العدل.. أنواعه ومحاسنه
|
*كريم محمد
العدل نقيض الظلم وهو مناعة نفسية، تردع صاحبها عن الظلم، وتحفّزه على فعل الخير، وأداء الحقوق والواجبات.. وهو سيّد الفضائل ورمز المفاخر وقوام المجتمع المتحضّر وسبيل السعادة والسلام.
وقد مجّد الإسلام العدل وعني بتركيزه والحثّ عليه في القرآن الكريم والسنّة الشريفة: فقال تعالى في أمر مباشر في سورة النحل:" إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ"، وقال ايضاً في سورة الانعام: "وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى"، وجاء في سورة النساء :"إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ".
وفي حديث عن الإمام الصادق -عليه السلام- انه قال: (العدل أحلى من الشهد، وألين من الزبد، وأطيب ريحاً من المسك). وسئل الإمام زين العابدين -عليه السلام-: أخبرني بجميع شرائع الدين؟ قال -عليه السلام-: (قول الحق والحكم بالعدل والوفاء بالعهد).
وللعدل صور مشرقة تشع بالجمال والجلال، وإليك أهمّها:
1ـ عدل الإنسان مع الله ـ عز وجل ـ.. وهو أزهى صور العدل وأسمى مفاهيمه وعنوان مصاديقه، لكن كيف يستطيع الإنسان أن يؤدّي واجب العدل للمنعم الأعظم الذي لا تحصى نعماؤه ولا تعدّ آلاؤه؟!
وإذا كان عدل المكافأة يُقدّر بمعيار النعم، وشرف المنعم، فمن المستحيل تحقيق العدل نحو واجب الوجود، والغني المطلق عن سائر الخلق، إلاّ بما يستطيعه قصور الإنسان، وتوفيق المولى ـ عز وجل ـ له.
وجماع العدل مع الله تعالى يتلّخص في الإيمان به وتوحيده، والإخلاص له وتصديق سفرائه وحججه على العباد والاستجابة لمقتضيات ذلك من التوله بحبّه والتشرّف بعبادته والدأب على طاعته، ومجافاة عصيانه.
2ـ عدل الإنسان مع المجتمع.. وذلك برعاية حقوق أفراده، وكفّ الأذى والإساءة عنهم، وسياستهم بكرم الأخلاق وحسن المداراة وحبّ الخير لهم والعطف على بؤسائهم ومعوزيهم، ونحو ذلك من محقّقات العدل الاجتماعي.
وقد لخّص الله تعالى واقع العدل العام في سورة النحل: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ".
وقد رسم الإمام أمير المؤمنين -عليه السلام- منهاج العدل الاجتماعي بإيجاز وبلاغة، فقال لابنه: (يا بنُيّ اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك).
3ـ عدل البشر الأحياء مع أسلافهم الأموات الذين رحلوا عن الحياة وخلّفوا لهم المال والثراء وحرموا من متعه ولذائذه، ولم يكسبوا في رحلتهم الأبدية، إلاّ أذرعاً من أثواب بيض، وأشباراً ضيقة من بطون الأرض.
فمن العدل أن يستشعر الأحياء نحو أسلافهم بمشاعر الوفاء والعطف وحسن المكافاة، وذلك بتنفيذ وصاياهم وتسديد ديونهم وإسداء الخيرات والمبرّات إليهم وطلب الغفران والرضا والرحمة من الله عز وجل لهم.
قال الإمام الصادق -عليه السلام-: ( إنّ الميّت ليفرح بالترّحم عليه، والاستغفار له، كما يفرح الحي بالهدية تُهدى إليه)، وقال -عليه السلام- ايضاً: (من عمل من المسلمين عن ميّت عملاً صالحاً، أضعف الله له أجره، ونفع الله به الميت).
4ـ عدل الحكّام.. وحيث كان الحكّام ساسة الرعية وولاة أمر الأمّة فهم أجدر الناس بالعدل، وأولاهم بالتحلّي به، وكان عدلهم أسمى مفاهيم العدل، وأروعها مجالاً وبهاءً، وأبلغها أثراً في حياة الناس.. بعدلهم يستتب الأمن ويسود السلام ويشيع الرخاء، وتسعد الرعية، كما ان بجورهم تنتكس الفضائل والأماني إلى نقائضها، وتغدو الأمّة آنذاك في قلق وحيرة وضنك وشقاء.
وفي كل الاحوال فان النفوس السليمة قد فطرت على حب العدل، وبغض الظلم واستنكاره، وقد أجمع البشر طول الزمن ومع اختلاف الشرائع والمبادئ على تمجيد العدل وتقديسه، والتغنّي بفضائله ومآثره، والتفاني في سبيله، لانه سرّ حياة الأمم، ورمز فضائلها، وقوام مجدها وسعادتها وضمان أمنها ورخائها وأجل أهدافها وأمانيها في الحياة.
وما زالت الدول الكبرى ولاتلاشت الحضارات العتيدة إلاّ بضياع العدل والاستهانة بمبدئه الأصيل، وقد كان أهل البيت -عليهم السلام- المثل الأعلى للعدل، وكانت أقوالهم وأفعالهم دروساً خالدة تنير للإنسانية مناهج العدل والحق والرشاد.. قال سوادة بن قيس للنبي الاكرم: -صلى الله عليه وآله- في أيّام مرضه: يا رسول الله إنّك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة، فأصاب بطني، فأمره النبي أن يقتصّ منه، فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشف عن بطنه، فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك، فأذن له فقال: أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار.. لكنه -صلى الله عليه وآله- قال: يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص؟! فقال: بل أعفو يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وآله-: (اللهم أعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمّد)!
|
|