الأمل والرجاء أمام غيوم الشدائد والمحن
|
*ياسين عبد الصمد
الفرج لا يأتي إلينا بقدميه بل نسعى إليه نحن ونتقدم نحوه خطوة، فيأتي إلينا.
وكما أن صعود الجبل وبلوغ القمة يبدأ بالخطوة الأولى، ثم يتحقق الهدف في واحة رائعة كذلك الفرج، فمن يضع قدمه على الطريق لابد أن يصل يوما ما وإن طال السرى. ولابد أن يجد الراحة والفرج بعد التعب والعناء والشدة.
الخطوة الأولى نحو السعادة والراحة في عدم اليأس فلا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس. ولابد من الإيحاء الذاتي ولابد من اليقين بأن كل هم يزول وكل بلاء ينقضي. وكل شدة لابد أن تتلاشى. وكل مصيبة تبدأ كبيرة ثم تبدأ في الضعف والتلاشي حتى تنتهي، قال الله سبحانه وهو أصدق القائلين وقوله الحق في سورة الانشراح: بسم الله الرحمن الرحيم "الم نشرح لك صدرك* ووضعنا عنك وزرك* الذي أنقض ظهرك* ورفعنا لك ذكرك* فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا* فإذا فرغت فانصب* والى ربك فارغب".
فهذه السورة المباركة كلها مفصحة بذكر الله ـ عز وجل ـ رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) منته عليه في شرح صدره بعد الغم والضيق، ثم انه جلّ جلاله رفع ذكره بعد أن لم يكن. بحيث جعله مذكورا معه. والبشاره له في نفسه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وفي أمته بأن مع العسر الواحد يسرين إذا رغبوا إلى الله تعالى ربهم وأخلصوا له طاعاتهم ونياتهم وقال الله تعالى: " يجعل الله بعد عسر يسرا". وقوله: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه". وقال تعالى: "أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه". إلى قوله: "إعلم أن الله على كل شيء قدير". فأخبر الله تعالى أن الذي مر على القرية استبعد أن يكشف الله عنها وعن أهلها البلاء بقوله: "أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه.." إلى آخر القصة.
فلا شدة أشد من الموت والخراب، ولا فرج أفرج من الحياة أو العمارة، فأعلمه الله تعالى بما فعله بأنه لا يحب أن يستبعد فرجا من الله وصنعا كما عمل به. وأنه قادر على أن يحيي القرية وأهلها كما أحياه الله تعالى فأراه بذلك آياته ومواضع صنعه.
وقال سبحانه: "وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"، وقال تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون".
وروي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله – صلى الله عليه وآله- قال: (لما إبتلع الحوت يونس (عليه السلام) أهوى به إلى قرار البحر فسمع يونس (عليه السلام) تسبيح الحصا وهو في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل: "فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين.
هذه الآية الشريفة هي بشارة لكل مهموم ومكروب بأن الله يفرج همه ويكشف ضره، والدعاء يرد البلاء وقد أُبرم إبراماً، والصدقة تدفع البلاء. فعلى الإنسان إذا واجه مكروها في حياته أو أصابته شدة وبلاء أن لا ييأس، بل يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع فإنه تعالى لايخيب من دعاه.
وأهل البيت ـ عليهم الصلاة والسلام ـ علمونا كلمات الفرج وأهدوا لنا كنوزا عظيمة، ومفاتيح لأبواب السماء ننال بها الرغائب وبها يتحقق الأمل والرجاء، ويأتي الفرج بعد الشدة، يقول الشاعر:
إذا ضاق بك الصدر
ففكر في ألم نشرح
فإن العسر مقرون
بيسرين فلا تبرح
إذا أعضلك الأمر
ففكر في ألم نشرح
وفي الختام تعالوا ندق أبواب الأمل والرجاء. ونعِش لحظات الفرح وساعات السرور، ودقائق البهجة والمتعة ونحلق في فضاء الحب والتسامح والعفو. وننسَ الأحقاد والآلام، وننتقل من صحارى الحياة القاحلة إلى واحة الفرج والعذوبة والمتعة مع أنسام الربيع.
لنسافر معاً في رحلة ممتعة نجمع فيها شيئا من رحيق الزهر وعطر البنفسج وضوء القمر، ونفتح أعيننا على وشوشة النجوم وضحك الطبيعة وإعتدال الجو وروعة الربيع. مع تفتح البراعم والأزهار ونضج الثمار وطلاقة الهواء لنمتع أنفسنا بجمال الطبيعة، فالله تعالى لم يجعل الحياة سوداء مظلمة بل خلق الجمال في الحياة ومنح الإنسان البصر والبصيرة ليسعد الإنسان ويمنحه الأمل والرجاء. وإنه قريب لمن دعاه. وقد جاء في دعاء الافتتاح الذي نتلوه في ليالي شهر رمضان المبارك: (إلهي كم من كربة قد فرجتها، وكم من ثناء جميل لست أهلاً له نشرته. وكم من مكروه دفعته)، وقال تعالى: "ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".
|
|