قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

في رحاب العبادة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *علي ضميري
أهم أهداف الخلقة، بل إن جميع الأهداف تتكتل لتكون هدفاً واحداً من إيجاد الإنس والجن وكل الخليقة، وهو: عبادة الله والخضوع له مع النية الخالصة عن طريق المعرفة به سبحانه وتعالى.
قال الله عزوجل: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات/56)، وقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (أول العبادة، معرفة الله)، إذ لايمكن لأحد أن يعبد الله ربّه دون أن يتعرف إليه، ولو بمقدار بسيط، حيث على مقدار المعرفة تكون العبادة ومدى صحتها وقبولها، خصوصاً وأن العبادة ليست كثرة الصلاة والصيام، بادئ الأمر، وإنما العبادة الحقة، هي تلك القائمة على أساس التفكر، وبالتفكر تحصل المعرفة، والمعرفة هي أرقى أنواع العبادة.
وعليه؛ فإن الفرائض العبادية مثل الصلاة والصيام والحج وغيرها، إنما هي بمنزلة القيم والرؤى التي ينبغي لمن يريد التقرب إلى ربه وكسب مرضاته، الالتزام بها؛ فالصلاة – مثلاً- تبني عقيدة الإنسان الصحيحة ولها دور كبير جداً في أن يكون كائناً صالحاً، كما أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولن يبقى أمام الانسان إلا أن يكرس الإرادة الخالصة في أن يبتعد عن الموبقات، بمعنى أن الصلاة نفسها تساعد في تشذيب الإرادة الإنسانية، لكن لا تكون الإرادة بحد ذاتها، وهكذا هو شأن سائر أشكال العبادة المتوجبة على الإنسان.
كما تعلم الصلاة الإنسان وتحدد له موقفه من ربه وموقف ربه منه، كما ترشده إلى الكيفية الصحيحة في التعامل مع الأمور والأشياء من حوله؛ فهي تعلمه أن ربّه المتعال أكبر من أن يوصف، وأعظم من أن يتحدد بفكر أو عقل.. فيبدأ صلاته بالقول: الله أكبر، ثم إنه يشرع بالبسملة الشريفة وذكر صفة الرحمن والرحيم، لتتحصل له القناعة التامة بأن الإنسان المخلوق ضعيف عاجز عن فعل شيء، لولا إرادة الله واسمه المقدس، وأنه لولا الرحمة الإلهية بأنواعها ونماذجها الخارجة عن العد والحصر، لما كان له نصيب من الوجود، ولما استحق عيشةً ولا ثواباً من عندالله الرحمن الرحيم.
كما تعلم الصلاة معنى العبودية والإستعانة، بل تدلّ على أسباب العبودية والإستعانة بالله، بوصفه رب العالمين وكونه مالك الدار الآخرة ويوم الدين، وتكشف الصلاة للإنسان المصلي أن هناك طريقاً حقاً للهداية، وأن من الضروري التضرع لله تعالى والطلب منه أن يهديه إلى هذا الطريق، وهو الصراط المستقيم، وأن هناك علامات واشخاصاً يتمثل فيهم هذا الطريق، وأنه لابد من ملازمتهم، وهم النبيون والأئمة المعصومون عن الخطأ دائماً.. دون الذين يخطئون فيحل عليهم الغضب ويصبحون من الضالين.
وتستمر الصلاة لتعلّم الراغب في عبادة الله كيفية تمثّل الطاعة عبر الانحناء والركوع، وكيفية الاندكاك في التواضع والخضوع لله عبر السجود، وتمثّل حالة استصغار الذات واسترخاصها في حضرة الرب العلي الأعلى المهيمن على كل شيءٍ، والسيد فوق كل شيء..
نعم... إن الصلاة مع شرفها وقدسها، تمثل مشروعاً تعليمياً لمن أراد أن يعي مكانته ودوره في الحياة، ويعي حقيقة الهيمنة الربانية عليه.. ولهذا السبب وغيره، فقد عدّ القبول لها وإصدار الثواب لها، قريناً بمدى فهم المصلي ووعيه لأبعادها، ولما يمكن أن تزوده بالمعرفة بنفسه ومعرفته بالله سبحانه وتعالى، وذلك بعد تبييت النية الخالصة في إرادة نيل شرف القرب من الله تبارك اسمه.
فالصلاة أصبحت في التعريف الشرعي: (عمود الدين)، وهو الدين الذي ينبغي أن يحوله الإنسان صانعاً وصائغاً لإرادته وشخصيته، بمعنى أن الصلاة وغيرها، هي أنواع عبادات يفترض لها- بعد استيعاب قيمها ومفاهيمها- أن تصنع نية الإنسان وتربيّه على أن لايطلب غير الله ربه، ولايطلب من غير الله ربّه، ولا يسير بغير اتجاه ربه.
وهكذا هو شأن الحج مثلاً، الذي نجد في أفعاله الواجبة والمستحبة ونواهيه المحرمة والمكروهة، دورةً تربوية عظيمة.. تفضي بمجموعها ومافيها من التعب والجهد والحرمان إلى حصول الإنسان الحاج على التقوى لتكون له بمنزلة الشحنة والطاقة لباقي أيام سنته بعد انقضاء موسم الحج، حيث يتعلم في مراسم الحج وشعائره كيف يتحصن عن ارتكاب المعاصي، وكيف يرغب في اكتساب الحسنات بعد أن أحرم وطاف وسعى وصلى ورمى وضحّى، ووقف في عرفات خالصاً مخلصاً، ولهذه جميعاً دلالات ومفاهيم من شأنها أن تنهض بتربية الإنسان وتسمو بأفكاره وعقائده.
ومن البديهي أن مراتب الناس تتفاوت بتفاوت مستوياتهم الإيمانية والعقائدية، ولهذا يلحظ التفاوت في طبيعة عباداتهم والنوايا التي تقف وراءها، إذ هي بدورها تتنوع أيضاً؛ فهناك عبادة الشاكرين الذين يعبدون ربهم لما أولاهم من الفضل والنعمة، اقراراً منهم بفقرهم كمخلوقين، بغنى الله عنهم، وهناك عبادة المقرّبين الذين يعبدون ربهم، طلباً للتقرب إليه ونيل مرضاته، فهم يذكرون الله أبداً، وهناك عبادة مدعاها الخجل من الذنوب، إذ ان أصحابها يضعون نصب أعينهم دائماً أن الله سبحانه وتعالى مطلع على أعمالهم، وهناك العبادة التي تصل بأصحابها إلى استشعار اللذة من العبادة والدعاء والمناجاة بعد وعيهم المتكامل بمعاني مفردات وحركات العبادة، فهم يحبون العبادة ويهجرون كل شيءٍ غيرها، وهناك عبادة المتولّهين الذين لايهدفون من عبادتهم إلا نيل مرضاة الله، مهما كلّفتهم من ثمن وألم وعذاب، والارقى منها، عبادة العارفين الذين بلغوا مرحلة الاقتناع التام بأن الله أهلٌ للعبادة، فعبدوه لاطمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره..
وحيث قدّمنا القول بأن العبادة ليست مجرد هذه الممارسات العبادية المعروفة مثل الصلاة والصوم والحج، وليس مجرد الإكثار منها، وحيث قدمنا أيضاً بأن الإنسان موجود فقير إلى خالقه، وأن الله هو أصل وجود المخلوقات وعلّتها الأصلية، وأنه الغني عن مخلوقاته وعن عبادتهم.
فإننا نفهم من خلال ذلك أن ممارسة الصفات الأخلاقية الحميدة، بعد تكريس العقائد الحقة في الذهن، كلها أشكال راقية من العبادة، لننتهي فيما بعد إلى التأكيد على أن لأنواع العبادة شروطاً مهمة جداً يتوجب على العابد تحقيقها في ذهنه وسلوكه لتأخذ العبادة مصداقيتها الصحيحة، ومن هذه الشروط: تحضير النية الخالصة، فلا تكون العبادة لتحقيق مصلحة دنيوية، مهما كان شكل هذه المصلحة، ومهما حاول الشيطان التمويه عليها والوسوسة بها؛ والشرط الثاني: استحضار النية وحضور القلب وتوجه الإنسان لما يعمل، وبمقدار هذا التوجه والحضور يكون مستوى القبول من جانب الله المقصود بالعبادة، فهذا الأمر يضفي على العمل قيمته، ويكشف عن احترام الإنسان لما يقوم من العبادة، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فهو يراك).
وشرط آخر مهم تأخذ العبادة به مصداقيتها، وهو وعي العابد وعلمه بقيم العبادة ومفاهيمها، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك: (لا خير في عبادة لا علم فيها)؛ فالمفترض أن يرتقي الفرد العابد بالصلاة أو الأخلاق وجميع الممارسات الدينية من درجة العلم إلى درجة اليقين والتصديق، يقين بوجوب العبادة، وتصديق بمفاهيم على أعلى المستويات، وناقصة هي العبادة التي تفتقر إلى ترقي العابد وتكامله نحو اليقين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا عبادة إلا بيقين).
وهناك شرط آخر، هو على غاية من الأهمية، ولعله المفتاح الذي تفتح به سائر أبواب الشروط الأخرى، وهو: توثيق الصلة والثبات على ولاية أهل البيت عليهم السلام، وهو الذي يعبّر به بإلحاق الصلوات على النبي وآله بالعبادة.
ومن المؤكد أن التعبير عن ولاية أهل البيت عليهم السلام في هذا المقام بالصلوات عليهم وذكرهم بالثناء والبركة، هو لأنهم هم الذين جعلهم الله تعالى أدلاّء للعباد على العبادة الصحيحة والمطلوبة، فهم الذين يعلمون الناس معاني العبادة ويكشفون لهم آفاقها، وهم – دون غيرهم- من يقرّبون الناس إلى ربهم، لأنهم المعصومون المطهرون الذين لايتكلمون إلاّ عن علم مأخوذ عن الوحي مباشرة، ولايمكن أن يورّطوا الناس في الأخطاء أوالإجتهادات الباطلة، ولذلك بات من الضروري ذكرهم في كل صلاة ودعاء ومناجاة، وذلك على الأقل عرفاناً للجميل.
ومن ثمرات العبادة، الفوز بتحصيل وإحراز معنى العبودية والإنسانية، وذلك لأن من لايعبد الله كما يخرج عن إطار كونه مخلوقاً، فإنه يخرج عن إطار الإنسانية، بل ويتنزّل إلى ما دون مستوى الأنعام والحيوانات، فهو متمرد على واجده، ومن ثم لا يمكن تصور منزلته وحقيقته إلا حيث يحشره الرب العزيز في جهنم وساءت مصيراً.
كما إن العبادة تهطل على الإنسان العابد بكل خير ورزق؛ وهما اللذان صوّرهما الله تعالى لعبده الإنسان، فكان ما عند الإنسان نافد، وما عندالله باق.
والعبادة تفضي في النهاية إلى السعادة، لان الإنسان بها يعي حقيقة علاقته بربّه، وقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (الدوام على العبادة علامة السعادة)، كما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام: (من أدّى لله حق العبادة، أعطاه الله خيراً من أمله).
والعبادة بحاجة ماسة إلى نبذ الحرام وأكله، لأن العبادة مع تناول الحرام، تجعل منها كما البناء على الرمل أو الماء، وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن لله ملكاً ينادي فوق بيت المقدس في كل ليلة: (لايقبل الله من آكل الحرام صرفاً ولا عدلاً).
وأخيراً... لابد من الإشارة إلى أن كلاً من أنواع العبادة لها قدسيتها وفضلها وأفضليتها، ولطالما تواترت الأحاديث والروايات الشريفة في التأكيد على هذه الحقيقة وتكامل معانيها. ولكن المهم في الأمر هو نوع النية وطبيعة الوعي بمفاهيم العبادة.