المسؤولية الشرعية
|
*باسم سعيد
قد يبدأ التغيير الإصلاحي من إنسان ما ويتأثر آخرون بهذا التيار الإصلاحي. بيد أن المسؤولية ملقاة على الجميع في المنظور الديني. بمعنى أن المسؤولية لاتسقط عن الفرد حين توفر المصلحون، على قاعدة (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ومع وجود قيمة التعاون على البر والتقوى.
من هنا ان انطلاق كل فرد من هذه الأمة نحو تحمل مسؤوليته ولو بصورة فردية سيشكل قطرات المطر التي سرعان ما تولد أنهاراً تغييرية تجرف الباطل. ولا بد أن يبدأ السيل بقطرة.
هنا نودّ تسجيل بعض المفارقات في العملية الإصلاحية. فبينما تستهدف كثيراً من التيارات السياسية إصلاحات جزئية بهدف الوصول الى السلطة مما يجعلها تنساق مع المعادلات السياسية ويحجبها عن الإصلاح الحقيقي. فإن الرسالية تستهدف الإصلاح الجذري كما لا تستهدف السلطة وان كان التمكن من ممارسة الحكم يُعد وسيلة البناء الحضارية. ولا نعني هنا اعتزال العمل السياسي وانما الابقاء على كونه وسيلة وليس هدفاً استراتيجياً.
ويمكن الإشارة هنا إلى منزلق يقع فيه كثير وهو خطر التلوث بالأمراض السياسية من قبيل (فن الممكن) و(الغاية تبرر الوسيلة) وغير ذلك من المفاهيم المغلوطة.. وبالرغم من ان البعض قد يبرر هذا التوجه بانها(عناوين ثانوية) لكن تبقى بعض الملاحظات على سير هذا النهج:
1/ قد تتحقق (العناوين الثانوية)، إلا أن الخطر في التأصيل الثقافي لها، بحيث تتحول من حيث لا نشعر إلى (عناوين أولى)، فهي تبقى استثناءات مشروعة.
2/ (لا يطاع الله من حيث يعصى).. فالتذرع بـ(الغاية تبرر الوسيلة) يُعد اختلالاً في أولوية الأهداف، أ هي رضا الله أم المكاسب؟
3/ مع أن (المصلحة) مطلوبة، إلا أن تحديدها يتم عبر الشارع المقدس. فكثيرة هي المصالح التي يراها الناس ويرفضها الشارع بل ويَعدها مفاسد ضارة بالمجتمع. أو يشترط لتحقيقها أموراً بدونها تغدو غير مشروعة.
أن الأهداف السياسية مع مشروعيتها في الجملة إلا أنها لايجب ان تزاحم الأهداف العامة، وهذا جوهر مشروعيتها. أن العمل السياسي ضرورة إذ يتيح للعاملين توظيف القدرات في تحقيق الأهداف، لكن العمل السياسي يتطلب التعامل مع الواقع المحيط، وهذا صحيح إلا أنه كما يمكن التعامل مع الأطر السياسية القائمة فانه يمكن عدم الذوبان فيها والإبقاء على مسافة منها، أي الاستفادة من هذه الأطر دون إضفاء الشرعية عليها والحد من الخسائر التي تفرضها طبيعة العمل السياسي
على الرسالي وهو يخوض المعترك الثقافي والسياسي، أن يتذكر أن رضا الله له الأولوية وهو يتحقق بالسعي، ولا يتوقف على النتائج مع مطلوبيتها، ومن ثمّ ينبغي على المؤمن أداء وظيفته الشرعية على كل حال حتى مع يأسه من النتائج. بل ان تعذر العمل بشكل عام سيما في الحقل السياسي لا ينهي المسؤولية، فالأهداف العامة تبقى دائماً مطلوبة وضمن القدرات المتاحة، وتتمثل في نشر الثقافة الدينية وهداية الناس الى السلوك الحسن ومقاومة التحريف والتضليل الثقافي حتى في أقسى الظروف.. بمعنى ان مهمة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) لن تتوقف وتنتهي حين يفقد العمل السياسي بريقه.
|
|