قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الكمال الإنساني يبن الرجل والمرأة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *طاهر القزويني
تفتخر البشرية بان اعدادا كبيرة من الأنبياء والصالحين وصلوا إلى أعلى درجات الكمال، وهم بين رجل وامرأة؛ وورد عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قوله: (أن كثيراً من الرجال وصلوا إلى درجة الكمال مع قليل من النساء)، لكن هذا لايجب ان ينصرف الى الفارق العددي وانما الى النسبة الموجودة في عدد الرجال وعدد النساء في كل مجتمع ومنذ القدم كان الرجال اكثر، رغم ما بلغته بعض المجتمعات من نسب عالية في عدد الاناث خلال الاحصائيات التي أجريت في عدد من البلدان.
والوصول إلى هذه الدرجة هو بحد ذاته امر مهم لأنه يقدم إجابة إلى الملائكة الذين اعترضوا على خلق الانسان وخلافته في الأرض، فهؤلاء الكاملون يقدمون الإنموذج الأمثل لحقانية كلام الله ـ سبحانه وتعالى ـ ومصداقية خلقه للبشر على الأرض.
والبعض ربما يستكثر على هؤلاء الكاملين الذين خلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ الأرض والسماء لأجلهم، فهؤلاء في الواقع هم يمثلون المصداق الحقيقي لكلمات الله وآياته وأحكامه وقرآنه، فإذا جاء خطاب للمؤمنين فإنه موجه إليهم فحسب لأنهم كانوا المثال الأصدق للإيمان، أما نحن المذنبين فلم نكن مؤمنين على طول الخط ولا نستحق على أثر ذلك إلا في مراحل من عمرنا أن تطلق علينا كلمة الايمان، بينما هؤلاء الكاملون تصدق عليهم كلمة الايمان من يوم تلدهم امهاتهم وحتى آخر لحظة من حياتهم، يعني أنهم لم يتخلوا في أية لحظة من لحظات اعمارهم عن الايمان، بينما نحن المذنبين تنتابنا الشكوك وتحيط بنا الظنون وتحتوشنا التصورات الخاطئة وفوق ذلك نسيء العمل.. وهناك فرق كبير بين من يؤمن في منتصف الطريق وبين من كان مؤمناً منذ طفولته وفي فترة شبابه وحتى شيخوخته.
إذن.. الانسان يبحث عن الكمال ولكن قبل ذلك يجب ان يرى كيفية تحقيق ذلك؟
إن البشرية تطلب من الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يقدم لها إنموذجاً للانسان الكامل حتى تقتدي به وتسير على هديه، فبعث الله ـ سبحانه وتعالى ـ الأنبياء والصالحين هداة للناس أجمعين، فيأتيهم النداء من بطن السماء: هؤلاء هم قدواتكم وأمثلتكم للكمال وطريق الهداية والصلاح؛ وهنا تختلف مواقف الناس إزاء تلك القدوات، فمنهم من يخضع لإرادة الله ويشكره دائماً، ومنهم من يتكبر ويقول: (إختار الله بشراً لهذه المكانة المرموقة)! فهؤلاء يظنون أنه لا شيء يميز الأنبياء عن أنفسهم، فلماذا اختارهم رب العزة لهذه المكانة، ولذا كانت الاقوام في التاريخ تطلب وتصر على ان يكون الرسول من السماء بهيئة وشكل مختلف عن بقية البشر.
والبعض عدّ المكانة الاقتصادية ميزة للأفضلية والكمال، وكان من المفترض ان يختارهم الله سبحانه وتعالى لموقع الامامة والنبوة لأنهم الأكثر ثراءً ومالاً؛ ومنهم من ذهب الى المكانة الاجتماعية والجاه والمنصب وهو المنزلق الذي سقط فيه فرعون ومن سلك طريقه، فرفض الاذعان لنبوة موسى ـ عليه السلام ـ.
وفي هذه الحالة يبتلى الناس بما في ذلك المؤمنون بالرسالة، يبتلون في تقديم الولاء والطاعة للشخص الذي اختاره الله ـ عزوجل ـ ليكون مثلهم ومقتداهم، ولكنهم سيحسدونه على ماحصل عليه من المكانة المرموقة، وسرعان ما يتحول هذا الحسد إلى بغض وعداء، فالانسان الكامل مبتلى ليس فقط من أعداء الدين بل هو قد يواجه العداء والضغينة حتى من جانب أدعياء الدين، الذين أعلنوا الايمان ظاهراً وكتموا الكفر في قلوبهم، فهؤلاء يمتحنون بطاعة الانسان الكامل، ولكن بسبب حسدهم له وايمانهم الضعيف، يسقطون في شرك النفاق.
وإذا استثنينا الأنبياء والأئمة وأولياء الله الصالحين ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ الذين اجتباهم رب العزة لأداء مهام خاصة، فهل لبقية الناس قدرة لتحقيق الكمال الانساني؟
الأحاديث الشريفة لا تؤكد أو تنفي إمكانية حدوث ذلك، لأنها في الواقع تدعو الانسان المؤمن إلى المضي في هذه المسيرة، بمعنى أن الإنسان المؤمن يجب أن يبذل مساعيه للوصول إلى درجات الكمال الانساني فكما هو واضح فأن بعض الأحاديث الشريفة تفسر حركة الانسان في الحياة، فهناك فئات من الناس تطمح إلى الوصول لدرجة الكمال، فالامام علي ـ عليه السلام ـ يقول (العاقل يطلب الكمال والجاهل يطلب المال)، وصور الحياة ترينا أنماطاً كثيرة من الناس، لكن كثيراً منهم جعلوا غايتهم في الحياة هو كسب الثروة ولم يعتنوا بنصفهم الروحاني الذي هو أيضاً بحاجة إلى الرعاية والعناية.
وليس من شك إن كل واحد منا تنتابه حالات الضعف الإنساني وعليه أن ينتبه إلى مواقع الخلل التي تنزله إلى مستوى الضعف وتمنعه من الارتفاع إلى درجات الكمال، ويقول الامام علي ـ عليه السلام ـ (من كمال الانسان ووفور فضله استشعاره بنفسه النقصان)، فالخطوة الأولى التي يمكن أن يخطوها الانسان باتجاه الكمال هو اعترافه بحقيقة نقصانه.
وربما كانت هذه الخطوة هي من أهم كل الخطوات في هذا الطريق، لان القليل من الناس لديه الشجاعة بالقول إنه بحاجة إلى امور أخرى حتى يرفع النقص من نفسه، وأهمية الاعتراف بالنقصان هي أنها تفتح الطريق للكمال، أما الشخص الذي يعتقد بكمال نفسه هو في الواقع يغلق على نفسه طريق التكامل، لذا كان (الاعتراف بالذنب فضيلة) كما جاء في الحديث الشريف فالاعتراف بالخطأ او الذنب يساعد الانسان على معرفة نواقصه ومن ثم العمل على سدها.
وهو في هذا الطريق بحاجة إلى الموازين يعتمدها في تمييز سلوكياته وخصاله الحسنة من السيئة، لأن التصرفات السيئة تختفي دائماً وراء تبريرات ومسوغاتٍ مختلفة، مثل رب البيت الذي يستخدم اسلوب العنف لتثبيت قيمومته في البيت، فهو يبرر لنفسه هذا الاسلوب لأنه إذا لم يتخذ هذا الطريق – حسب ظنه- خرجت الأمور من يده وأصبح كل واحد في الأسرة يتصرف كما يحلو له، من دون خوف من قوة رادعة!
فهذا الانسان بحاجة إلى معرفة تبين له أولاً أن الاسلوب العنيف هو خيار ضعيف لتثبيت سلطة الأب، لأن الأبناء يكبرون وتنمو أجسامهم ويصبحون أقوى من أبيهم، فلا جدوى من استخدام العنف معهم! والامر الاخر هو معرفة تؤكد له بأن لديه خيارات أخرى غير اسلوب العنف لفرض سيطرته على الأسرة، والمسلمون عامة لو كانوا على اطلاع بثقافة أهل البيت ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ لكانت حياتهم أكثر سعادة، ولتعرفوا على الأساليب الحميدة لخوض غمار الحياة.
وبشكل عام فأن ثقافة أهل بيت النبوة يمكن أن تكون الميزان عند الانسان الباحث عن الكمال، فهذه الثقافة تمنح للإنسان قوة على تشخيص الصح من الخطأ وهو بهذا الشكل سيعرف كيف يقيّم سلوكياته وخصاله في إطار هذا المنهج.
لكن القاعدة الرئيسة للكمال تكمن في سيطرة الانسان على نفسه، فالنفس بطبعها تميل إلى الكسل والضعف والخمول والرغبة، فمن قدر على نفسه وروضها استطاع أن يرتفع بها إلى أعلى عليين، لأن القوة والضعف ينبعان من داخل النفس البشرية، فإذا رأيت رجلاً قوياً يتخذ قرارات شجاعة ولا يهاب القوى العظمى، فانما هو قوي في داخله، وقد استطاع أن ينتصر على عناصر الضعف في داخله كافة فهو لايأبه لأية قوة عظمى في الخارج، وهناك أمثلة كثيرة جسدها علماؤنا الكبار الذين بفضل قوة إيمانهم وتوكلهم على الله استطاعوا أن يتغلبوا على قوى عظمى مثل الشيخ محمد تقي الشيرازي ـ رضوان الله عليه ـ قائد ثورة العشرين الذي استطاع أن ينتصر في حربه ضد بريطانيا العظمى.
واذا فكرت في الأمر مليّاً ستجد أنه ليس كل إنسان يستطيع أن يقف تلك المواقف ويبرز من ذاته كل تلك الشجاعة إلا إذا كان يتمتع بخصال متميزة، وهذا ينطبق على كثير من علمائنا الماضين والحاضرين.
وللأسف فأن القلة من المسلمين هم الذين على إطلاع بالثقافة الاسلامية، وبالأحاديث الشريفة التي تبين هذا الموضوع، والمثير في الأمر وعلى خلاف ما هو جار في البلدان الاسلامية من حيث تحقير المرأة وبخس حقها، نجد هناك أحاديث واضحة الدلالة والمضمون تؤكد على وصول بعض النساء إلى درجة الكمال الانساني.
صحيح إن من وصلوا إلى درجة الكمال من الرجال هم أكثر عدداً من النساء، غير أن النبي محمداً ـ صلى الله عليه وآله ـ وسلم يذكر النساء بالاسماء وقد ورد ذلك في مصادر السنة والشيعة، فقد أخرج أحمد والطبراني والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خوليد، وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم )، وعن أبي موسى عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قال: (يكمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم إمرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ).
فاطمة وما أدراك ما فاطمة؟
تُعد فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين مفخرة المسلمين جميعاً نساءً ورجالاً، ومن لديه فاطمة يجب أن يرفع رأسه بين الأمم، بل ويرفع لها علماً في كل بقعة وكل منطقة وكل بلد، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ غيَر ثقافة الكون على يد فاطمة الزهراء، فبعدما كان الذكر هو عنوان البركة لدى ثقافة العالمين، اصبحت الانثى ـ بمولدها الميمون ـ هي مصدر البركة في الاسرة والحياة بمولد فاطمة ـ سلام الله عليها ـ.
فاطمة، المرأة الرمز التي تغيرت على يديها الثقافة الجاهلية التي كانت تظلم المرأة وتبخسها حقوقها وتهدر كرامتها، فجاءت فاطمة ـ سلام الله عليها ـ وأعادت للمرأة حقوقها ومنحتها الثقة بنفسها، وجعلتها في موقع متقدم من الاسلام.
لذا حصلت نقلة نوعية وتاريخية لوضع المرأة بعد مولد فاطمة ـ سلام الله عليها ـ، فما قبل فاطمة كانت المرأة سلعة تشترى وتباع لا قيمة لوجودها، ولا قيمة لمشاعرها وأحاسيسها، ولا قيمة حتى لما تمثله من قيم الأمومة والعطف والحنان، ولكن ما بعد فاطمة ـ عليها السلام ـ أصبح للمرأة كيانها ووجودها وحقها في الحياة والعمل والسياسة.