قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

أهل البيت(ع) سلاطين قلوب الناس
*مرتضى الموسوي
ان الدخول إلى العقول والقلوب بغية التأثير عليها، أصعب بكثير من إقتحام المواقع والثغور، ذلك لأن الناس يختلفون اختلافاً بيّنا في طريقة التفكير، وفي مستوى الثقافة وفي القدرات الجسديّة والطبيعيّة والنفسيّة فضلاً عن صعوبة الارتقاء لمستوى الناصح أو الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر ونتيجةً لذلك، تصبح عملية التعامل معهم والتأثير فيهم عمليّة صعبة وشاقة، وتحتاج إلى قدرات ومتطلبات من نمط خاص، لاتتوافر إلا عند الخواص من أهل الايمان، والعلم بمواقع الأمر، وأهل البيت(ع) في مقدمة هذا النوع والطراز الرفيع من القادة الذين تمكنوا من اجتذاب الناس وامتلكوا ازمة قلوبهم، ومفاتيح عقولهم، ومن أهمّ الخصال والخصائص التي يتحلى بها أهل البيت(ع) والتي تمكنوا من خلالها كسب قلوب الناس والولوج إلى نفوسهم مع اختلاف مشاربهم وتباين طباعهم ومستوياتهم هي:
القدوة الحسنة
الناس ـ عادةً ـ لايتأثرون بلسان المقال بقدر ما يتأثرون بلسان الحال، فمن يدعو الناس إلى الجهاد وهو قابع في بيته لن يتجاوبوا مع دعوته، والذي يحث الناس على البذل والتضحيّة والعطاء وهو شحيح لن يلقى آذاناً صاغيّة منهم ويكون سببا في إعراضهم، من هنا ندرك أبعاد نصيحة الامام علي ـ عليه السلام ـ لولاة الأمر عندما قال: (من نصب نفسه للناس إماماً، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه). وهناك شواهد كثيرة تشهد لأهل البيت(ع) بالسيرة الحسنة من كلام طيب وفعال حميدة وخصال فريدة، فقد كانوا قدوة حسنة تتأثر الناس بأفعالهم، ولم يكن ذلك منهم تصنعاً، وانما فعلاً متأصلاً يطبع سلوكهم سواء في ظروف الرخاء واليسر أو في ظروف الشدّة والعسر، ومن الامثلة على ذلك ما جاء في التاريخ ان أحد القادة العباسيين دخل على صالح بن وصيف عندما أمر بحبس الامام العسكري(ع) فقال له: ضيّق عليه ولا توسع!! فقال له صالح: ما أصنع به؟ وقد وكّلت رجلين شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم.
الصبر والرفق
ان كسب الناس يحتاج إلى الصبر عليهم والحلم والرفق بهم، والناس عموماً يمقتون من يتعامل معهم بالقسوة والغلظة، وصدق الله تعالى عندما قال لرسوله الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ: "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ".
وقد وعى أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ـ وهم تلاميذ القرآن ـ تعاليمه بعمق وجسدوها قيماً عالية وسلوكاً سوياً في تعاملهم بصورة خاصة مع أعدائهم فضلاً عن اتباعهم والمحيطين بهم، وما أكثر ما تحمل أهل البيت من خصومهم الذين صبوا عليهم جام غضبهم بمختلف الاشكال والصور من تهم رخيصة واساليب تشنيع دنيئة إلى وسائل قتل شنيعة، وما إلى ذلك من ضروب الجور والظلم والتعسف، ومع كل ذلك كان أهل البيت يشقّون أمواج الفتن بسفن الصبر على ما يصيبهم، ويحلمون عن سفهاء قومهم وفوق ذلك يرفقون بهم ويحسنون إليهم ويغضون الطرف عن أخطائهم وها هنا نجد الإمام أميرالمؤمنين(ع) الذي كفانا لاثبات بلوغه اعلى قمم الإنسانية والكمال من خلال مطالعة القليل في سيرته، يقول عنه يزيد بن بلال: شهدت مع علي صفين فكان إذا أتي بالاسير قال: لن أقتلك صبراً، إني اخاف الله رب العالمين، وكان يأخذ سلاحه، ويحلّفه ان لايقاتله، ويعطيه أربعة دراهم!
وقد سار أبناؤه الهداة المهذبون على نهجه القويم، ينطلقون في تعاملهم مع الأعداء من موقع الحب لهم والرحمة بهم، وكانوا يستنقذونهم من السلوكيات السيئة والأفكار العدائية المسبقة التي زرعها أبواق الدعاية المأجورة لحكام الجور فكانوا لايكتفون بالصبر والحلم عمن يسيء اليهم بل يرتقون إلى قمة الإحسان إلى الآخرين ولهذا فتحت قلوب الناس نحوهم وإكسبتهم المدح والثناء الجميل وهو أمر صرح به حتى العدو اللدود، فعلى سبيل المثال: كان هشام بن اسماعيل أميرالمدينة الاموي يؤذي الامام علي بن الحسين زين العابدين ـ عليه السلام ـ كثيراً فلما عزل من منصبه أمر الوليد ان يقف امام الناس للقصاص، فقال: هشام ما أخاف إلاّ من علي بن الحسين، فمرّ به الإمام السجاد والقى عليه التحيّة والسلام وطلب من خاصته وأصحابه أن لايتعرضوا له بسوء حتى ولو بكلمة جارحة، فلمّا إنصرف الإمام ناداه هشام بقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
التواضع وخفص الجناح
وهما من أبرز الصفات التي تجعل القائد محبوباً في أوساط مجتمعه وقومه مما يجعلانه يؤثر فيهم ويستهوي قلوبهم، فالكبر يشكل حجاباً بين القائد والناس الذين يقودهم، والقائد الذي يعلو بالكبر يصبح معزولاً عن الجماهير وبعيداً عمن حوله. فكان التواضع وخفض الجناح صفتين ملازمتين لأئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فلم يدخل في قلوبهم مثقال ذرة من الكبر، وذلك يظهر لمن اطلع على سيرتهم ومن تابع مسيرتهم سينكشف له هذا الأمر في عدة صور ابرزها: مخالطتهم للفقراء ولعوام الناس، ونستشهد هنا بمواقف الامام أميرالمؤمنين علي ـ عليه السلام ـ لأنه يُعد في هذا الصدد المصداق الجلي، فقد كان اشد الناس تواضعاً، لصغير وكبير، وألينهم عريكة، وأبعدهم عن كبر في زمان خلافته وقبلها.
خدمة الآخرين وقضاء حوائجهم
وفي مفهوم أهل البيت ـ عليهم السلام ـ أن رأس الإيمان هو خدمة الناس، وعندهم أن حق الناس مقدم على حق الله، يقول الإمام علي ـ عليه السلام ـ (جعل الله ـ سبحانه ـ حقوق عباده مقدمة على حقوقه، فمن قام بحقوق عبادالله، كان ذلك مؤدياً إلى القيام بحقوق الله).
فهم اذن يعطون الأولوية لقضاء حوائج الناس لما في العمل الصالح من آثار إجتماعيّة كبيرة فضلاً عن ثماره الدينية الجزيلة، فعن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ: (إن الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة)، ولم يكتف أهل البيت ـ عليهم السلام ـ بنشر المفاهيم وإطلاق الأقوال، بل قرنوها بالواقع والأفعال، فعلى سبيل المثال نجد أن أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ أعتق الف مملوك من كدّ يده.
كل ذلك من أجل انقاذ الناس من قيد الرّق وأغلال العبوديّة إلى فضاء الحرية، وقد بلغ من حبه لقضاء حوائج الناس أنه تصدّق بخاتمه وهو في اثناء الصلاة فنزلت في حقه الآية الكريمة "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" تثميناً لهذا الموقف النبيل الذي يهتف بضرورة قضاء حوائج الناس في الحالات كافة حتى في الصلاة.
فضلاً عن ذلك كان أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ يؤكد على صون الوجه عن المسألة، وعليه فقد كان يطلب من ذوي الحاجات إن يكتبوا حاجاتهم في ورقة، حرصاً منه على قضائها لهم باسلوب مهذب، يحفظ كرامتهم، اما أبناؤه ـ عليهم السلام ـ فقد واصلوا مسيرة العطاء وساروا على هذا النهج.
وكان من جراء ذلك أن التف حولهم أبناء الأمة، فغدت تدين لهم بالولاء والعطاء وتفديهم بالنفس وتضع بين ايديهم مقاليد الأمور فأصبحوا سلاطين القلوب، ولاعجب في ذلك فان من أحسن إلى الناس استدام منهم المحبة، وبالاحسان تملك القلوب وتكثر الانصار، ومن خلال خصالهم الجميلة الآنفة الذكر أصبح لاهل البيت(ع) قوة جماهيرية كان اعداؤهم يحسبون لها الف حساب ويحاولون بشتى السبل والحيل فك الارتباط الروحي بين الأمة والجماهير ولكنهم فشلوا وخابت ظنونهم، وعلى العكس من ذلك فقد ازداد التفاف الناس حولهم وزاد تعظيمهم لهم سواء في حياتهم أو بعد موتهم.