على ضفاف ذكرى مولد الأمل بنجاة المستضعفين
الانتظار والظهور وثقافة الأجيال
|
*علي الظميري
إن الامام صاحب الزمان المهدي المنتظر -عجل الله تعالى بظهوره المبارك- يُعد حاضر المؤمنين ومستقبلهم؛ المستقبل القائم على أساس النور والحق، المفروض على الناس تكريس حبه في قلوبهم، والاستعداد التام لطاعته، وتوقع ظهوره في كل حين.. قال ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة القصص: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"، هذا القول الرباني العظيم يكشف عن وجود سنّة إلهية أكيدة التحقيق، لأنها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بارادة الخالق القهار، فيما يتعلق بطبيعة الحركة الإجتماعية والتاريخية لعموم الجنس البشري ووجوده في الأرض.
فالنعمة الإلهية الكبرى التي يمنّ بها الله على الناس أولاً وآخراً، هي نعمة الاستخلاف في الأرض، وفق موازين التوحيد والإيمان، ومن ثم بالبناء على سنّة توجيه النصر، مهما تكالب الأعداء واشتدت المؤامرات.
ولاريب أن الفئة الأكثر استضعافاً ومظلومية عبر التاريخ، هم أتباع أهل البيت-عليهم السلام- إذ فيهم يتجسد الحق. وهم الموعودون من قبل الرب المتعال بالاستخلاف والنصر والغلبة، لأنها هي التي بدأت ولاتزال رافعة راية القرآن والعترة الطاهرة.
أما قائد هذه الفئة، فهو الوحيد من بين جميع قادة الأديان المرتبطين بالله تعالى مباشرة الذي لايزال حياً يرزق، ويترقب المؤمنون الاستظلال برايته وإمامته وزعامته، فهو الإمام المهدي ـ سلام الله عليه ـ.
وحيث إن الإمام المهدي -عجل الله تعالى فرجه الشريف- هو المستقبل المشرق، وهو من وعدت البشرية بظهوره الحتمي، فإن هناك تشابهاً زمنياً يشترك به -عليه السلام- مع الجيل الشاب، أو لنقل: مع الأجيال الشابة.. فهو أن لم ينعم الله عليه بالظهور في الوقت الراهن، فإنه لاريب سيظهر في المستقبل، وهذا المستقبل هو موعد الجيل الشاب في الوقت الحاضر، أو من يليه.. مما يفرض على المؤمنين الواعين الإستعداد الدائم لنصرته والمثول بين يديه.
وهذا الاستعداد هو الذي تطلق عليه الروايات الكريمة الواردة عن أهل البيت -عليهم السلام- مصطلح: انتظار الفرج، وأنه من أفضل أعمال الأمة المسلمة والمؤمنة.
فراية الوعي والإستعداد التام لنصرة الإمام، ينبغي أن ترفع خفاقة، والمقصود بالإستعداد التام هو أن يعمل الكبار بصورة متواصلة على إعداد الجيل الشاب اللاحق وتوعيته، بمعنى وضع عجلة الاستعداد على سكة الاجيال لتبقى عجلة الإنتظار نشيطة وفعالة لاتعرف الفتور والتوقف.
والمصداق الأكبر لهذا الاستعداد والانتظار: أن يعمد الكبار إلى نشر الثقافة المهدوية ضمن الجو الأسري مثلاً، كواحد من قنوات العمل والإعداد.. وذلك من خلال تجسيد الحالة المهدوية، وتكريس حب الإمام الحجة المنتظر - سلام الله عليه- في نفوسهم وسلوكهم، ليعيش الصغار والشباب أخلاق الامام وسيرته النيّرة طوال حياتهم.
نعم؛ إن الكبار مكلفون بأن ينطلقوا من معنى كون الإمام نوراً لله في أرضه وكل الوجود، نظراً الى ان الأطفال يحبون النور ويكرهون الظلام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فمن الممكن غرس حب الإمام في قلوب الصغار حبّاً له مصاديقه الواقعية، وذلك عبر تعليمهم حب الخير والصلاح وتكريس الصالحات في نفوسهم، ونبذ العادات السيئة، وهذا ينتهي إلى صناعة جيل مؤمن صالح، جدير بأن يوفر الإستعداد في نفسه لنصرة الإمام سواءٌ ظهر في زمانه أم لم يظهر.
من هنا يمكن القول: ان معنى الإنتظار المطلوب هو الترقب الدائم والفاعل الذي يزرعه الإنسان في نفسه وفي غيره، ليكون انتظاراً لايفصله حاجز الزمن، متطلعاً إلى المستقبل، حيث يتضاعف الإيمان- يوماً بعد آخر- بحتمية الظهور، ولو بقي يوم واحد على قيام الساعة.
وبتمكن الكبار من استيعاب الثقافة المهدوية، فإنهم يقطعون شوطاً كبيراً جداً في عملية نقلها إلى الصغار عبر اجتذابهم إلى القصص والكرامات الخاصة بإمام الزمان، وعبر قولبة الثقافة المهدوية في أطر ميسّرة وتقديمها لهم، للتغلب على ثقافة الباطل التي تعمد قوى الظلام والضلال إلى تزويقها في عقول الشباب ونفوسهم.
بلى..! إن شخصية الإمام المهدي -عجل الله تعالى ظهوره- ليست بتلك الشخصية المبهمة والخيالية لكي يصعب على الكبار نقل حقائقها إلى الصغار، وليس أقرب إلى قلوب الأطفال من الحقائق والصفات الطيبة المقولبة في قوالب جميلة صادقة.. وحيث الإمام المهدي حقيقة ساطعة محببة في نفس الإنسان وفطرته منذ خلقته، فإن المهمة تبدو سهلة للغاية بالنسبة للكبار..
إن الحديث المستمر عن صفات أصحاب إمام الزمان، وعن عصر الظهور المبارك، وعن الإنجازات العظيمة التي ستحققها الدولة المهدوية الكبرى، من خير وأمن ووعي.. يدفع بالأطفال إلى السمو في تطلعاتهم وأرواحهم.
ثم إن شرح سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام ـ للأطفال والشباب، والتحدث عن إمامته التي ابتدأت صغيراً لم يتجاوز الخمس سنوات، له أثر كبير في إجتذاب قلوبهم إلى تعلم المزيد عن الثقافة المهدوية.
ومن المتوقع جداً؛ حصول تقدم كبير في طبيعة إيمان الشباب وحتى الصغار، وايضا في سعة حبهم للإمام المهدي -عليه السلام-، إذا ما تم التطرق إلى الكرامات المهدوية لدى بعض الأطفال، وقصص الكرامات هذه متوافرة في الكتب والمجلات، وليس على الآباء والأمهات سوى اقتناء هذه المصادر الثقافية، وسردها على مسامع صغارهم، وتنظيم أوقات خاصة لإفادتهم بها.
ونحن نعلم أن الإنسان يحب وينجذب إلى من ينجيه ويخلصه من المشاكل والأزمات، فكيف سيكون تعلق الصغار بالإمام الحجة المنتظر، إذا ما تأكد لهم أنه -صلوات الله عليه- سينقذ ويصلح جميع الناس. ولذا فإن من المناسب بمكان، أن تُقّرب إلى الأطفال واليافعين شخصية المنقذ و(مختار الرب المتعال) من الظلم والفساد والهمجية، إلى العدالة والعفة والنور..
كما لابد أن نعلم أن تقاعس الكبار عن تعلّم الثقافة المهدوية واتقان العقيدة الرصينة، وتعليمها لأولادهم، يُعد سبباً مهماً وكبيراً جداً من أسباب إتباع البعض للصيحات الباطلة التي ترفع الراية المهدوية زوراً وبهتانا من قبل المشبوهين المدفوعين بفكربعثي ومؤامرات شيطانية دنيئة، لتحقيق أجندة ومصالح بعيدة كل البعد عن الانسانية والمبادئ الاخلاقية التي نزلت من اجلها الرسالات السماوية وخاتمتها الرسالة المحمدية.
لقد شهدنا في العراق أعمال بقايا حزب البعث وانصارهم من الوهابيين، مساعي لتمرير الافكار الضالة على بعض الناس البسطاء والمغلوب على أمرهم والذين يعيشون ظمأ الثقافة والفكر والصحيح يُعد أكبر عملية تجني على ابناء المجتمع الذي يفترض عقلاً ومنطقاً ان يواكب القدوة الحسنة في حياته.. الامر الذي ادى إلى حصول بعض التشكيك والتراجع بحيث لاحظنا اللهاث خلف راية الضلال بسبب الجهل ودافع المال، تفضيلاً منهم لها على واجب التمسك بحبل الله المتين.. يعني الإمام المهدي ـ عجل الله تعالى ظهوره المبارك ـ.
وما زاد الطين بلّة وجود مساحة كبيرة من الجهل بالروايات الصحيحة والمسندة والخاصة بطبيعة آخر الزمان وفتن ما قبل عصر الظهور أو حتى فتن عصر الظهور نفسه، والتي من شأنها أن تميز بين الجيد والرديء، وبين الحق والباطل، والتي أدلى بها أهل البيت -عليهم السلام- لتعليم الأجيال المتلاحقة وتفهيمهم حراجة الموقف من هذه الفتن، وضرورة عدم الانسياق وراء راياتها الباطلة.
|
|