قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

آية التطهير.. وسام إلهي لأهل البيت ـ عليه السلام ـ
*يونس الموسوي
الطهارة المعنوية هي طهارة النفس والقلب من العداوة والبغضاء والحسد والطمع وغيرها من الأمراض النفسية التي تصيب الإنسان وتحوّل حياته إلى جحيم، وكانت فاطمة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ المثل الأبرز بين نساء العالمين لهذا النقاء والطهر والخلوص، وقد اختصت بهذا المعنى من بين جميع نساء العالمين حيث جاء ذكرها في القرآن الكريم في سورة الاحزاب: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" ولاشك في إشتمال هذه الآية على فاطمة الزهراء سلام الله عليها ليس بأدلة الشيعة وإنما بأدلة السنة أيضاً ومنها الأدلة التالية:
1- ذكر الخطيب البغدادي في الجزء العاشر من تاريخه باسناده عن ابي سعيد الخدري عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في قوله تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" قال: جمع رسول الله(ص) علياً وفاطمة والحسن والحسين، ثم أدار عليهم الكساء فقال: هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأم سلمة على الباب فقالت: يا رسول الله ألست منهم؟ فقال: إنك لعلى خير أو: إلى خير.
2- وفي تفسير الكشاف للزمخشري ج1 ص163 جاء: روي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وسلم خرج وعليه مرط مرجّل من شعر أسود موشّى منقوش، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"
3- وفي تفسير الرازي ج2 ص700 جاء: روي إنه ـ عليه السلام ـ لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: إنما يريدالله..
4- وفي كتاب (أُسد الغابة في معرفة الصحابة) ج2 ص12 لابن الأثير الجزري عن عمربن أبي سلمة (ربيب النبي) ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: لما نزلت هذه الآية على النبي(ص): "إنما يريد الله" في بيت أم سلمة فدعا النبي(ص) فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء وعليُّ خلف ظهره ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله(ص) قال: أنت على مكانك أنت في خير.
ونكتفي إلى هذا الحد من الروايات.. وإنما نوردها في هذا المجال حتى لاندع مجالاً للشك والترديد في مسألة هي أشهر من علم، ومن السذاجة بعد كل هذه الأدلة من مصادر القوم أن يأتي أحدٌ ويشكك في هذه القضية المهمة في التاريخ الإسلامي، كما يجب ألا نأخذ الأمور من دون فهم أو دراية فمثل هذه الحادثة يجب أن تلهمنا وتدفعنا للتفكير والتساؤل.. هل كانت القضية مجرد قصة كساء خيبري وضعه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على رأس فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم ـ أفضل الصلاة والسلام ـ؟!
أن موقف الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من أم سلمة وهي واحدة من أفضل نساء الرسول ذلك الموقف الذي منعها فيه من الدخول تحت الكساء إنما يظهر مسألة في غاية الأهمية، وهي: تعلق هذه الرواية بنزول آية التطهير فمن جهة هي تحصر أشخاص أهل البيت في الأفراد الذين دخلوا تحت الكساء، ومن جهة ثانية وهي الأهم أن عملية التطهير لاتشمل إلا هؤلاء الخمسة الذين أطلق عليهم فيما بعد أصحاب الكساء.
فالآية وروايتها تخرجان في الحقيقة كل نساء النبي وأعمام النبي(ص) وبقية أبنائه وأبناء عمومته ونسائهم من آل البيت الذين ذكرهم الله في قرآنه وأوضحت الروايات المستفيضة أسماءهم، فالرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيّن من خلال المئات من الأحاديث والروايات أن أهل بيته هم من كانوا تحت العباء، والقضية الأهم في هذا الموضوع هو أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ كرم آل البيت ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ بالتطهير، وشرفهم على البشرية كافة بهذه المنزلة العظيمة، فما هو التطهير؟!
ربما يذهب البعض إلى التطهير المادي من النجاسة والخبائث والدماء وغير ذلك، إلا إن المعنى الأقوى والذي يليق بمقام الرسول وآل بيته ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ، هي الطهارة المعنوية والأخلاقية والنفسية وهي الطهارة من الذنوب والخطايا التي يرتكبها عامة الناس، وهذه منزلة لايحصل عليها إلا نبي أو وصي، بحكم الدور الذي يضطلعان به في الحياة العامة والواجب الإلهي الذي يقومان به.
ولان سيدة نساء العالمين قد حصلت على هذه المنزلة، فضلاً عن كونها بنت نبي وزوجة وصي وأم الأئمة، فهي ليست كواحدة من نساء المسلمين، ولاينبغي أن تكون، وبطبيعة الحال هي مختارة لأداء هذا الدور بفضل ماتملكه من مؤهلات، وفي رواية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ إختار قريشاً من بين القبائل واختار بني هاشم من بين البيوتات وأختار محمداً(ص) الأفضل من بني هاشم للنبوة، فهل يعقل أن لايختار من ستكون إبنته؟ ومن هي التي ستكون زوجة الوصي؟ وأي واحدة من النساء التي ستكون أم الأئمة ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ؟
وبالنسبة إلى قضية التطهير قد يركز البعض على الطهارة الجسدية بالنسبة إلى سيدة نساء العالمين، غير أن الأهم من ذلك هي طهارتها المعنوية والنفسية من المثالب والنقص، فالآية التي نزلت في هذا المضمار إنما تؤكد وجود إرادة ربانية فضلاً عن نور الطهارة الإيمانية على الخمسة من آل العباء، فهؤلاء هم الذين سيحملون رسالته وهم الذين سيبلغونها إلى الناس كافة، وهم لذلك يجب أن يتمتعوا بمزايا وقوى رباية فضلاً عن مزاياهم الشخصية حتى يؤدوا الرسالة من دون أي لبس أو خطأ، فهذه القوى ستحفظ قواهم العقلية والنفسية من النسيان والسهو والغفلة، وتحفظهم من وسوسة الشياطين.
والطهارة الحقيقية هي أن يطهر الإنسان من ذنوبه وخطاياه، وإذا أراد الله ـ سبحانه وتعالى ـ بعبد خيراً طهره من ذنوبه كافة، فكيف الحال إذا كان الباري ـ عزوجل ـ قد كتب على نفسه أن يطهر آل البيت من أي رجس أو خبث، من أول الولادة وحتى الشهادة أو الوفاة فالمراد هنا بالتطهير هو ليس التطهير من الذنوب السابقة بل التطهير على مدى الحاضر والمستقبل.