قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نوافذ ابي ذر ـ الاخيرة ـ
كنوز ثمينة للاستثمار
كلمة لا بد منها
(المقدمة)
من أول أطلالة في كتاب (يا أبا ذر) لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي ـ حفظه الله ـ قلت في نفسي: إن هذا الصحابي الجليل له حق كبير في اعناقنا، وبما اننا ماضون ـ بحول الله ـ في نشر الثقافة الدينية ارتأيت اخراج وصايا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لهذا الصحابي المكافح والغيور، من بين دفتي الكتاب الى رحاب الصحيفة الاسبوعية ومنها الى شبكة الانترنيت، وذلك رجاء إصابة ثلاثة اهداف بعمود واحد في هذه الصفحة: اولاً، التزود بالحكم والمواعظ والاشارات النبوية لحياة افضل وعاقبة حسنة، ثانياً، معرفة حقيقة ابي ذر الغفاري، اذ لولا تربصه في المسجد النبوي ومتابعته وحرصه لما وصل الينا هذا الكنز الثمين، ثالثاً، اصطحاب القراء الكرام من هذه النافذة الى عالم فسيح لا يقتصر الكفاح فيه ضد طغاة المال ولا حتى طغاة السياسة والمنصب، وانما الكفاح دون كلل وملل لطلب الآخرة، وقد سبقنا المرجع الشيرازي في اكتشاف هذه النافذة وله كل الشكر والتقدير..
المحرر
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: (يا أبا ذر.. ان المؤمن ليرى ذنبه كانه تحت صخرة، يخاف ان تقع عليه.. وان الكافر ليرى ذنبه كانه ذبابٌ مرّ على أنفه)!
تحدثنا في العدد السابق عن هذه الفقرة من وصية النبي الاكرم الى تلميذه البار ابي ذر الغفاري، حيث أشار نبينا بوضوح الى ضرورة ان يختبر الانسان دائماً درجة الحساسية إزاء الذنوب والخطايا في نفسه.. فان كان المؤشر دالاً على الانخفاض معناه انه ماض نحو الانحراف والضلال وحتى الكفر، الامر الذي يدعوه لرفع درجة الحساسية الى حيث تشعر نفسه بالغربة والاشمئزاز من اي خطيئة او معصية بحق الناس او الله تعالى..
لكن ما هو السبيل يا ترى؟
في هذه الحلقة الاخيرة نرجو ان نجد السبيل ثم نركز خطانا سيراً نحو الامام؛ فالآيات القرآنية والنصوص الدينية بما فيها من احاديث نبوية وروايات المعصومين ـ عليهم السلام ـ تعد كنوزاً ثمينة ورأسمالاً لا يضاهى لحياة الانسان في الدنيا والآخرة، حيث يمكن لابن آدم استثمارها في تعبيد طريقه نحو النجاح والفلاح في كلا الدارين، ولو اعاد الانسان النظر بالموقف من هذه الكنوز وعادلها بمال الدنيا من ذهب وفضة لتبينت حقيقة تفاهة هذا المتاع القليل إزاء كلمات الله تعالى وكلمات المعصومين ـ سلام الله عليهم ـ، تلك الكنوز المفعمة بالحكمة والنور والفوز العظيم.
بداية يجب ان نعرف ان للانسان بعدين وجوديين، روحاني وجسماني، ولكل واحد من هذين البعدين آفاته وامراضه، وهي قابلة للعلاج اذا ما تمت الاستفادة من تلكم الكنوز فاذا ما تم الالتفات بدقة الى تلكم الكلمات النورانية الحكيمة، امكن استلهام النصائح والارشادات والتعاليم الفذة والدروس القيمة، والقرآن الكريم واحاديث اهل البيت ـ سلام الله عليهم ـ: هم الطبيب البارع والعلاج الناجع لامراض الاناس جميعها وآفاتهم، وهم الوسيلة ايضاً للحصول على تلك الانوار المضيئة.
لامير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ خطبة مهمة ـ وكل خطبه وكلماته ـ سلام الله عليه ـ كذلك جديرة بالمطالعة والتدبر، بوصفها افضل عبرة للناس، وقد أورد الشريف الرضي ـ رحمه الله ـ هذه الخطبة العظيمة في، (نهج البلاغة) فيما اولاه ابن ابي الحديد مزيداً من الاهتمام في (شرح نهج البلاغة) بخاصة، وقد قال في معرض تبيينه لشيءٍ من عظمة هذه الخطبة: واقسم بمن تقسم الامم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة والى الآن اكثر من الف مرة ما قرأتها قط وإلا واحدثت عندي روعة وخوفاً وعظة واثرت في قلبي وجيباً وفي أعضائي رعدة.
في بداية الخطبة، تلا مولانا امير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ آيات من سورة التكاثر المباركة، فقرأ: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ"، ثم قال ـ سلام الله عليه ـ: (يا له مراماً ما ابعده! وزوراً ما اغفله! وخطراً ما افظعه! لقد استخلوا منهم اي مدكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، أ فبمصارع آبائهم يفخرون..؟ ام بعديد الهلكى يتكاثرون..؟ ولان يكونوا عبراً احق من ان يكونوا مفتخراً).
وقال ـ سلام الله عليه ـ في فصل آخر من هذه الخطبة: (والذين كانت لهم مقاوم العز، وحلبات الفخر، ملوكاً وسوقاً، سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً..)
حقاً ان بمستطاع الانسان ان يستلهم العبر الكثيرة من رؤية المقابر، وحيث يطلع ـ مع ذلك ـ على معارف كالمعارف التي تضمنتها خطبة مولى المتقين وسيد الزاهدين ـ سلام الله عليه ـ المشار اليها، فانه سيقضي على غروره وتكبره الى حد كبير، وسيصب عظيم اهتمامه على امر الآخرة.
ومن ناحية اخرى؛ يؤكد الامام علي ـ سلام الله عليه ـ انه على افتراض كون التفاخر بالاموات امراً حسناً، فان استلهام العبرة من مصائرهم امر احسن واشد إلحاحاً، فبدلاً من الاغترار بماضي الآباء والاجداد تفاخراً يراد منه التكبر، علينا ان نأخذ من واقعهم الذي هم عليه الآن الدرس والعبرة.
وبهذه العبرة والاعتبار سيكون من الصعب على الانسان ان يغض النظر عما قد يرتكبه من الذنوب، وما قد يترتب عليه من النتائج، لانه ستعتوره حالة من الهلع والاضطراب، وسيخاف ابداً من ان لا يغفر الله له، بل سيكون الذنب بمنزلة حجر كبير يجثم على صدره، فينتهي به الى الاختناق فالهلاك!!