قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
(معجم أنصار الحسين- الهاشميون)
رجال السيرة الكربلائية مرّوا من هنا
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة د. نضير الخزرجي*
مرت على تاريخ البشرية منذ أبي البشر، أحقاب وأمم، وبادت حكومات وسادت دول، وانهارت حضارات وقامت مدنيات، ودب على أديم الأرض مليارات ومليارات من بني البشر، ولكن كم من الأسماء من شرها وخيرها قيدتها كتب التاريخ وحفظتها سجلات الأمم، وخطتها أقلام الكتاب؟
ليست الإجابة صعبة، فما نحتفظ من أسماء هي أقل من القليل، بل أقل من كل قليل، بيد أن الثابت أن الأسماء المنقوشة في الأذهان هي لشخصيات - ذكرانا وإناثا- رسموا بفرشاة سلوكهم لوحة التاريخ، فجاءت اللوحة منيرة في جوانب ومظلمة في أخرى، وهي تحكي بألوانها وأطيافها، دورة حياة الأمم التي مرت من هنا، من قطب المركز البشري، وتعكس ماضيهم وآثارهم.
يتذكر الناس كل الناس إبراهيم (عليه السلام)، ولا ينسون نمرود، ويتذكر الناس موسى (عليهم السلام) ولا ينسون فرعون، ويتذكر الناس الحسين (عليه السلام) ولا ينسون يزيد، ويتذكر الناس هتلر ولا ينسون خراب القارة الاوربية، ويتذكر الناس أفلاطون وكونفشيوس ولقمان الحكيم وجابر بن حيان والفراهيدي ونيوتن، ولا ينسون محاكم التفتيش التي أزهقت روح غاليلو، ولا ينسون إعدام مكتبات مصر وايران لدى اقتحامها على يد (الفاتحين)، ولا مكتبات بغداد في الغزو المغولي، ولا مكتبات الأزهر إثر سقوط الحكم الفاطمي؛ فكل هذه الحوادث لها شخوصها ورجالاتها عملوا ذات الخير وذات الشر، ومن يترك أثرا يبقى اسمه ورسمه وإن غاب بدنه.
ولا يخبو ضوء الذاكرة عن دائرة كربلاء أبداً، ولا يبتعد عقرب التاريخ عن عاشوراء بتاتاً، فواقعة الطف حيث شهادة سيد شباب أهل الجنة وسبط الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) شاخصة للقريب والبعيد، محفورة في ذاكرة المحب والموالي، وقريبة من أوعية الناس، كل الناس؛ مسلمهم وغير مسلمهم، مؤمنهم وملحدهم، إذ لا يوم كيوم الحسين في كربلاء، ونهضته المباركة معلم من معالم البشرية التي تسقى شجرتها كل حين من ماء الوجود، فهي حركة نابضة أحيت النفوس والأرواح وأزالت الغبش عن البصائر والأبصار، قرأها غاندي في الهند وتعاطاها هوشي منّه في فيتنام، وقبل ذلك تمثلها المسلمون عبر حركات التحرر، وما زالوا؛ فهي مركب الحرية يمخر عباب الزمن.
يواصل المحقق الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي في موسوعته الحسينية، تثبيت الأسماء اللامعة التي حضرت كربلاء عام (61)هـ واستشهدت أو أسرت، وبخاصة من البيت الهاشمي، فضمه الجزء الثاني من (معجم أنصار الحسين – الهاشميون) الصادر العام 2008م في طبعته الأولى عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، وجاء الكتاب في (620) صفحة من القطع الوزيري، بدءاً من حرف الباء وانتهاءً بحرف العين وفق التسلسل الهجائي.
حديقة الأسماء
من ثوابت العلاقة بين الأب والابن أن يحسن الأول اختيار اسم وليده، لأن الاسم له مداليل كثيرة، وله تأثيرات نفسية تؤثر على مسيرة حامله، ولذلك نجد بعضا يأنس لاسمه وبعضا يحمله على مضض، والبعض الآخر يتوارى من الناس من سوء ما سُمّيَ به، ولذلك نجد أن الرسول محمد (ص) غيّر أسماء عدد من الصحابة عندما وجدها لا تتناسب وحال الرجل، أو تتعارض مع الطبيعة الإنسانية بل والعقائدية، فعبد العزى تحول إلى عبد الله، وحزن إلى يسر، وحرب إلى سالم، وعاصية إلى جميلة، وما شابه ذلك.
ومن يقرأ رجالات النهضة الحسينية، يكتشف حرص أهل البيت (عليهم السلام) على استذكار رجالات الإسلام، من خلال التقيد بإطلاق أسماء محمد وجعفر وحمزة وعبد الله على الأبناء والأحفاد وإن تعددوا في محيط الأسرة الواحدة،، وقد حلوا إشكالية تعدد الأبناء بعلي الأكبر وعلي الأصغر، أو بمحمد الأكبر ومحمد الأصغر، أو بجعفر الأكبر وجعفر الأصغر، أو بعبد الله الأكبر وعبد الله الأصغر وعبيد الله، وهلم جرا. وهذه إشارة بضرورة إحياء ذكرى رجالات الأمة من خلال إطلاق أسمائهم على الأبناء، ومع تقدم الحضارة الإنسانية واتساع المدينة صارت أسماء الرجال تطلق على الشوارع والأزقة والمؤسسات الرسمية والأهلية، كواحدة من علامات العرفان بالجميل لهذه الشخصيات وجهودها المضنية في تحريك عجلة التطور والنمو والإعمار بأشكالها كافة، وبهذا يكون أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم قدوة البشرية في الخير قد ارسوا مثل هذه الخصلة الحضارية.
ولا أعتقد أن تداول الأسماء داخل الأسرة العلوية كون حمزة بن عبد المطلب هو عم الرسول (ص)، أو لأن جعفر بن أبي طالب هو ابن عم الرسول (ص)، وإلا فان للرسول أعماما آخرين، وإنما لخصوصية في حمزة وجعفر وفاطمة الزهراء (ع) وغيرهم، ودورهم الفاعل في تثبيت أركان الحضارة الإسلامية وأوتادها، هذه الخصوصية هي التي حملت أهل البيت (ع) على استذكار رجالاتها من ذكور وإناث، ولم يقتصر التكريم على أهل البيت (ع) فقط، وإنما امتد إلى المسلمين كافة، فعلى سبيل المثال، فان جعفر الطيار الذي استشهد في معركة مؤتة عام 8هـ، كان يكنى بأبي عبد الله، ولهذا صار كنية كل من تسمى جعفرا (أبو عبد الله)، وحسب المصنف: (وقد درجت تكنية جعفر بأبي عبد الله لمكانة جعفر الطيار عند المسلمين)، كما صارت كنية محمد (أبو قاسم) والمحرفة لدى العراقيين (أبو جاسم) لمكانة النبي الأكرم وابنه القاسم، وكنية علي (أبو حسين) وكنية حسين (أبو علي) لمكانة الأئمة: علي وابنه الحسين وحفيده علي (عليهم السلام) لدى المسلمين.
على أن التسمية وعدمها ليست بالضرورة أن تحمل إلينا رسالة يؤخذ لها أو عليها كما يقول الفقيه الكرباسي، فأهل البيت (عليهم السلام) كان عندهم من الأبناء من اسمه أبو بكر وعمر وعثمان إلى جانب عبد الله ومحمد وعلي وجعفر وحمزة ومسلم وغير ذلك، وإنما التسمية كما يضيف: (كانت ولازالت من المساحة التي أخذ الناس فيها حريتهم فهناك الكثير من الشيعة ممن سموا أبناءهم بزياد وعمر ومعاوية وأبي بكر ويزيد وسعد وعثمان وأمثالهم، كما أن هناك الكثير من السنة ممن يسمون أبناءهم بأسماء أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وبأسماء آلهم).
رجال وأدب
مما لا يدركه البعض أن الشعر وبخاصة المنشد في القرون الأولى، له أن يخدم الباحث في علم الرجال، وقلما اعتمده الرجاليون الذين انكبوا على كتب الرجال والسيرة، ولكن المؤلف الذي يسعى إلى اكتشاف المعلومة بحفر جدار التاريخ ولو بإبرة معرفية دقيقة، توجه إلى الشعر لبيان عدد الذين اشتركوا في واقعة كربلاء من أهل البيت (عليهم السلام) أو من صحابة الإمام الحسين (عليهم السلام)، فبعض القصائد والمقطوعات أشارت إلى بعض الأسماء المشاركة في ركب النهضة الحسينية، والشعراء وبخاصة القريبون من الحدث إنما ينشدون عن واقع عاشوه أو سمعوه من قريب، فعلى سبيل المثال أوقع ترادف أسماء البيت الهاشمي من آل علي وآل عقيل، علماء الرجال والحديث في حيرة عند فرز الشخصيات، ولكن بالرجوع إلى الشعر ربما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر المعلومة الصادقة، من ذلك يقول الشاعر سراقة الباهلي المتوفى عام 79هـ في بيان عدد أهل البيت (عليهم السلام) الذين استشهدوا في كربلاء، فينشد من الخفيف:
عينُ فابكي بعَبرةٍ وعويلِ ** واندُبي إن ندَبتِ آل الرسولِ
سبعةٌ منهم لصلبِ عليٍّ ** قد اُبيدوا وخمسةٌ لعقيلِ
وقيل إن الأبيات وهي ثمانية لسليمان ابن قتة العدوي المتوفى عام 126هـ، وقيل لمسلم بن قتيبة الباهلي المتوفي بعد عام 147هـ، لكن المحقق الكرباسي توصل إلى إن البيتين الأولين هما لابنة عقيل ابن أبي طالب وجاء سليمان أو مسلم وغيَّر في بعض كلماتها وأضاف إليها بعض الأبيات.
وقد يرد البيت باختلاف العدد كقول الكميت بن زيد الأسدي المتوفى عام 126هـ، من السريع:
وستةٌ لا يُتمارى بهم ** بنو عقيلٍ خيرُ فرسانِ
ويبحث المصنف في هذه الأبيات وغيرها لينتهي إلى القول: (ومن هنا يمكن فصل الأبناء عن الأحفاد، أو تخصيص من اشتهر منهم دون غيره أو من بارز منهم دون من قتل دون مبارزة، أو تخصيص الذكر بمن قتل في كربلاء دون من قتل في الكوفة كمسلم بن عقيل، أو من استشهد من الرجال دون النساء وكل هذا وارد، كما إن الاختلاف ربما يكون من رسم الخط أو النساخ وارد أيضا).
وعلى غير عادة أهل الرجال فان الشيخ الكرباسي اعتمد الشعر حتى في ضبط الاسم وجذره، من حيث اللغة والاصطلاح والإعراب، مثال ذلك الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفى عام 92هـ، حيث أورد قول ابن مالك محمد جمال الدين المتوفى عام 672 في ألفيته وأرجوزته لبيان جواز دخول الألف واللام على اسم فاعل أو صفة استخدم علماً كالحسن والحارث:
وبعضُ الأعلامِ عليه دخلا ** لِلَمح ما قد كان عنه نُقلا
كالفضل والحارث والنعمان ** فذكرُ ذا وحذفُهُ سيّان
ملاحظات رجالية
كثيرة هي الملاحظات التي يخرج منها القارئ لهذا الكتاب المنطوي على أسماء كثيرة ومتشابهة، فهناك محمد وعلى جناحيه محمد الأكبر ومحمد الأصغر، وهناك جعفر وجعفر الأكبر وجعفر الأصغر، وهناك عبد الله الأكبر وعبد الله الأصغر، فمثل هذه الأسماء التي ترد في واقعة واحدة، قد يبدو من السهل التعامل معها رجاليا (علم الرجال)، ولكن الصعوبة كامنة في التثبت من هذه الشخصية وتلك، بخاصة وإن كتب التاريخ القريبة من الحدث لم تنج من زلة الخلط ووهم التصحيف، مما أوقع المتأخرين بما وقع فيه المتقدمون، لكن علم الرجال كأي علم من العلوم لم ينضب معينه، وهو خاضع للملكة العلمية للباحث ومدى قدرته على التنقيب والفرز، وعدم الاتكاء على ما خطه الماضون في كتب الرجال والحديث فقط، وهذا ما فعله الرجالي آية الله الشيخ الكرباسي، في هذا الجزء والجزء الأول وجميع مجلدات دائرة الموسوعة الحسينية الستمائة التي صدر منها حتى يومنا هذا أكثر من خمسين جزءاً.
وما يحصل في الرجال الذين يرد ذكرهم في واقعة الطف، أن المؤلف راح يعيد ترتيب الأوراق الرجالية من جديد مستفيدا من كل حدث والاعتماد على كتب التاريخ والحديث والرجال والسير والمقاتل لدى جميع المدارس الرجالية السنية قبل الشيعية، ويحاول أن يخرج من أسر التقليد الذي ثمل عليه المؤلفون المتأخرون الذين يضطجعون على وسادة التقليد الأعمى، ولا يشمرون عن ساعد التقصي العلمي، وينبهرون أمام الأسماء العلمية الكبيرة، ولا يدركون أن في داخلهم طاقات علمية ربما تفوق طاقات الأقدمين ولهذا فمن توقف قطاره عند محطة الأقدمين فحسب ولم يحرك قاطرة كان حظه من العلم حظ الأقدمين أو أقل من ذلك بكثير، ومن حرك قاطرة جر معه قاطرات أخرى دفعت بالعلوم نحو الأمام، وهذا ما يفعله البحاثة الكرباسي في شبكة الموسوعة الحسينية، ولهذا فان كل مقدمة في باب من أبواب الموسوعة الحسينية الستين هي في واقع الحال فتح علمي وإضافة جديدة، يضع علماء الحاضر والمستقبل أمام تحديات علمية جديدة تصب في صالح مسيرة العلم والعلماء وتخدم البشرية، بخاصة وإن أبواب الموسوعة تنفتح على العشرات من ساحات العلم.