لِنُعلِّم اطفالنا ثقافة القرآن وأهل البيت(ع)
|
*طاهر القزويني
يقول علماء النفس أن سنين الطفولة هي المحددات الرئيسة لشخصية الإنسان في الكبر، بمعنى أن المجرم يصبح مجرماً وقاتلاً لأنه عايش في طفولته ظروفاً وأحوالاً خاصة، وأن الإنسان الصالح يصبح كذلك لأن طفولته كانت صالحة.
ونحن لا نقول بأن الطفولة تسلب حق الاختيار من الإنسان، وتنزع مشيئته في اتخاذ القرار والسلوك الذي يحبذه، لكن نظراً للتأثير العميق للطفولة في حياة الإنسان، فقد جرى التأكيد على تعليم الأطفال، لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر؛ فمن أجل بناء مجتمع إسلامي تزدهر فيه قيم الإسلام، يجب العمل على بث هذه المبادئ والقيم بين شرائح الأمة وأصغر خلية فيها وهي الأسرة. والانطلاق في هذه المسيرة مع الأطفال، لذا يجب تكوين ثقافة إسلامية خاصة بالأطفال يقوم الآباء بإشاعتها بين أبنائهم حتى يضمنوا سلامتهم من الإنحراف عند الكبر.
من هنا فان تكوين ثقافة إسلامية للأطفال، هي مهمة العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء والفنانين، وذلك لأن الأطفال بحاجة إلى كل أنواع المعرفة ولكن بلهجة بسيطة ولغة محببة، فالعلماء على سبيل المثال يجب أن يبتكروا إسلوباً مبسطاً لعرض الفقه الإسلامي وأحكام الإسلام بصورة سهلة الفهم للأطفال، والمفكرون يعرضون المبادئ الفكرية الإسلامية بقوالب مشوقة وسهلة الفهم للأطفال، ومن ناحية الأدباء فإننا نلمس في الوطن العربي والإسلامي إنبعاثاً لظاهرة أدب الطفل، وهي ظاهرة جديرة بالعناية والاهتمام، لأنها بحاجة إلى تنمية وتطوير وإدخال مفاهيم الإسلام العالية في مضمون هذه الظاهرة من أجل ضمان نشر قيم الإسلام عبر هذا الطريق، والشعراء أيضاً يتحملون مسؤولية كبيرة في طرح المضامين العالية عبر قالب الشعر، فضلاً عن دور ذلك في ترسيخ معاني الخير في قلوبهم فهو يجذبهم إلى الأدب وحب اللغة العربية التي هي أم اللغات، والفنانون أيضاً يسهمون في التكوين الثقافي للطفل، فالرسم والنحت والتمثيل وغيرها من الفنون لها دور في تنمية مشاعر الطفولة.
والطفل هو أكثر إستعداداً لتقبل هذه الأمور من الكبار، وذلك بفضل قدرته على حفظ الأشياء، ونجد اليوم إن كثيراً من كبار السن يعانون من ضعف الذاكرة، حتى انهم ينسون أحياناً أسماء الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام)! بينما كان بالإمكان أن يحققوا رغبتهم هذه في فترة الطفولة، فهناك أشعار تأتي على ذكر الأئمة الأطهار واحداً واحداً وتساعد الطفل على حفظ أسماء الأئمة (عليهم السلام).
ولنا أن نعرف أن المسلمين الأوائل كانوا يبدأون بتعليم أطفالهم القرآن الكريم والتعاليم الإسلامية وتاريخ أهل بيت النبوة منذ عهد الطفولة، فكان كثير منهم يحفظ القرآن الكريم وهو في تلك السن الصغيرة وكان الآباء يدفعون كثيراً من الأموال لتعليم أطفالهم تلك العلوم التي تدر عليهم بالخير المادي والمعنوي.
ونحن إذ نطالب بتطوير مناهج التعليم في مدارسنا العربية والإسلامية، نشير إلى أن (الكتاتيب) من العهد الماضي كانت أكثر نفعاً من مدارس اليوم، صحيح تلك (الكتاتيب) ما كانت تعلم التلاميذ العلوم الحديثة السائدة اليوم مثل العلوم الطبيعية والعلوم الانسانية، لكنها كانت تعلم الأطفال العلوم الاساس، ومنها القرآن الكريم والسنة الشريفة، حيث تحولت هذه المواد في يومنا هذا الى أضعف الدروس في المدارس الحديثة، وكانت تلك (الكتاتيب) تربي الأطفال على الأخلاق الفاضلة، هذا الشق المفقود اليوم من مدارسنا الحديثة.
واليوم حيث يعيش العالم مشكلة الأخلاق، ينبغي العودة مجدداً إلى التركيز على هذه المادة الرئيسة في مدارسنا، ومتابعة أحوال التلاميذ من ناحية تربيتهم الأخلاقية ومراقبة سلوكهم داخل المدرسة ومتابعة ذلك خارج المدرسة.
لكن نعود ونقول أن مسؤولية الأطفال التربوية تقع بالدرجة الأولى على آبائهم، فهم معنيون أكثر من سواهم بمصير أبنائهم وما تؤول إليه أحوالهم، لذا لابد أن يبتكروا أساليب جديدة على حث أبنائهم للالتزام بالمبادئ والقيم الدينية، وأن لايستعملوا الضرب كأداة للالتزام بتلك القيم، لأن لذلك آثاراً عكسية وينفر الطفل من تلك الامور التي يحثونه على الإلتزام بها، فعندما يدعو الأب إبنه الصغير لإقامة الصلاة – مثلاً- فإنه لايدعوه لذلك عن طريق الضرب بل يحثه على فعل ذلك وتشجيعه عن طريق الجائزة كأن يقول له إذا صليت شهراً كاملاً سأشتري لك جائزة ثمينة.
والآباء بشكل عام يشترون لأبنائهم الهدايا، فلماذا لايربطون تقديم الهدية والجائزة بحفظ شيء من القرآن أو بعض أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أو حتى إقامة الصلاة، وليس بالضرورة أن تكون الجائزة دائماً مادية وذلك حتى لانرسخ في ذهنه الرغبات المادية، فلتكن جوائز معنوية على سبيل المثال أن تكون جائزته سفرة إلى أحد المراقد الشريفة في المدينة الأخرى، أو شراء كتاب أو قصة وما إلى ذلك.
ومن المهم أن نتعلم كيف نثبت الأفكار الفاضلة عن طريق القصص، فالأطفال يحبون القصص ويحفظونها بسهولة وهناك عشرات القصص المذكورة عن طفولة الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم الصلاة والسلام)، فهذه القصص هي للتسلية وللتربية وتنمية الوعي والفكر لدى الأطفال.
ولابد أن نعرف أن فترة الطفولة هي فترة التلقي والتعلم وليست فترة الشباب، لأن الشاب في هذه الفترة يريد أن يكون صاحب رأي وموقف، ويقول بأنني كبرت وأصبحت رجلاً أو بالنسبة للفتاة تقول أصبحت امرأة ويجب أن يكون لي دور في المجتمع. فكيف يكون له أو لها دور في الحياة من دون أن تكون لهما خلفية ثقافية يستمدان منها قوة الموقف.
وإذا شاهدنا بعض شباب اليوم وهم فارغون من الناحية الثقافية فسبب ذلك يعود بالدرجة الاولى إلى عدم اهتمام آبائهم بتنيمة قاعدتهم الذهنية في فترة الطفولة، فالطفل مثل الكبير بحاجة إلى الفكر المبسّط وإلى الفقه السهل، وإلى القصيدة الشعرية التي توسع خياله وترسخ فيه قيم البطولة والشجاعة، وإلى القصة التي تحتوي على مفاهيم الخير والصلاح وتنمي لديه الشعور الحسن.
إن قصص وتاريخ النبي وآل بيته (عليهم أفضل الصلاة والسلام) تشتمل على عناصر القصة الصالحة كافة للأطفال ولايقتضي الأمر من الآباء إلا أن يذهبوا إلى تلك الكتب التي تحكي حياة هؤلاء العظماء، حتى يطالعوها ثم يسردوها على أبنائهم، فهناك عشرات القصص عن الإيثار والكرم والشجاعة والفداء في سبيل الدين ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وكثير من القيم السامية التي جسدها لنا هؤلاء العظام.
من المعيب جداً أن تنتشر في بلداننا قصص (سبايدرمان) أو (سوبرمان) أو (باثّمان) هذه القصص والأفلام الأسطورية التي تعرض على أبطال وهميين، بينما تفتقد مكتباتنا قصص العباس بن علي عليه السلام وهو اسطورة حقيقية في البطولة والشجاعة، أو قصص الإمام علي عليه السلام في قلع باب خيبر أو في معركة الخندق وكثيراً من القصص التي تعد خزيناً هائلاً لهذه الأمة (التي لاتعرف كيف تقدر أبطالها).
الكاتب الغربي بحاجة إلى أن يعتصر كل مخيلته حتى يستخرج من الخيال شخصية من تلك التي ذكرناها، بينما الكاتب العربي والمسلم لديه نماذج كثيرة ومواقف كثيرة تصلح أن تكون مادة أدبية للأطفال، فالأطفال هم حاضرنا ومستقبلنا، فلا تضيعوا حاضرهم قبل مستقبلهم.
|
|