قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
في الثالث من شهر شعبان المعظم
عندما تبحر سفينة النجاة بين أمواج الحياة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *طاهر القزويني
سيركب سفينة الحسين -عليه السلام- أناس كثيرون لأنها تتسع للجميع بمختلف شرائحهم وطبقاتهم الاجتماعية والعلمية، وليس هناك من يعرف الامام ولايحاول أن يقتنص الفرصة للحاق بسفينته ليكون من بين الناجين على متنها، ولايقتصر ذلك على عامة الناس بل حتى بالنسبة إلى علماء الدين الذين هم في الواقع ينتمون إلى مدرسة الإمام الصادق -عليه السلام- فهم أيضاً يحاولون وبطرق مختلفة أن يكونوا على متن سفينة الحسين -عليه السلام-، ومن بين هؤلاء المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني - رحمه الله- فقد كان شديد الحب والولاء للإمام الحسين -عليه السلام- وكان من عادته في ليلة عاشوراء أن يجمع أهله وعياله في منزله ويقوم بنفسه بقراءة المقتل الحسيني وما جرى عليه وعلى أهل بيته وأنصاره من المصائب في كربلاء وكان يقول في ذلك: أريد أن يسجلني ربي من زمرة المحبين والخطباء الذاكرين لمصيبته.
كان المرحوم الكلبايكاني يعلم جيداً حسب الروايات الواردة أن حساب العلماء وجزاءهم سيكون في عالم الآخرة بعهدة الإمام الصادق -عليه السلام- وأنه سيحاسبهم على كل صغيرة وكبيرة، لكنه وجد سفينة الحسين -عليه السلام- أوسع مجالاً من كل السفن الأخرى وهي أسرع وصولاً لجنة الخُلد.
رجل عظيم ومرجع كبير مثل السيد الكلبايكاني يحاول أن يكون خطيباً بل خادماً للحسين -عليه السلام- حتى ينتفع بهذا المقام العالي في آخرته.. لكن الحسين -سلام الله عليه- ليس للآخرة فقط بل خيره يعم الجميع حتى في الدنيا.
ونحن قد لاندرك مغزى كثير مما يقوم به الناس من تعابير الحزن والفجيعة التي يظهرونها، لكننا سندرك بشكل أكيد شيئاً من عظمة الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ عندما تصدر تلك الأمور من العلماء ومن كبار المراجع العظام.
وهناك قصة ينقلها آية الله العظمى السيد حسين البروجردي – رحمه الله – الذي تولى لفترة من الزمن الزعامة الدينية العليا للشيعة في العالم، يقول فيها: لما كنتُ في بروجرد – وسط ايران- واجهت ألماً شديداً في عيني، فراجعت الأطباء لكنهم يئسوا من علاجي، ولـمّا حلّ شهر محرم الحرام حيث كانت تأتي بعض مواكب العزاء إلى منزلنا هناك، جلستُ أبكي في المجلس الحسيني وكانت عيني تؤلمني بشدة وبينما كنت في تلك الحالة إذ خطر ببالي أن أمس التراب الذي كان على وجوه المعزّين وأبدانهم وأمسحه على عيني على أمل ان تبرأ ببركة الحسين(ع).
ففعلتُ ذلك دون أن يلتفت إليّ أحد هناك، وما أن مسحتُ به على عيني حتى شعرتُ بتخفيف الألم، وأخذت عيناي بالشفاء شيئاً فشيئاً حتى زال الألم تماماً ولم يعد إلى اليوم بل صرتُ أرى بأوضح مما كنت عليه ومن دون الحاجة إلى النظارة.
هذا والغريب في الأمر أنه لما بلغ المرحوم البروجردي التاسعة والثمانين من عمره، قام بعض الأطباء الأختصاصييّن بفحص عينيه، فلم يجدوا فيها ضعفاً وقالوا: أن ضعف العين في مثل هذا العمر هو أمر شائع بين الناس، فكيف بإنسان أنهك عينيه طوال عمره في القراءة والكتابة؟ بل وكان يعاني من ألم العينين في فترة من عمره؟
فبركة الحسين –عليه السلام- هي لاتقتصر على شفاء المرضى تحت قبته كما يقول الشاعر (وتحت قبته الشفاء) بل تعدت تلك البركة الآفاق لتصل الى كل مؤمن وموالٍ وعارف بحق أهل البيت –عليهم السلام- في كل أرجاء العالم ،لأن الملائكة أيضاً يطلبون حاجاتهم عند الحسين -عليه السلام- ويقدمونه شفيعاً لهم امام الله ـ عزوجل ـ.
وإذا كان الذي يملك الاسم الأعظم يستطيع أن يحل به كل العقد المستعصية، فأن المسلمين لديهم الحسين -عليه السلام- المفرج لهمومهم وغمومهم والمعين لهم في أمورهم، وهو الذي يحل كل المشاكل التي لاتقدر عليها قوانين الطبيعة والطب الحديث.
وكلما زادت معرفة الإنسان بالحسين ـ عليه السلام ـ زاد حبه وشوقه إليه وسار في هذا الدرب الصعب حتى وإن واجه الموت المحتم والاخطار الكبيرة، وكان بين هؤلاء السيد عبد الغني الجزائري وكان من خطباء المنبر الحسيني مدة أربعين عاماً حيث عرف منبره في العراق والخليج وكان وقتذاك وكيلاً للإمام السيد محسن الحكيم- أعلى الله مقامه في مدينة الحيرة العراقية.
وفي عام 1987 وخلال التصفيات الجسدية التي شنتها السلطات البعثية ضد خطباء المنبر الحسيني، فقد اغتيل شهيدنا على أيدي الغدر البعثية بعد خطفه في ليلة العشرين من شهر صفر المظفر بعد ما كان متوجهاً لإحياء مجلس حسيني في مدينة (أبو صخير) وبعد تعرضه لعمليات التعذيب التي يجيدها جلاوزة النظام.
ألقيت جثته الشريفة على الطريق بين النجف وكربلاء حيث كانت آثار التعذيب واضحة عليها، وقد وجد زوار الحسين ـ عليه السلام ـ بعد ما اكتشفوا جسده الطاهر قصاصة من الورق في جيبه كتب عليها هذه الأبيات:
بزوار الحسين خلطت نفسي ليشفع لي غداً يوم المعاد
وصرت بركبهم أطوي الفيافي لأحسب منهم عند العداد
لقد ذهب إلى رحمة الله وترك لنا هذا التاريخ المرصع بالجواهر واختلطت دماؤه الشريفة بقيم الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ ومبادئه وحركته المقدسة، وحتى قصاصة الشعر التي تركها لنا تفتح لنا طريقاً واسعاً للوصول بأسرع ما يكون للإمام الحسين -عليه السلام-.
وتختلط مصائر الناس وأرواحهم ودماؤهم بقضية الإمام الحسين –عليه السلام-برعاية من غيب السماء، وحتى أولئك الذين يخدمون في هذا الطريق هم يلمسون حضور الغيب في كل خطوة يقدمون عليها في هذا المضمار، ومن بين هؤلاء خطباء المنبر الحسيني الذين جعلوا أنفسهم في خدمة الإمام الحسين –عليه السلام-.