض المال سيكسب ود الناس وتعاطفهم، وهو لايعلم بأن الناس حتى وإن أظهروا الود والاحترام له في الظاهر، فإنهم سيتحدثون عن سيرته السيئة من وراء ظهره.
والمرائي يرتكب إثماً عظيما بحق رب العزة، فهو بريائه يظهر الخشية من الناس، ويخفي عدم الخشية من الله عزوجل لأنه يفعل ما يرغب به الناس ويمقته الله، خوفاً من الناس وعصياناً لرب العزة والله أحق بالخوف والرهبة، واذا فكر الانسان في حقيقة وجوده سيرى أن الله عزوجل هو الاجدر بالارضاء حتى وإن كره الناس جميعاً.
نحن جميعاً نفعل أشياء لإرضاء الناس وقد لا تكون من الأمور المحرمة لكننا نفعلها من أجل كسب رضا الآخرين، وقليل من الناس هم الذين يكونون صادقين في كل حين وفي كل وقت في مشاعرهم وأحاسيسهم وكلماتهم وأعمالهم، فإذا قام المسؤول في محيط العمل بتصرف خاطئ، فإن العامل أو الموظف سوف يتحرج في تصحيح ما أخطأ فيه مديره، وربما أظهر وكأنه يؤيده فيما يذهب إليه من الاعتقاد الخاطئ، وهو في هذه الحالة يظهر الموافقة ويخفي المخالفة.
وعندما نقول بأن الإسلام هو دين علم، فإنما يبرز ذلك في مفاهيمه وقيمه وهو هنا عندما يدعونا إلى الصدق في المشاعر والأحاسيس والنوايا، لاسيما في مجال العمل، فهو يحثنا على مطابقة الحال بالواقع على سبيل الحقيقة، وليس الوهم، لأن الرياء هو نوع من الوهم غير المبني على أسس الحقيقة بينما الصدق هو مطابقة الحال بالواقع على سبيل الحقيقة وليس الوهم.
|
|