الشيخ المفيد في ذكرى وفاته
متواضع في قمة العلم وعالم سابق لعصره
|
اعداد/محمد علي جواد
محمَّد بن محمَّد بن النعمان بن عبد السَّلام الحارثي العكبري، المعروف بابن المعلم، والمفيد، كنيته أبو عبد اللّه، أحد علماء الإمامية ومتكلّميها، ولد في قرية عكبرا على بُعد عشرة فراسخ من بغداد سنة 336هـ، وقيل سنة 338هـ.
*نشأته ومكانته
نشأ الشيخ المفيد وترعرع في كنف والده الذي كان معلّماً في مدينة واسط، ولذلك كان يكنّى بابن المعلم، بعد أن تجاوز سني الطّفولة، وأتقن مبادئ القراءة والكتابة، ارتحل مع والده إلى بغداد ـ مركز العلم والثقافة آنذاك ـ فأخذ يتلقى العلم عن شيوخ ذلك العصر، حتّى إنَّه تتلمذ على يد أكثر من خمسين شيخاً.
برزت مواهبه وهو لايزال في طور التلمذة، حتّى انبهر به كبار أساتذته، ما دفعهم إلى تلقيبه بالمفيد، ثم بلغ مرتبةً علمية عالية، حتّى انتهت إليه رئاسة المذهب الشيعي الإمامي في وقته، فكان بارعاً في الكلام، والجدل، والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة، حتى عدّ من أبرز أعلام عصره في فن المناظرة.
عاصر بعض حكام بني بويه، فكانت له في هذه الدولة مكانة عظيمة، وبخاصة من جانب عضد الدولة البويهي، الذي كان يجلُّ الشيخ كثيراً، حتّى إنَّه كان يزوره في داره، ويعوده إذا مرض.
*حياته العلمية
أخذ العلم وروى عن جماعة من الأعلام، منهم أبو القاسم جعفر بن محمد ابن قولويه القمي، وأبو جعفر بن بابويه الشهير بالصدوق، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن الوليد القمي، وأبو غالب الزراري، وأبو علي بن الجنيد، وأبو علي عبد الله محمد بن عمران المرزبان، وأبو بكر الجعاربي، وأبو عبد الله الحسين بن علي بن إبراهيم.
تتلمذ على يديه جملة من الأعلام، منهم الشريف المرتضى، والشريف الرضي، والشيخ الطوسي، وأبو بعل محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، والشيخ النجاشي، وسلار بن عبد العزيز الديلمي، ومحمد بن علي أبو الفتح الكراجلي.
*عصر زاخر بالحوادث والفتن
زخر عصره بالأحداث المهمة كان في مقدمتها الفتن الطائفية السوداء التي جرّت على الناس المحن والمصائب، وبخاصة بالنسبة إلى الشيعة في منطقة الكرخ ومنطقة باب الطاق في بغداد، حيث كانت هذه المواقع مسرحاً لكثير من الرزايا والبلايا، وقد تعرضت للحرق والنهب عشرات المرات، فضلاً عن قتل وحرق الرجال والصبيان والنساء، وذلك إبان مراسيم عاشوراء أو يوم الغدير.
في خضم تلك الاحداث تعرض الشيخ المفيد للنفي من بغداد في اعقاب حوادث شغب حصلت سنة 392هـ، حيث كان قد زاد نشاط الطائفيين، فقتلوا وبدّعوا وأضلوا، ما دفع والي العراق إلى تسيير الجيوش لإعادة السيطرة عليه، فقتل وصلب ومنع السنة والشيعة من ممارسة الشعائر التي تتسبب بحوادث الشغب، فمنع الشيعة من النوح على الحسين في يوم عاشوراء، ومنع السنّة من النوح على مصعب بن الزبير.
تعرض الشيخ المفيد للنفي ثانيةً في سنة 395هـ، على أثر فتنة حصلت بين السنة والشيعة، فتعرض لمختلف انواع الاتهام والقذف والتشنيع.
*منهجه وعلومه
كان الشيخ المفيد يتعامل مع كلِّ ما يريد أن يقدِّمه للآخرين، وكل ما يورده الآخرون عليه، بحسب ما يراه من الأدلة صالحاً ومقنعاً، ومعذراً له في الإقدام أو الإحجام، حتى إذا تبين له عدم صلاحيّته وكفايته، تدارك ذلك بالبحث عمّا هو أوضح وأجلى وأتم، وكان لا يجد حرجاً في أن يسلّم للرأي الآخر إذا كان ذلك الرأي يملك الدليل السوي، والبرهان القوي.
كان واسع الأفق، غزير المعارف، سبر أغوار العلوم الإسلامية على اختلافها، حتى ليقال: (إنه كان كثير المطالعة والتعليم، ومن أحفظ الناس) وقيل: إنه (ما ترك للمخالفين كتاباً إلاّ حفظه).
اطّلع على العلوم المتداولة في ذلك العصر، وتتبّعها ولاحقها، ومارسها حتى أصبح لديه ملكة علمية راسخة، تتمّيز بالدقّة والعمق، فجاءت نصوصه على درجة من الخلوص والصفاء، صقلتها حساسية القضايا.
هذه الحساسية تجاه تلك القضايا، أسهمت في تعميق جذور ثقافة المفيد، ووسّعت من آفاقها، فكان المحاور للآخر دون أن يشعر بالحرج أو يحس بالضعف، أو يوجس في نفسه أدنى خيفة أو تردد، وكان "يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية".
وبعبارة أخرى، كان موسوعةً جامعةً لكل العلوم والفنون، فكان الفقيه المدقق والمؤرخ المحقق والكلامي اللامع والمناظر البارع والمصنف، إلى جانب كونه رجالياً محدثاً وعالماً بالتفسير وعلوم القرآن، وأصول الفقه، وغير ذلك من العلوم الإسلامية المتداولة في عصره. ولا نبالغ إن قلنا إنه قد سبق عصره بأشواط ومراحل كبيرة وكثيرة، حتى قال عنه البعض: "كان أوحد في جميع العلوم والفنون من الأصول والفقه والأخبار والرجال والتفسير واللغة وحتى الشعر". ومما جاء في وصفه أيضاً (رئيس الكلام والفقه والجدل).
*مؤلفاته
ترك لنا الشيخ المفيد حوالي مائتي مؤلف ابرزها: المقنعة والأركان في دعائم الدين والإيضاح في الإمامة، والإفصاح في الإمامة، والإرشاد، والعيون والمحاسن، والفضول من العيون والمحاسن، والردّ على الجاحظ والعثمانية، ونقض المروانية، وأوائل المقالات في المذاهب والمختارات.
ونظرة سريعة على مؤلفات هذا العالم الفذّ، تعطينا فكرة واضحة عن مدى استيعابه للمادة والقدرة الفائقة على محورة أفكاره وتناولها بيسرٍ وسهولةٍ ووضوح، من دون المساس بطبيعة النص وبنيته الأولية، بل يستكنه بعمق دقائقه وحقائقه، ويلتقط بسرعة فائفة إشاراته ومراميه، معتمداً في تعاطيه هذا أسلوباً رضياً متّزناً.
توفي الشيخ المفيد –رضوان الله عليه في بغداد في اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك سنة 413هـ، وصلّى عليه السيِّد الشريف المرتضى في ميدان الأشنان بحضور أعداد كبيرة من النّاس، حتّى ضاق ذلك الميدان بالنّاس رغم كبره، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً وعظيماً، وبكاه الناس المؤيد منهم والمخالف.
ولعل من كراماته التي تميّز بها عن باقي علماء الدين على مر التاريخ حظوه بمرقد طاهر الى جوار مرقد الامامين الكاظم والجواد –عليهما السلام-، وكل من يزور الامامين الجوادين لابد له ان يعرج داخل الروضة الطاهرة على مرقد الشيخ المفيد، وقد وضع على قبره شباك مذهب حتى ليخال الناس إنه أحد ابناء الأئمة الاطهار او الصحابة المقربين. ودون شك فهو لم يكن بأقل من ذلك لما قدمه من عظيم جهد ونتاج ثر لاينضب للدين والرسالة المحمدية بما يقوي أسسها في الحياة. ونقل الرواة أبياتاً منسوبة للإمام الحجة المنتظر –عجل الله فرجه الشريف- يرثي بها الشيخ المفيد الذي طالما قيل عن علاقاته الوثيقة به –رحمه الله-، وبامكان من يزور الشيخ داخل الروضة الكاظمية ان يقرأ الابيات الثلاثة المرسومة بخطٍ جميل مذهب:
لاصوّت الناعي بفقدك انه يوم على آل الرسول عظيمُ
إن كنت قد غُيبت في جدث الثرى فالعدل والتوحيد فيك مقيمُ
والقائم المهدي يفرح كلما تليت عليك من الدروس علومُ
|
|