ديمقراطية.. من رمال
|
العلاّمة محمد علي المحفوظ(*)
ليس هناك ما هو أسوأ من تقييد حركة الإنسان ووضع العوائق في طريقه. ومهما كان مصدر هذه القيود والعوائق سواء كانت خارجية، أو داخلية بفعل الإنسان نفسه، فإنها تشوه الصورة الإنسانية التي أرادها ربنا ـ عز وجل ـ للإنسان الذي كرمه الله ـ سبحانه وتعالى ـ بقوله (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70]. بل إن الإنسان من خلال اختياراته الصالحة والخيرة يمكن له أن يرتقي إلى درجات ارفع من درجات الملائكة الذين يعبدون الله من دون انقطاع، ولذلك تركزت رسالات الأنبياء (ع) من اجل تحرير حركة الناس وترشيدها لكي لا يكونوا خاضعين في خياراتهم لأي قيود خارجية أو داخلية تحولهم إلى أشخاص مسلوبي الإرادة والاختيار فيفقدون قدرتهم على الإبداع والتميز، وقد عبر ربنا ـ عز وجل ـ في القرآن الكريم في صفة رسول الله (ص) وأحد مهماته العظيمة (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157).
هذه الرؤية مهمة جداً في صياغة أي واقع اجتماعي يسعى إلى التكامل والتقدم على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والفكرية خصوصاً فيما يرتبط بالنظم والقوانين التي يراد لها أن تدير وتنظم حياة الناس، حيث إن الانفتاح هو سمة كونية لا يمكن الوقوف أمامها أو تجاهلها ويلاحظ ذلك في مفردات كثيرة تناولها القرآن الكريم منها (سيروا، تعاونوا، سارعوا، سابقوا، اعملوا، وهكذا) وكل ذلك بطبيعة الحال من أجل أن ينطلق الناس في حياتهم من دون تعقيد أو قيود على حركتهم أو تفكيرهم، ولذلك يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه أي مجتمع إنساني في تطلعه للانطلاق والتقدم في وجود النظم والقوانين التي إما أنها توفر المناخ المناسب والبيئة السليمة للتحرر والانطلاق نحو البناء والتنمية أو أنها تكبل المجتمع فيبقى مراوحا في مكانه وهذا ما يميز المجتمعات بعضها عن البعض، حيث إن بعض المجتمعات وصلت إلى غزو الفضاء بينما لاتزال بعض المجتمعات لم تكتشف أو لا تعرف أية معلومات عن الأرض التي تعيش عليها وبينما تعيش بعض الدول في القرن الواحد والعشرين لاتزال أخرى تعيش خارج دائرة الزمان.
لقد وصل الأمر في بعض الدول (المتقدمة) أن المساحات المتاحة للناس فيما يرتبط بحرياتهم وخياراتهم إلى أن تجاوزت الحدود فوصل الحال إلى إفراط في استخدام الحريات ومع ذلك يحمي القانون حالة (الإفراط) وهو شيء غير مقبول على الصعيد الأخلاقي والإنساني، ولكن المفارقة على الصعيد الآخر عندنا في الدول ''المتخلفة''، حيث إن المساحات المتاحة فيما ترتبط بحريات الناس محدودة ومقيدة إلى درجة (التفريط) بحقوق الناس، ومع ذلك يحمي القانون حالة (التفريط)، وهذا ما يدعو للتأمل في كلا الحالتين. ان ما نعاني منه في بلادنا العزيزة أمور لا يستوعبها العقل والمنطق من إجراءات غريبة ومستغربة. ففي الوقت نفسه الذي لا تحتاج فيه في بعض البلاد إذا ما أرادت جماعة من الناس أن تشكل جمعية إلا أن تضع اسم الجمعية وعنوانها في دليل الهاتف لكي يعرف الناس ذلك فإن عندنا قانون الجمعيات وعندنا (الاشتغال) أو (الانشغال) بالسياسة وكل ذلك من خلال قوانين على الناس أن يتعاملوا معها حتى لو كان ذلك خلاف العقل والعرف. فكل مسؤول وكل وزير له طريقته ورأيه والقانون من ورائه طبعا وعلى الناس السمع والطاعة في كل الأحوال، لكن الأغرب هو أننا بعد تحديد مساحات ما هو مسموح وما هو مخالف للقانون فيما يرتبط بالقيود المعنوية والنفسية دخلنا في مرحلة متقدمة وهي تحديد المساحات الجغرافية فيما هو مسموح وما هو ممنوع. فالمسجد ممنوع لأنه دار عبادة و(الحسينية) ممنوعة لأنها دار عبادة مع أن دور العبادة هي أفضل مكان للاجتماع وللعمل وليس فقط للبركة وإنما لأنها أفضل مكان لتحصن الناس من الوقوع في المحظورات المادية والمعنوية لأنها مواقع لذكر الله تعالى، إلا إذا كانت المواقع الأخرى أكثر قدسية وبركة كما يراها البعض!. ويتخوف كثيرٌ من الناس في بلادنا من أن تطول قائمة الممنوعات ـ وما أكثرها ـ إلى درجة أن تلتبس الأمور على الناس فلا يعود بإمكانهم أن يميزوا ما المسموح وما الممنوع في ظل ديمقراطية فريدة من نوعها.
ربما يتذرع البعض بالقانون وتطبيق القانون ووضوح القانون ونحن أيضا مع كل ذلك (ونبصم عليه)، ولكن أين القانون العتيد في تطبيقه من سرقة سواحل البحرين التي وصلت نسبة المسروق منها إلى 97%؟ وأين القانون من فصل العمال من وظائفهم من قبل الشركات الكبيرة وليست آخرها شركة (بتلكو)؟ وأين القانون من التوزيع العادل للثروة في بلادنا؟ وأين القانون من التجاوزات والانتهاكات والسرقات المالية والفساد الذي تتحدث عنه الصحافة بتقارير مفصلة وبالأرقام؟ أين وأين هذا القانون الذي يطل برأسه حاميا ومدافعا تحت شعارات عريضة إذا ما ارتبط الأمر بمواطن لا حول له ولا قوة أو ارتبط الأمر بجمعية تسعى لتأسيس شراكة حقيقية في القرار وتتبنى مطالب وشعارات تسهم في تنمية الوطن ونهوضه؟. إن المهمة الرئيسة للقانون هي حماية الإنسان من نفسه ومن الآخرين وتحفيزه للانطلاق، أما إذا ما تحول القانون إلى معيق ومقيد ومكبل لحركة الإنسان وإبداعاته فهو هنا ليس بقانون وإنما استبداد واستغلال بشع مهما تلون هذا القانون وتمظهر بألوان أو مظاهر قد يتصور البعض أنها تعطيه شرعية وقوة ولكنه ليس أكثر من خداع ووهم كبيرين لا يبني مجدا ولا تنمية ولا ديمقراطية إلا إذا كانت ديمقراطية من رمال.
(*) امين عام جمعية العمل الاسلامي ـ البحرين.
|
|