قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
في الذكرى السابعة لافتقاده..
الامام الشيرازي.. مشروع تغييرٍ متكاملٍ للإنسان متصلٌ بالسماء
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *اعداد / قسم الدراسات و البحوث في جمعية العمل الاسلامي
إن تاريخ العظماء حافل ومليء بالعطاء الهائل والنوعي، وأن حياتهم تبقى جوانب منها مضيئة أكثر من غيرها، هذا إذا كانوا عظماء عاديين، أما إذا كانوا عظماء روحانيين بمعنى ارفع و اسمي من المادة والشهرة والدنيا، فإن حياتهم تكون أنصع كونها متصلة بالسماء، وكل ما اتصل بالسماء يسمو بطبيعته..
هكذا كان الإمام الفقيد السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، رجلاً كله للسماء، ولرب السماء وخالق السماء، ذا أفق حضاري واسع أتاح له التعاطي مع الحياة بمنظار ديني أصيل، لقد كان (رحمه الله) مثالاً حياً للخُلق الفاضل والسيرة المحمودة بين الناس، فقد جسد خُلق العالم الحق الذي لا ينتظر من الناس أن يأتوه، بل هو من يبادر ليعيش الناس فيشعرهم أنه جزء منهم فيعيشوه في أخلاقه وعلمه وعبادته. لذلك يجب أن نجعله حاضراً أمام أعيننا في الوقت الحاضر مجسداً للدور الحقيقي للعالِم وما يجب أن يكون عليه، ليؤكد أن العالِم يجب أن يعيش الإسلام المنفتح على الناس جميعاً، وأن الدين هو دين الله، والخلق كلهم عيال الله، لذا وجب الانفتاح عليهم دون استثناء ولأن (العلم هو رأس الخير) كما قال الرسول الكريم(ص)، فلابد لهذا الخير أن ينتشر عبر حامليه إلى العالم كله.
عُرف عنه سعة أفقه وغزارة علمه وعمقه في الإبداع الفقهي، فقد ترك ثروة فقهية ضخمة عبارة عن موسوعة فقهية تضم أكثر من (160) مجلّداً.. كانت له فيها شخصية متميزة ذات تأثير كبير في الفكر الشيعي، جمعاً وتعليلاً وتخريجاً وترجيحاً واجتهاداً وتنمية. وقد لخّص علماء زمانه صفاته بما يأتي: (أتصف الإمام الفقيد بصفات جعلته في الذروة بين رجال العلم والفقه عبر التاريخ الإسلامي الحاضر وأُولى هذه الصفات، امتلاكه ذاكرة واعية وبديهة حاضرة وعقل مستقيم، واتزان في القول والعمل فضلاً عن الحلم وضبط النفس والاستمرارية والمواصلة والمثابرة في العمل رغم الظروف التي دائماً ما كانت تعاكسه. كما كان صادقاً مع نفسه ولم يخضع للضغوط التي حاولت أن تثنيه عن تطبيق الأفكار والرؤى التي قرر مع نفسه تكريسها في الأمة).
وهنا ملاحظة جديرة بالاهتمام لابد من إثارتها. هي أن السيد الإمام الشيرازي (رحمه الله) ترك خلفه ما يزيد على الألف ومائتي عنوان كتاب تتداخل موضوعاتها بين الفقه والسياسة والاجتماع والاخلاق والعلوم والاقتصاد والقانون والبيئة وغير ذلك. ولا نريد هنا إعادة ما ذكر سماحته في كتبه، ولا إلى عرض تلك النظريات والمفاهيم، فذلك ما لا يمكن تحقيقه لا من قبل باحث واحد ولا عشرات الباحثين، لذا كان همنا الأساسي في هذا الحيّز هو الكشف عن منهجية سماحته، وجوهر أفكاره، وإعادة تمثيل رؤاه عسى أن تستفيد الأمة الإسلامية من هذه الإستخلاصات الدقيقة، ومعرفة مدى التطور الذي أدخله في طروحاته، لأن نظريات الإمام الفقيد ومفاهيمه تهدف إلى تغيير الواقع في العالم الإسلامي، بل في العالم كله على نحو الأفضل والأجود لأنها حصيلة الفهم الواعي للإسلام وبمصادر تشريعه الأربعة (القرآن الكريم، السنة النبوية، الإجماع، العقل)، يساعده في ذلك تاريخه الحافل وتراثه العظيم، إضافة إلى الفهم الواعي والرشيد للعصر الحديث والتغييرات الكبيرة الحاصلة فيه.
وبذلك فتح الإمام الراحل (قدس سره) أبواب المستقبل أمام الفرد المسلم ليمتع بثمار عمله وبالتالي يقودنا لنفهم أن النهضة الإسلامية بمرتكزاتها ووسائلها وأهدافها تؤدي إلى مزيد من الكشف عن مكامن إبداع الفرد المسلم فيها. ومنزلته في تطوير نفسه وأهله وجميع أبناء مجتمعه.
هناك حقيقة علمية مهمة لابد من تشخيصها الآن وهي أن الإمام قدم فكراً علمياً نيراً تأثر به بعض علماء الغرب، وبنوا نظرياتهم على افتراضاته واستنتاجاته مع تدعيمها برؤيتهم المادية، فظهرت كأنها نقيض لذلك، وتبرز قوة المتناقضات بين النظريات الغربية وفكر الامام الشيرازي في أحيان عديدة في اختلاف التوجهات والأهداف والأساليب بين النمطين من التفكير والأداء، والذي يعده الإسلام واجباً لا تراجع عنه لأنّ هدف الإسلام سعادة المجتمع في الدنيا والفوز في الآخرة.
لقد عودنا الإمام الشيرازي ـ تغمده الله برحمته ورضوانه ـ في كتبه أن يتناول أعقد وأخطر المسائل بأبسط العبارات، وهي في مجموعها تثير دهشة الباحث بسعة علم الإمام ودقة وصفه. فنحن تارة أمام عالم فقيه ذي ثقافة متشعبة تبيَّن دقة نظرياته وأهميتها، وتارة أمام اقتصادي عظيم مُنظِّر لنظريات علم الاقتصاد، وتارة أمام سياسي محنك تعددت طروحاته وأفكاره وتنبؤاته السياسية وتارة أمام عالم للاجتماع ومفسّرٍ وأديبٍ ذي أسلوب متميز وابتكار غريب في تدوين وتأليف هذه العلوم، ويشهد له السبق في المعرفة بالعلوم الإسلامية.
*العطاء والتحدي*
لقد كانت حياة الإمام الشيرازي الراحل جذوة متوقدة من النشاط والحركة والإبداع ممتزجة بالإرادة الصامدة والهمة العالية مما خلق من شخصيته بعداً متجدداً وسيالاً من الإنتاج الفكري والعلمي المتنوع.. امتاز ببعده عن حاضر الأمة الجامد وقربه إلى مستقبل مستنير يهدف إلى بناء الأزمنة القادمة بقوة النهوض. إن الإمام الراحل أصبح تاريخاً مميزاً كتبه بنفسه، ذلك أنه (قدس سره) صنع مشروعاً إنسانيا شاملاً تتكامل فيه كل العناصر اللازمة لخلق حقبة زمنية مختلفة ومنتزعة من التاريخ الروتيني العادي. فشمولية مشروعه ذاتياً واجتماعياً وسياسياً وحضارياً هي التي توجب علينا كحملة أقلام أن نصفه بصانع التاريخ. لذلك فإننا عندما نقرأ التاريخ الإنساني ونستلهم منه العبر فإننا نقرأ في فترات زمنية معينة كان فيها لأفراد وأمم أداؤهم الإنساني الواضح والمؤثر.
ثم ان الإمام الشيرازي (رحمه الله) شكّل نموذجاً فريداً في عصره والعصور التي سبقته، فقد طرح في مشروعه الشامل أفكاراً تكاد تكون إبداعية في لغة طرحها، وانسجامها بين الدين والعصر، فشكلت الحرية هاجساً ذاتياً متحركاً في مشروعه فكريا وأخلاقياً وشخصيا. إذ كان يعد معركته الأساسية هي الحرب المستمرة ضد الاستبداد والاستعمار، وأن الحرية هي المبدأ الأول الذي يجب أن ينطلق منه المشروع التغييري والإصلاحي للأمة، فكان جهاده مستمراً ضد الطغاة في كل البقاع التي حلّ فيها من أجل توعية الأمة بهذه الحقيقة التي يتوقف عليها مصيرها، فكانت الحرية متشبعة في ذاته وقلبه وفكره حتى أصبح ذلك المتحرر الذي يرفض بشكل مطلق أن تفرض عليه القيود والأغلال. فلم يرضخ للمساومات التي كانت تعرض عليه إغراءً أو تهديداً، بل تمرد على الطغاة ورفض منطق الاستغلال والاستعباد وإن كبلوا حركته وجسده لكنه بذكائه ونضجه وعقليته المعرفية الواسعة كان يتخلص من هذه القيود ويفتح لنفسه آفاقاً جديدة ينشر منها مشروعه الحضاري. فقد كان (قدس سره) أقوى من العبودية و الاستبداد لأن الأحرار هم السادة والحكام على قلوب الناس بعبوديتهم المطلقة لله سبحانه وتعالى.
ويمكن أن نقول عن حركة الإمام الشيرازي أنها مشروع حضاري شامل لأنه كان مشروعاً ناضجاً قام على الفهم الصحيح والوعي السليم والحركة العقلانية، والأهم من ذلك هو تجسّد المشروع الحضاري بشكل عملي على أرض الواقع، وهذا الأمر هو الذي منح حركته الصدقية والواقعية في مبادئها وأهدافها. إذ نرى الإمام الشيرازي الراحل كان يمثل تجسيداً عملياً وواقعياً لأهم المبادئ التي رفع رايتها بشكل متواصل وهو مبدأ اللاعنف والسلم.
فقد كان يرى أن مشكلاتنا لا تحل ومبادئنا لا تطبق إن لم نسلك طريق اللاعنف ونقضي على العنف في أجسادنا وأفكارنا وقلوبنا، فاللاعنف عنده هو طريق العقل وسلوك الأنبياء ولغة المنطق وحوار العقلاء، وهو الأسلوب الذي يقضي على البغضاء والعصبية والانتقام والثأر والجريمة، إذ مع اللاعنف يربح الجميع وتتحقق الغايات والمصالح.
*التميّز في الفكر والرؤية*
لقد تجسد فيه اللاعنف بشكل عميق حتى كانت مدرسته الشخصية المتمثلة بسلوكه الأخلاقي الذاتي أكثر بروزاً من أفكاره التي انتشرت في كتبه ومحاضراته، إذ كان يصفح عمن أساء إليه قبل أن يكمل كلامه، وكان القلب الواسع الذي يتحمل الإساءات ويغض الطرف عنها، والصدر الواسع الذي يتقبل المعارضة ويستقبل النقد، وقد كان قلبه مفتوحاً للجميع دون استثناء ودون تمييز بين عدو أو محايد أو صديق أو شيعي أو سني أو مسلم أو مسيحي، فكان بيته مفتوحاً لكل من كان يريد أن يلتقيه في أي وقت شاء وهذه حقيقة يقرها الجميع.. هذا التسامح الكبير طالما تحول إلى موقف حازم وصمود ذاتي عندما يظلم الطغاة الناس، فقد كان يتحمل ويصبر على الظلم الذي يلحق به ولكنه كان يتخذ موقفاً قوياً (دون قوة عنفية) ضد الظالمين ويدافع عن المظلومين وخصوصاً عندما يكون الظلم تحت عباءة الدين والسلطة، وقد دفع الثمن كبيراً بتضحيات جسام من أجل اتخاذ الموقف الشرعي السليم في أوقات الشدة والمحنة والفتنة.
وعندما وضع الإمام الشيرازي أفكاره خصوصا المميزة منها مثل نظرية الشورى والتعددية وشورى الفقهاء والاخوة والأمة الواحدة نجده يتفاعل معها بوجوده وذاته محاولاً استنطاق جوارحه وعمقه الإنساني من اجل ترجمة هذه المبادئ إلى مشروع حقيقي يأخذ حيزه التكويني على ارض الواقع، فنرى مثلا أن أسس نظريته الخاصة باللاعنف إنما تنطلق من مكنونات ذاتية يحملها بين ثنايا تكوينه النفسي والشخصي. لقد كان عالماً موسوعياً أنتج العديد من الأفكار وأبدعها في الكتب والمؤلفات، وعادة يعرف في علم نفس الشخصية وعلم نفس الإبداع والتفوق العقلي، هذا النمط بـ(الشخصية الخلاقة والإبداعية) كما أطلق عليها الدكتور علي كمال في كتابه (النفس) حيث يقول: من المواضيع التي طالما أغرت الباحثين بالتأمل في أمرها هو موضوع العبقرية، وقد كان من شأن الاهتمام بهذا الموضوع ولادة حيثية جديدة من أنماط الشخصية، اصطلح عليها بالشخصية المبدعة أو الخلاقة..
وبهذا فإن الإمام الشيرازي توفرت لديه المقدرة الحسية والمقدرة العقلية وتهيأت لديه العملية الإبداعية مع الحس العالي نحو المسالمة واللاعنف وتطبيق مبادئها على ذاته أولاً، وبالتالي استطاع أن يستنبط أسس ما اعتقد به كسلوك نابع من ذاته الداخلية.
ويأتي دور الفقهاء والعلماء في قيادتهم للمجتمع الإسلامي وفق الأسس التي سنها الله تعالى في قيادة الإنسان للمجتمع، ومنها المؤهلات اللازمة لتصدي القيادة الشرعية النائبة عن الإمام الغائب الثاني عشر من أئمة أهل البيت (ع) ولاتّباع سنة الرسول (ص) وآل البيت (ع) لما ورد في الحديث: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)، كما جاء في الحديث الشريف: (العلماء ورثة الأنبياء).
*ولادته ونشأته*
ولد السيد محمد الحسيني الشيرازي في العام 1347هـ في مدينة النجف الأشرف، ويُعد الامام الراحل الابن الأكبر للسيد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي ابن الميرزا حبيب الله الحسيني الشيرازي ابن آغا بزرك الشيرازي، أخ المجدد الشيرازي الكبير..
لفقيدنا الكبير ستة أشقاء توفي منهم اثنان مطلع حياتهم (علي وحسين)، وله من الشقيقات سبع، توفي منهن ثلاث في مدينة كربلاء في العراق.
هاجر الإمام محمد الحسيني الشيرازي من مدينة النجف الأشرف بصحبة والده وهو في التاسعة من عمره الى مدينة كربلاء المقدسة، وأتمّ تعليمه على أيدي كبار العلماء والأساتذة والفقهاء منهم: آية الله العظمى الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي و آية الله العظمى السيد هادي الميلاني و آية الله العظمى الشيخ محمد رضا الأصفهاني و آية الله العظمى الشيخ محمد الخطيب و آية الله السيد زين العابدين الكاشاني. وغيرهم..
*تاريخه العلمي ومكانته الدينية والاجتماعية*
عُرفت التقاليد الدينية في المدارس الفقهية بتحقيق المتخصص بعلوم الدين مستويات علمية -معرفية لكي ينال مرتبة الاجتهاد، وكلما كان الفقيه أجود استنباطاً للأحكام الشرعية من الأدلة الاجتهادية (الكتاب، السنة، الإجماع، العقل) وقادراً على تطبيق القواعد الإسلامية بمختلف أبعاد الحياة وتنوعها، يكون قد حقق أعلميته وفقاهته بمستوى أعلى، لذا فإن الاعلمية عدت مجموعة القدرات المكتسبة التي يظهرها المرجع الديني من خلال سعيه واجتهاده بحيث يكون مواكباً لتلك المقدرة التي تؤهله لأن تجعله رمزاً للدين وممثلاً للإمام المعصوم (ع).
الى جانب ذلك كان الإمام الشيرازي شديد الحرص على الاطلاع لما يجري من تحولات اجتماعية وسياسية في البلاد الاسلامية وفي مقدمتها العراق لما تحظى من بعد حضاري وعمق ثقافي وثقل سياسي واستراتيجي، ولابد من القول ونحن في خاتمة المقال ان الامام الراحل كان في طليعة الواعين بحجم المؤامرة العالمية التي تحاك ضد العراق وتاريخه وشعبه وانتمائه الديني.. هذا الوعي والتوثب تجلّى في كثير من مؤلفاته ومحاضراته وايضاً في لقاءاته مع عدد كبير من الساسة والمسؤولين في العراق على مدى سنوات طويلة شملت الحكم الملكي والجمهوري معاً.. فقد سجّل في تاريخه لقاءات هامّة وتاريخية ابرزها اللقاء برئيس الوزراء في اول حكومة جمهورية أطاحت بالملكية وهو اللواء عبد الكريم قاسم، حيث طرح عليه بمعية عدد من وجهاء كربلاء المقدسة مجموعة من المطالب التي تهمّ المدينة الى جانب قضايا تهم الشعب العراقي.. وكان له لقاء بسعيد القزاز وزير الداخلية، و الشيخ محمد رضا الشبيبي، وخليل كنه وزير المعارف، وعبد الهادي الجلبي وزير الأشغال العامة، و السيد محمد الصدر رئيس الوزراء، والفريق الركن محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة بعد انقلاب 14تموز عام 1958، واللقاء مع محمد محسن الرفيعي مدير الاستخبارات العسكرية، واللقاء بفؤاد عارف متصرف لواء كربلاء أيام حكومة عبد السلام عارف من العام واللقاء بالدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق، واللقاء برئيس الجمهورية احمد حسن البكر بعد انقلاب عام 1968م، ومن الشخصيات السياسية المعارضة التي التقاها الامام الراحل هو السيد إدريس البرزاني نجل الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البارزاني.