قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

القيادة؛ برؤية شيعية
*علي ضميري
ما يميزنا نحن الشيعة الاثني عشرية عن غيرنا من المسلمين، أننا نعِد أمر قيادة الناس والحكم فيهم عائداً الى الله سبحانه وتعالى، لأنه ربهم وخالقهم والأعرف بمصالحهم والأنظر لشؤونهم، وقد قال جل وعلا: (إن الحكم إلا لله)، أما الأنبياء والمرسلون (سلام الله عليهم)، فهم خلفاء لله تعالى في أرضه وعلى عباده، وقد عصمهم عن الخطأ، فهم مجعولون بجعل إلهي، ومنصّبون ضمن بعثة ربانية ليبشروا الناس برحمة الله، وينذروهم عذابه، وليديروا شؤونهم ويعلموهم معالم دينه وتفاصيله.
ومن بعد الأنبياء، من حيث الترتيب المنطقي يأتي خلفاؤهم وأوصياؤهم من الأئمة الذين يلونهم، فشرعيتهم مستمدة من شرعية النبي الذي يخلفهم في أمته، وشرعية النبي مستمدة بدورها من حكومة الله على عباده.
كما أننا نؤمن بأن مقام منصب الإمامة الخاص بخلفاء نبينا الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، أعلى من مقام سائر الأنبياء (عليهم السلام)، بدليل ان النبي إبراهيم (عليه السلام) الذي هو أفضل الأنبياء بعد نبينا، قد تحققت له الأفضلية هذه بعد العديد من الإمتحانات والابتلاءات، حتى ابتلاه ربه المتعال بكلمات فأتمهن عليه، وهذه الكلمات هي خلاصة معرفته بمقام النبي المصطفى ومراتب الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من بعده، فهو حيث أتمهن، توصل إلى أعلى درجات المعرفة بشأنهم، وبذا أصبح جديراً بأن يجعله الله تعالى إماماً وإمامته هذه أعلى مرتبةً من نبوته، حيث تقول الآية المباركة "إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين".
أما نبينا المصطفى (صلى الله عليه وآله)، فهو الوحيد من الأنبياء الذي جمع الله تعالى له النبوة والإمامة منذ البداية، وجعله أفضل الأنبياء على الإطلاق وأفضل الأئمة عموماً، ولذلك كان سيّد أهل البيت (عليهم السلام).
وحيث الأيام والظروف في تغير مستمر، فان الحكمة الربانية تكون متعددة الأشكال، لذا كان مقدراً أن تكون الإمامة بعد رسول الله للإمام الثاني عشر المحجوب الرؤية عنّا، وهو إمام زماننا (عجل الله فرجه الشريف)، فأضحى انتفاع الناس به اثناء الغيبة كالانتفاع من الشمس حيث تحجبها الغيوم.
وكان لابد له من وكلاء خاصين في بداية الغيب، تأهيلاً للناس، وعامين لدى تعاقب الأيام، حتى يأذن الله تعالى له بالظهور التام، وفق شروط وظروف خاصة وتوقيت لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.
وليست الغيبة مما يمكن الاستهانة بها والاستشكال عليها، إذ كثير من حجج الله على عباده وأنبيائه في خلقه كانت لهم غيبات وغيبات، وبقوا مجهولين للناس حتى إذن الله سبحانه لهم بالظهور والإعلان عن أنفسهم وعن نبوتهم ورسالتهم، مثل إبراهيم وموسى والخضر ويوسف (عليهم السلام) وغيرهم، ولكل واحدة من غيباتهم حكمة ربانية منها المعروفة للناس، ومنها التي بقيت مجهولة حتى عصرنا الحاضر.
والمهم بالنسبة لنا، أن أمر قيادة المؤمنين في عصر الغيبة منوط بعلماء وفقهاء الأمة، حيث يبلغون هذه المرتبة بعد أن يطبقوا على أنفسهم المواصفات والمؤهلات التي بينها الإمام الغائب بنفسه،والتي طالما شرحها وبينها للناس، كما أوضحها غيره من الأئمة من آبائه وأجداده (عليهم السلام).
ومن هنا؛ كان لزاماً وحتماً على غير العلماء وغير المتفقهين بأمور الدين وتفاصيل أحكامه أن يحذوا حذو الفقهاء ويسلموا لهم مقاليد دينهم لأنهم أعرف بها منهم، شأنهم في ذلك شأن أي مريض يحتاج إلى متخصص بأمر الطب ليحدد له مرضه ويصف له علاجه وشأنه شأن أي راغب في بناء بيت، أن يرجع إلى مهندس يضع له خارطة هندسية لبناء بيته.
بمعنى أن الدين هو شأن تخصصي لايسمح للجاهل وغير البالغ مرتبة الفقاهة والإجتهاد أن يقتحمه ويدلي فيه برأيه الخاص، إلا اذا كان في اطار الاستشارة والسؤال والبحث فهو من الامور الحسنة.
وحيث أن الدين الإسلامي هو الذي جعله الله تعالى سبيلا لمرضاته، ومقياساً لقبوله أعمال عباده، فإن العلماء بأحكامه والفقهاء بتفاصيله، هم وفق تفويض الإمام المعصوم، يعدون قادة الناس إلى الخالق سبحانه وتعالى، وعليه يكون محرما على أي شخص، لاسيما أفراد المذهب الشيعي الاثني عشري التصدى لمقام الفتوى وقيادة الناس دون الوصول الى الكفاءة اللازمة، لأن التدخل والفضول في أمر الدين وقيادة العباد تحتمل الوقوع في الأخطاء كما يستدعي الوقوع في جريمة تحريف الأحكام، وإدخال ما ليس فيها، وإخراج ما هو متأصّل فيها، وجر الناس إلى الذنوب والموبقات باسم الدين.
والتحذير يعمّ افراد المجتمع، سواء الرئيس أو المدير أو التاجر او المثقف او الكاسب وغيره من فئات وأطياف المجتمع، والضمانة لسلامة الجميع هي العودة إلى العالم الجامع لشرائط الفتوى، ليكون ذلك تكريساً لحكمة قيادته للأمة، أما من يعِد نفسه شيعياً إثني عشرياً، ثم يؤسس لنفسه حزباً أو تكتلاً ما، ويسعى إلى قيادة الناس وإصدار الأوامر والنواهي لأعضاء حزبه وتكتّله، بعيداً عن رأي الفقيه المرجع، أو ان يحاول جرّ المرجع لأن يكون ذراعاً من أذرع الحزب والتكتل، فان تجمعاً كهذا لابد من الشك في انتمائه للإمام صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
فاذا ما حصل وأعلن تجمع سياسي عن تصديه للقيادة بمنأى عن قيادة الفقيه الجامع للشروط، فان ذلك يعكس نظرته إلى منزلة الإمام المعصوم، وحتى إزاء القيادة الرسالية التي نستلهمها من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، حيث يتحدث البعض عن اقتصار عصمة النبي في تبليغ الرسالة والوحي وحسب، أما الأمور الأخرى فمن الممكن وقوع النبي الأكرم في أخطاء خلال حياته اليومية، شأنه في ذلك شأن سائر الناس! أما أهل البيت (عليهم السلام)، فانهم مجرد أشخاص لهم كرامة يمكن الوصول لها، وأنهم أئمة وعبادٌ صالحون لا أكثر.
هذه الرؤية المنقوصة والمشوهة من شأنها ان تبعد الانسان عن الطريق الصحيح في اختيار النموذج الأصلح والافضل في الحياة، وقد قدم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هذا النموذج دون أن تكون لديهم أدنى رغبة في الزعامة والتسيّد على الناس، وهو ما لايستغني عنه أي حاكم او صاحب فكر وثقافة يريد قيادة الناس والتأثير عليهم، ويشهد التاريخ والمفكرون والاجيال على أن الفترة التي قضاها المسلمون في كنف الأئمة الاطهار حتى غياب الامام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، كانت من أكثر الفترات بركة وخيراً، ولذا أوصى الامام الحجة المنتظر ومن قبله الأئمة الاطهار على اتباع الفقهاء الحاملين لعلومهم وأنوارهم لئلا يضل الناس الطريق ويكونوا ضحية أطماع السلطة والاهواء والمصالح الشخصية كما حصل ويحصل.