الحجاب... المرأة... الشرف
|
*علي ضميري
اهتم الإسلام بفضيلة العفة وشرف الإنسان؛ ذكراً وأنثى، اهتماماً كبيراً جداً، حتى أنه فرض أحكاماً تضمن سلامة القلب والمظهر على حدٍ سواء؛ فأكد على ضرورة الالتزام بالعفة الظاهرية، التي يحفظها ارتداء الحجاب من جانب الفتاة والمرأة المسلمة، بينما أوصى مراراً وتكراراً بتطهير القلوب من الدنس، والابتعاد عن المفاسد ونوايا الشر والطمع بأعراض الناس، وقد قال أميرالمؤمنين (عليه الصلاة والسلام): (الصبر على الشهوة عفّة)، كما قال: أيضاً : (أفضل العبادة؛ العفة).
وكما ان الدين المحمدي فرض على الأنثى المميزة البالغة أن تحفظ حجابها الظاهري، كذلك أراد لها أن تسعى دوماً إلى تطهير قلبها، وتنزيه نفسها، وحفظ جوارحها عن ارتكاب الحرام، لتتمكن بعد ذلك من تربية نفسها أولاً، ثم تربية أولادها.
وكذلك فرض على الذكور أن يصونوا أنفسهم، ويوجّهوا شهواتهم ضمن المجالات الشرعية المحلّلة، وحدّد لهم طرقاً واضحة وجليّة لدرء المفاسد عن أنفسهم، فلم يبح لهم كلّ مسلك، لأن الإباحة المطلقة والإباحية العامة، لاتُشبع نهم الإنسان بقدر ما تغوص به في أعماق الرذيلة ومهاوي المفسدة.
وهذه المفاسد ليست بالأمور النظرية، بقدر ماهي حقائق ملموسة يعيها الإنسان، الذكر والإنثى على حدٍ سواء، كلما تقدمت به تجارب الحياة، وازداد نضجه وتصوره لمسارات المعيشة.
ونحن نعلم جيداً أن الإسلام أراد للإنسان أن يكون مؤمناً نقي السر والسريرة، فإذا صلحت سريرته، صلح مظهره وظاهره، كما عاب الإسلام على مرضى القلوب الذين لاهمّ لهم إلا إشباع شهواتهم عبر تجاوز حدودهم ونيل ما ليس لهم.
وفريضة التعفف والمحافظة على الشرف، لاريب أنها مُشتقة من حقيقة الكرامة الإلهية التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان، بمعنى أن على أولاد آدم أن يواجهوا حقائق الحياة، فلا يسترخصوا أنفسهم للمغريات المادية المؤقتة، لذا أصبح لزاماً على الفتاة المسلمة أن تحفظ كيانها، وتستر جسدها، فلا تجعل من بدنها سلعة رخيصة وتسمح لكل شخص بالنظر إليه، وذلك لأنها كائن مكرّم بكرامة الله سبحانه وتعالى.
وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) في احترام الأنثى قوله الكريم: (رفقاً بالقوارير) فهي مثال الرقة، ويفترض بها أن تكون محطاً ومصداقاً للعواطف والأحاسيس والمشاعر النبيلة، فلا ينبغي لها - وهي الجوهرة التي تغلو على الأثمان- أن تجعل من مظهر كيانها على الأقل نافذة لكل من هبّ ودب، باختراق حرمتها وكرامتها.
كما أن من المناسب جداً، أن لاتسمح الفتاة، ومنها المسلمة المؤمنة على وجه الخصوص، بأن تتحول إلى وسيلة للشيطان يخرب بها إيمان أخيها المسلم، بعد أن يجعل منها سهماً يرمي بها عواطفه وغرائزه، وليس هذا بالأمر المستغرب أبداً، ان الشيطان وأعوانه، هم العدو الأول لأبناء وبنات آدم، ويهمهم كثيراً أن يستخدموا المرأة ضد الرجل، والرجل ضد المرأة..
ومن هنا، يمكن القول بأن الفتاة التي تتعمد الانسلاخ عن كرامتها، فترفض الحجاب والستر، هي تلك الفتاة التي تتهرب من مسؤولياتها تجاه نفسها وتجاه إخوانها في الدين، حتى تصبح مطيةً من مطايا الرذائل، وليس مبرراً للفتاة المسلمة –مثلاً- أن تدّعي الشرف والعفة، كأن تكون طالبةً جامعية، أو سائرةً في الأسواق، أو جارةً لأناس آخرين، أو غير ذلك من الحالات والمواقف الإجتماعية وهي تبدي من مفاتنها عن طريق موضة الملابس، أو سلوب التكلم، أو هيئة الجلوس والمشي، أو بواسطة النظر، ما يثير غريزة وريبة قرينها الشاب، ثم إن انعدام الشرف لايختص بالانغماس التام في الفساد والرذيلة، وإنما المحطة الأولى لافتقاد الشرف هي الرغبة في إفساد غرائز الآخرين، مهما كانت صورة هذه الرغبة وهذا الإفساد.
وكم رأينا من الشباب والرجال من أفسدتهم نظرة شيطانية واحدة من شابة أو امرأة، بل وهيئة غير عفيفة منهما، والعكس صحيح أيضاً، إذ طالما وضعت الفتاة قدمها على طريق الرذيلة التامة بعد أن رأت ولاحظت حالة رذيلة من الشاب المتسيب غير ذي العفة.
بمعنى أن الانحطاط في هذا المجال قد لايبدأ من حالة واضحة وكبيرة، لأن الإنسان – ذكراً وأنثى- على قدر واضح من الضعف في العواطف، بحيث ينحدر ويستجيب للرذيلة في كل لحظة إغراء.
إن من الحري بالفتاة المسلمة أن تكون على يقين بأنها محترمة ومكرمة بمدى احترامها والتزامها بتعاليم القرآن وتعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، هذا في الدنيا، فضلاً عن أجرها الجزيل والجميل في الدار الآخرة، كما أن عليها أن تسأل نفسها- في حال عدم التزامها بالتعاليم الالهية- عن الأسباب الحقيقية لعدم الالتزام هذا، فهل هو الرغبة في إثبات الوجود أمام نظرات مرضى النفوس النهمة؟ أم هو الشعور بإفساح المجال لإقامة علاقات الصداقة؟ أم هي الرغبة في الاستعراض لغرض الزواج؟
مهما كانت أسباب عدم احترام الفتاة لتعاليم الدين الشرعية والأخلاقية، يبقى عليها أن تتأكد سلفاً بأن الرجل، ومنه الذي لايهتم بقواعد العفة في شبابه، هو الآخر يبحث عن الشابة النزيهة العفيفة، ليضمن لنفسه سلامة العيش مع شريكة حياته في المستقبل، وحتى إن لم يكن ذلك، فإن الحياة الزوجية بين شخصين غير ملتزمين، غير مضمونة العواقب، بل هي مهددة بالانهيار في كل لحظة، إذ لا ضمانة للاستمرار أبداً، لأن الشك المتبادل بين الطرفين، بداعي ما يعرف أحدهما عن الآخر، هو الذي سيكون مهيمناً على طبيعة هذه العلاقة الزوجية الرخوة من الأساس.
بلى... إن فضائل الأخلاق الاسلامية، ومنها الشرف والعفة والحجاب ونزاهة الموقف والمجلس واللباس والنظر والنية الشريفة من وراء كل ذلك، تقي الشاب والشابة من الانجذاب للرذائل منذ البداية.
ان الحجاب الظاهري والنقاء الباطني، ذَوَا منافع جمة للشابة المسلمة، إذ لم نر في حياتنا فتاةً عفيفة واعية متحجبة قد ندمت على سلامة شرفها، فيما كثيرات جداً من اللواتي لم يلتزمن بظاهر عفتهن-على الأقل- قد ندمن أيما ندم بعد أن دفعن الثمن غالياً.
بينما الشابة المؤمنة التي تمشي وتجلس وتقف وتتحدث وتنظر بعيداً عن مواطن الإثارة تعلم جيداً أن ارتداءها الحجاب الصحيح ليس تقييداً لها، لأن الإسلام قد سمح لها، كما سمح للرجل بالعمل والدراسة والتملّك وبناء العلاقات الصحيحة وغير ذلك، فضلاً عن علمها المسبق بأن الدين قد منعها كما منع الرجل من ارتكاب الذنوب بعد أن أوضح لهما طبيعة الممارسات السيئة والأعمال الصالحة وآثار كل منها على حياتهما في الدنيا والآخرة.
وبغض النظر عن علم الشابة والمرأة المؤمنة وإدراكها كل هذا، فإن المفكرين والمنظرين الغربيين قد اعترفوا بما لايحصى عدداً باستفحال كثير من الازمات والمشاكل الاجتماعية والفردية بسبب – اندثار- العفة، وعدم تحجب النساء في بلاد الغرب، وإلى وجود الحريات المطلقة والإباحة المشرعة فيها، نظراً لأن صورة الحرية هذه استحالت نوعاً من الجنون والتمرد على إرادة الخالق في مخلوقه الإنسان، وعليه فالحجاب يرفع من شأن المرأة دون أن يمس بكرامتها أو يقلل من شأنها..
وكيف تتراجع المرأة المؤمنة العفيفة، والتأريخ الإسلامي يشهد على دورها العظيم في بناء الأسرة والمجتمع الإسلامي الذي قدم وطوّر الواقع البشري على المستويات كافة، وإلى حدود بعيدة جداً؟
وها هي الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) بنت رسول الله، وزوجة أميرالمؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، وأم الأئمة المعصومين سلام الله وصلواته عليهم أجمعين، قد أضحت بنورها وجلالها وعفتها وشرفها حجة على الخلائق كلهم، ومعياراً بين الحق والباطل، وقبلها والدتها الصدّيقة خديجة الكبرى (عليها السلام)، أم المؤمنين التي بني الإسلام على إنفاقها وتضحياتها الكبرى، كما بني على شجاعة علي (عليه السلام) ودفاعه عن الإسلام.
وليس خافياً على أحد سيرة العقيلة زينب بنت أميرالمؤمنين (سلام الله عليهما)، وهي التي خلّدت حقائق الثورة الحسينية المقدسة بجهادها وإصرارها على الدفاع عن الدين والذود عن جوهر الحق والخير.
وهناك كثيرات من المؤمنات العظيمات اللاتي ضربن أروع الأمثلة وأصدقها، بعد أن تمسكن بشرفهن وعفّتهن وازددن كرامة بعد كرامة، فأجزل الله لهن الجزاء الأوفى، وخلّد أسماءهن وجعلهن خير قدوة وأسوة لمن يردن حياة العزة والإيمان والشرف.
|
|