قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

لنصحح العلاقة بين العلم والدين
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *طاهر القزويني
هناك علاقة غامضة وغير مفهومة بين الإنسان والعلم الحديث، فتارة نجد من يتنازل عن كيانه وهويته ودينه من أجل العلم، ليحصل على الشهادة الاكاديمة، وكأن العلم يفرض عليه الإنسلاخ من عقيدته ودينه، وتارة آخرى نجد العكس حيث الالتزام بالعقيدة والإيمان أشد الإلتزام، مع خشية التعامل مع وسائل العلم الحديث، وقد يصل الأمر في أحيان إلى تجنب استخدام وسائل الاتصال الاعلام مثل التلفاز والانترنت، وأمور عملية أخرى.
المشكلة لا تُحل بمقاطعة هذه الوسائل والمعدات، لان المشكلة الحقيقية تكمن أساساً في مقاطعة العلوم الحديثة مثل علم النفس وعلم الإجتماع وعلم السياسة وعلم الإقتصاد وغيرها من العلوم بحجة أن مصدرها هو العالم الغربي، وأنها تشتمل على مضامين لاتتفق مع القيم الدينية، لكن هل وجود بعض الأفكار الالحادية في علم النفس، يعني أن جميع قواعد وأسس هذا العلم غير مفيدة وغير نافعة للحياة؟ وطبعاً هذا السؤال يصدق على بقية العلوم الأخرى التي هي نتاج الفكر الانساني.
لابد ان نعرف بداية إن المسعى الإنساني في طريق العلم والوصول إلى الحقائق العلمية، يُعد عملاً محترماً بل ومقدساً، سواءٌ أكان هذا المسعى في الشرق أم في الغرب، وسبب تقديسه أنه ورد ذكره في القرآن الكريم، وقد جاء الحثّ على العلم في أكثر من آية، وأيدت السنّة الشريفة حديث القرآن الكريم وجاء الحثّ هذه المرة من جانب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي قال قولته الشهيرة: (اطلبوا العلم ولو كان في الصين)، ومعروف أن الصينيين لم يكونوا يعلّمون العلوم الدينية.
كان الصينيون يعلّمون الطب وصناعة الورق وعلوماً أخرى مبتكرة قد اشتهروا بها، وكان لابد أن يتحرك المسلمون وينشطوا في طلب العلم حتى يستفيدوا منه لتحقيق التقدم والإزدهار لأمة الإسلام.
من جهة أخرى فان الله سبحانه وتعالى أنزل في العهود السابقة موائد الجنة إلى المؤمنين في الارض، وكان يرسل إليهم المنّ والسلوى، وكان يظلهم عن حرارة الشمس بجبل يقلعه ويجعله في السماء، يسير معهم حيثما ساروا، وكان ذلك في أمة بني اسرائيل، وأما في هذا الزمان فإن على الناس أن يعملوا ويكدوا من أجل لقمة العيش، وعليهم أن يتعلموا ويطوروا أنفسهم ومعداتهم ليحققوا الازدهار والرفاهية في حياتهم.
ان العلم من أهم عوامل تقدم الأمم، بمعنى أن أية أمة تريد تحقيق تقدمها، يكون لزاماً عليها ركوب سفينة العلم، ثم ان الدين الاسلامي هو الذي يهيئ النفوس والأرواح لتقبل العلم، فبخلاف ما هو متصور فإن ديننا يسير بشكل متوازٍ مع حقائق العلم، وكلما مضينا قُدماً في العلم حصلنا على شواهد تؤكد حقيقة العلاقة العضوية بين الدين والإيمان، وهناك ما لا يعدّ ولا يحصى من هذه الشواهد، لكننا نذكر إكتشافين مهمين خلال الأيام القليلة الماضية؛ أحدهما يتعلق بالخمر حيث أن تناوله يؤدي إلى تقلّص المخ، والأكتشاف الثاني هو أن الموسيقى الصاخبة تؤدي إلى فقدان حاسة السمع.
وما من محظور في الإسلام إلا وكان فيه ضررٌ نفسيٌ أو جسدي على الإنسان، وهذا بحد ذاته يكشف جانباً إعجازياً في هذا الدين الحنيف، فبعد آلاف السنين يكتشف الناس صحة الأحكام الإسلامية وفائدتها بشكل علمي وعيني، فقد اكتشف العلم الحديث ديدان في لحم الخنزير، وأثبت أضرار لبس الذهب على كريات الدم البيضاء عند الرجال، كما أثبت بالأدلة القاطعة الضرورة القصوى للختان عند الرجال، والصوم ومجمل الأمور الحياتية في المجالات والميادين كافة.
إذن، يمكن أن يكون العلم في خدمة الدين، كما يمكن أن يستفيد المؤمنون من الوسائل العلمية، ويمكن أن يعمل الدين على تهيئة النفوس لاستقبال العلم وتطويره، لكن يحدث ذلك كله بشرط توفر علاقة سليمة بين المسلمين وبين قيم العلم؛ فالإشكالية الموجودة هي عدم وجود علاقات مثالية وسليمة بين الفرد المسلم وبين العلم الحديث، فهذه العلاقة دائماً ما تتسم بالتطرف والمغالاة، ويمكن تصنيف المسلمين وفق هذه العلاقة في حالتين: الأولى: من يتخذ العلم صنماً يعبده ويعتقد بكل ما يصدر عنه حسناً كان أو سيئاً، وينبذ الدين وكل تعاليمه على إنه شيء من التاريخ ولايصلح إلا أن يوضع في المتحف، فهذا الرجل لايستطيع أن يقدم شيئاً لأمته لأنه ببساطة منفصل ومنعزل عن الأمة التي تعتقد بالدين ولاتريد الأنفصال عن قيمها، أما الصنف الثاني؛ فهم أولئك الذين يعتقدون بالدين ويلتزمون بتعاليمه غير انهم لايعرفون كيف يتصرفون مع العلم الحديث؛ أ فيرفضونه؟ أم يوافقون على جزء منه؟ ثم كيف يستفيدون منه؟
إذن؛ أمامنا رجلان: أحدهما عاجز عن التواصل مع الأمة نتيجة انسلاخه من عقائد الأمة، والآخر صاحب عقيدة وإيمان لكنه عاجز عن الاستفادة من العلوم الحديثة، والنتيجة تكون أمة ذات إيمان شكلي ومحشو بالجهل والتخلف.
أمام هذا الواقع المرّ، ربما يتنصّل الجانبان عن تحمل المسؤولية، لان كل جانب يعد نفسه على حق، أو اذا كان ثمة تحرك او نيّة في نهضة وتغيير، فان كل طرف يفرض على الآخر البداية والمبادرة، لكن حقائق الزمن والواقع تؤكد أن للإنسان دوراً لايمكن إخفاؤه في تخلف الأمة، لكن كيف ذلك؟
إن بامكان كل إنسان القيام بدور إيجابي أوسلبي في مسألة تطور أمته وتقدمها، ويجب أن نتساءل بوضوح؛ هل هناك فئة تعمل من أجل تطور الأمة؟ وهل من الممكن ملاحظة هذا التطور في الواقع؟
لنراقب الأحداث التي تقع يومياً في بلداننا، أ يجري الحديث في الأخبار عن اكتشافات واختراعات علمية؟ أم أن الأخبار التي يستمع إليها المتلقي من وسائل الاعلام عن البلدان العربية والإسلامية هي أخبار القتل والحرب والدمار والعمليات الانتحارية، يعني أن هذه الشعوب تدمر بلدانها بأيديها، تدمر حضارتها بالمعول الذي بيدها، تدمر الإعمار بالقنابل التي تتفنن في صنعها، تدمر كيانها بالأعمال الطائفية التي تقوم بها.
فاذا حصلت أمور كهذه، إذن كيف ستتقدم الأمة؟ وكيف تبني مجدها وعزها؟ والسؤال الأهم: هو هل سفك الدماء تحت إسم الجهاد والدين، هو نفس ما أتى به نبي الإسلام الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
إذن لابد أن نستفيد من العلم لتصحيح نظرتنا الخاطئة عن الدين، ولابد أن نستعمل العقل في إدراك مغازي الرسالة المحمدية وأهدافها، حتى لانقع في المطبات التي سقط فيها الآخرون، ولابد أن ينتبه المسلمون إلى خطورة الفكر الوهابي التكفيري المنحرف الذي لايزيد الأمة إلا خسارة وانحطاطاً على ما فيها من التخلف، وبلا شك أن مثل هذا الفكر الذي لايمت للفكر الديني ولا للفكر الإنساني بأية صلة، لذا نجده ينتشر في بؤر التخلف والجهل والأمية، ومن هذا الباب يجب أن نعمل معاً شيعة وسنة في نشر الوعي والثقافة الإسلامية الأصيلة حتى لانسمح لدعاة الجهل والهمجية، أن يستغلوا سذاجة بعض الناس وبساطتهم ويخدعوهم بـ (غداء في الجنة)! أو بـ (عشاء مع النبي)! حتى يجعلوا منهم مطايا لمآربهم الدنيئة، كما لابد من تصحيح العلاقة بين الدين والعلم، ويجب أن يقول العلماء كلمتهم الفاصلة تجاه هذه القضية ولايجوز الاكتفاء بالشعارات والكلمات الجميلة بان (أن الدين يدعو إلى العلم)، في وقت نلاحظ المقاطعة التامة بينهما.